Culture Magazine Thursday  26/03/2009 G Issue 276
الملف
الخميس 29 ,ربيع الاول 1430   العدد  276
المانع المحقق: لامانع
د. عبدالله الغذامي

 

أفضل ما يفعله المرء مع نفسه هو أن يحدد هدفه وأن يصمد أمام هذا التحديد، ولو رجعت بذاكرتي إلى أيامنا في البعثة في بريطانيا لقلت إن قرار عبدالعزيز المانع بأن يتخذ من التحقيق تخصصا قطعياً له لم يكن قرارا توافقيا وكنت مرة أنا ومحمد الهدلق نهم في محاولة ثني المانع عن هذا القرار خوفا على عينيه من ضرر قد يلحق بهما، وقد كان حينها يعاني من مشكلة في بصره جعلتنا نخاف عليه فعلاً، ولكن الله سلم وحفظ بصره، حيث عمل عملية ناجحة في لندن أواسط عام 1972م، وقد أحسسنا كلنا بعدها بالفرج يعمنا وحمدنا الله كثيراً من بعد قلق طويل وعميق، غير أن التخوف في نفوسنا استمر خشية أن يكون بحثه في المخطوطات عاملا من عوامل الإجهاد البصري الذي قد لا تحتمله عيناه.

ومرت الأيام لتمر معها المخاوف متقلصة في مستواها تدريجيا حتى بدأنا نأخذ بالنسيان، وليصير الموضوع تلقائيا بعد ذلك وصار المانع من بيننا هو المحقق الملتزم بتخصصه الثابت عليه.

وحين فاز عبدالعزيز بجائزة الملك فيصل في مجال التحقيق عادت بي الذاكرة إلى أيامنا تلك، وأحسست بنعمة الله على صاحبنا حيث حفظ له عينيه وحفظ له تخصصه ولم يتركه يحاذر ذلك العمل الذي يستدعي التركيز البصري في فك رموز الخطوط والتباساتها على ورق قديم بعضه متهالك ومتمزق، وبعضه يحتاج إلى تحديق طويل يؤذي تجويفات العين ويرهقها، وهكذا هو التحقيق تعب متصل وجهد منهك، وكثيراً ما ينتهي بجحود أو نقص في التقارير، وكل المحققين الكبار من زمن المستشرقين الأوائل ثم زمن الرواد من المحققين العرب والتحقيق يمر كعمل ثانوي لا يقترب صاحبه من مجد المؤلف ولا صيته، والناس كل الناس يعرفون الجاحظ مثلا ويعرفون البيان والتبيين والرسائل، والحيوان، ولكنه لا ينتبهون لعبدالسلام هارون ولا يتردد اسمه على ذاكرتهم، على الرغم من كل التعب الذي تعبه هارون - رحمه الله - في تحقيق أعمال الجاحظ وإخراجها لنا في صيغة مدققة وموثقة ومضمونة المرجعية.

يموت المحقق كدحا في حياته ولا يجد ما يقابل تعبه من الصيت والشهرة ولا حتى بنسبة ضئيلة بإزاء المؤلف، ويمر اسمه بجوار اسم الناشر وسنة النشر ومكانه وكأنما هو مجرد معلومة ببليوقرافية. أقول هذا وأنا الذي أوشكت أن أكون محققا في بداية حياتي العلمية، ولكن الله ستر، وأقولها صادقا لأنني لا أرى نفسي في ذلك الموقع، وإن كنت أحب التحقيق فعلا وأراه مهنة فيها متعة، خاصة متعة الكشف بعد الكدح حينما تعثر على معلومة ملتبسة، تكون وردت عند المؤلف وتركها دون توضيح، وهذه واحدة من لحظات الفرحة حينما تعثر على حل للغز الكلمات بعد معاناة مع التعب واليأس المتراوحين عليك، وعندي أمثلة طريفة على ذلك، ولابد أن لدى المانع الكثير منها، وربما تعن له الفكرة يوما ويروي لنا طرائف البحث ومفاجآته.

المهم في ذلك كله أن المانع صمد وكافح وصبر وحقق، مثله مثل ضابط البوليس الذي يظل يكدح لكشف ألغاز حادثة ما ومهما تعب في ذلك فإن شهرته لن تكون بربع مقدار شهرة الفاعل الحقيقي للحادثة، ويمر التعب غير ملحوظ وأن وعى الناس بالقصة كاملة، وستكون القصة عادية ويتلاشى غموضها حتى كأن لم تكن غامضة قط، وهذه حالنا مع الكتب المحققة التي نقرؤها وكأنما تسلمناها مباشرة من المؤلف ولا ننتبه إلى تعب المحقق.

تعب المانع واجتهد ونال جزاء كبيرا على تعبه وجاءت المناسبة لتعيد لي ذكريات البدايات، وذكريات الكدح والتعب، ولذا فإن تهنئتي له مزدوجة ومركبة لأنها لحظة تتمدد عندي إلى تاريخ من الصحبة معه ومعرفتي بأنه رجل أخلص لتخصصه وواظب عليه وصدق فيه وجاءت النتائج مفرحة وسعيدة، أسأل الله للصديق العزيز التوفيق الدائم مثلما حفظ له عينيه وقت الشدة وكلل الخوف ذاك بشفاء مديد، حتى جاء يوم توج الله الخوف القديم بفرحة ختامية، وهذا فضل من الله عظيم.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة