Culture Magazine Thursday  03/06/2010 G Issue 313
فضاءات
الخميس 20 ,جمادى الآخر 1431   العدد  313
 
حزن الغذامي.. ماذا يخفي وراءَه ؟
خالد الرفاعي

إذا أذنَ لي القارئُ والقارئةُ أنْ أمارسَ عليهما حدسي بكلِّ سفور، فسأقول بحدسٍ كاليقين - إنْ لم يكنْ اليقينُ دونه - إنّ داخلَ الغذاميِّ حزناً كبيراً وكبيراً أيضاً ...، وسأكونُ أكثرَ سفوراً في تأكيد هذا الحدس اليقين من خلال الموازنة بين صوره الشخصية القديمة وصوره الحديثة؛ لنرى كيف أنه في القديمة يبدو مبتسماً ومتألقاً، ويرتدي عينين متقدتين كما اللهب، وتحيطُ به حالةُ تأهب مثيرة، تجعله على استعداد دائمٍ للهجوم أو الدفاع...، في حين يبدو في صوره الحديثة مختصرَ الجسد، ناعسَ العينين، شاحبَ الملامح، يتكلف الابتسامةَ تكلفاً، وينظر إلى الناس بحزنٍ وأسى، يفسِّره من لا يعرفه على أنه تكبرٌ وتعالٍ...

وبالتأكيد ليس للسنّ علاقةٌ في التمايز هنا؛ لأنني أمتلك القدرةَ على التفريق بين تمايز طبيعي مداره على السنّ مثلاً، وآخر مكتسب بسببٍ فكري أو اجتماعي أو نفسي، وإن كان الفصلُ بين هذه الثلاثة في سياقٍ كهذا صعباً، وصعباً للغاية !!

قد ينظر بعضهم إلى هذا الدليل على أنه ضربٌ من ضروب التدليل المجاني، ولا بأس، لكنني حين قاربتُ صوته انتهيتُ إلى النتيجة عينها، فلقد كان صوته قبل عقدين أكثرَ متانةً وصخباً، في حين تجلى في السنوات الأخيرة هيناً ليناً، يمسح ولا يجرح، ويمرٌّ ولا يترك أثراً سيئاً...

وإذا ظلّ القارئُ ينظر بتأفف إلى هذا الحدس على مستويي الصورة والصوت، وهما عتبتان مهمتان في قراءة الغذامي الجديدة، فإنّ أطروحاته الجديدةَ – هي الأخرى - لا تفضي إلى غير ذلك، فالذي كان يفتح النارَ على خصومه عادَ ليمدَّ إليهم يدَه، والذي كان يواجه أعداءَه باتَ يتراجع عن مواجهتهم، ويدعو لهم حتى وهو يئنُّ تحتَ غطرستهم وصلفهم...

وفي السياق ذاته انتبذ في (ثقافة الخميس) و(المجلة الثقافية) مكاناً قصياً، وراح يشيّع بكلماته كلَّ راحل، فمن (البطحي) إلى (السليم) ومنهما إلى (البنكي)، كلماتٌ تتعثر في أحرفها...، تستوطنُ أزقتَها وقفةٌ على الأطلال، ومناجاةٌ للنفس، ولحظةُ تأمل في المصير...، وفي القراءات الأخيرة بدا الغذامي أكثرَ ميلاً إلى الحزن، فحين كتب رداً على الشبكة الليبرالية عبر فيما كتب عن حزنه مما انتهى إليه حالهم وحاله وحال المحيط الذي يلتفُّ عليهم، وحين قرأ الكتبَ الأكثرَ مبيعاً توقف عند (لاتحزن) دون غيره، وأشار في إحدى مقالاته إلى دور الإيمان في التخفُّف من الأدواء النفسية والجسدية...، وأخذتْ تشيعُ في كتاباته تقنياتُ التذكّر، وحركاتُ الاسترجاع، وصار الحنينُ سيد الموقف، آناً إلى الذوات كالأصدقاء الذين فقدهم، وآونةً أخرى إلى الأشياء كأزقة حارة المسهرية في عنيزة، وإلى القيم التي كانت سائدةً ما قبل قبل الحداثة، ويكاد يبلغ الحنينُ القمةَ حينَ يُلْجِئُ الغذاميَّ إلى تذكر درّاجته التي باعها من أجل شراء الكتب، مما جعله يتطلع إلى معرفة مصيرها بعد هذه السنوات الطويلة، نقرأ له (صحيفة الرياض15235): «كانت تلك آخر درّاجة أمتلكها من بعد تجربة ثلاث دراجات متعاقبة ختمتها هذه الدراجة التي لو علمت عن مكانها اليوم... لدفعت فيها الآلاف؛ لكي أكرمَ مثواها، وأكتب عليها كلمات الامتنان والمحبة...».

الغذامي -إذن- حزين، وقلمه مشغول بتشييع ما مات من الذوات والأشياء والمعاني، وفكرة المصير بدتْ ناتئةً وملموسةً على سطح ما يكتب، والإيمان تجاوز شخصه إلى شخصيته، وصارَ حاضراً بقوّة في خطابه الثقافي...

صورة جديدة يجلِّلها الحزنُ، وصوتٌ جديدٌ تفوح منه رائحةُ البعد والغربة، ومضمونٌ جديدٌ يبدو منشغلاً عن أهل الدنيا بما وراء الدنيا...، هذه (الجديدات) الثلاث أربكت الذين تربوا في محاضن التنميط والأحادية، الغارقين إلى الأذقان في مستنقعات التصنيف الحاد، الرافضين كلَّ انزياحٍ حتى لو تلاه حور، فما كان منهم إلا أنْ صرّحوا بتغيّره، فعده بعضهم متناقضاً وطبلوا لوصف أدونيس «الغذامي خطيب جامع أكثر منه ناقداً»، وعده بعضهم الآخر تائباً ومنيباً وقال سيدهم «أهلاً وسهلاً بك بين إخوتك وأحبابك»، وكأنما هو مسلمٌ جديدٌ دخل في دين الله (أفواجا)، ولم يستتر أحدهم حين تنبأ بأنّ الغذامي سيكون أحدَ دعاة الأدب الإسلامي قريباً !!

دوائر كثيرة تحيط بالغذامي، مزركشة بالاستفهام والتعجب، واختلالٌ كبيرٌ في عملية استقباله وتلقيه، وسيرورةٌ طويلةٌ لعدم فهمه، وكأنما هو مخلوقٌ من طينة أخرى..

لماذا ؟

سؤالٌ أقدِّر أنْ تأخذَنا إجابته إلى مناقشةٍ تتجاوزُ (عبدالله الغذامي) إلى (عبادالله الغذامنة) -كما يعبِّر (السحيمي)-، وتتجاوز المثقفَ إلى الثقافة، والذات إلى الفضاء الذي يحتضنها.

إنّ حالةَ الحزن التي تحيط بالغذامي -وتتجلى في صوته وصورته وتعاطيه مع الوقائع قراءةً وكتابةً- لا تختلف عن حالة الحزنِ التي أحاطت بالأدباء في أعقاب النكسة، والتي تحيط بكلِّ أديبٍ بعد أن يستبينَ أملَه سراباً بقيعة ، وورقةً تذروها الرياح، وحلماً يذوب شيئاً فشيئاً في مستنقعات الواقع الممعر، وهي نفسها الحالة التي تفرز التحوّل، وما ينتج عنه من تحوّلات رؤيوية وأسلوبية.

لقد دشّن الغذامي علاقته بالساحة الثقافية محلياً وعريباً بالاختلاف، وهو السعوديّ الوحيد الذي استطاع أن ينفذ بسلطان كراريسه إلى الآخر، وهو الذي استطاع أنْ يجذِبَ الانتباهَ إلى الأدباء والنقاد السعوديين كما يسجِّل (جابر عصفور)، وهو الوحيد الذي حضر في أطاريح المشارقة والمغاربة على حد سواء، وهو الوحيد الذي أجمع الراصدون من الخارج على رؤيته المتعالية على المألوف...، وبدلاً من أنْ نحتفي بهذا المستثنى، ونصنعَ له تمثالاً في فنائنا، ونسمي باسمه إحدى قاعاتنا، أخذنا نمزِّق أوراقه أمام عينيه ورقةً ورقةً، واجتهدنا في تخريب البيت الذي بناه بعرق جبينه من أجلنا، فوصفه بعضُ الإسلاميين بحاخام الحداثة وبحمارة الإلحاد، وبأوصاف يعفُّ القلمُ العفيفُ عن إيرادها، منطلقين في ذلك كله من حبِّ الله وحبّ العمل الذي يقربهم إليه !! ولقد تعرّض عند تأسيس مشروعه المختلف للكثير من المضايقات التي عبر عن أدناها في (حكاية الحداثة)، وغادر (جدة) -رغم كونها مهبطَ مشروعه، ومضمارَ جياده الأصيلات- إلى الرياض...، غير أنّ الأمورَ في الرياض لم تكنْ بالنسبة إليه أحسنَ حالاً، فقد تعرّضَ على مسرح اليمامة لهجومٍ من صغار العقول والإرادة، ولقد ضاقتْ بي الدنيا رغمَ سعتها حين رأيتُ بعينيّ شاباً لم يبلغ العشرين من عمره يصرخ في وجهه ويطلبُ منه أنْ يسكتَ وأنْ يستمع بأدبٍ إلى كلمات صاحبِ الفضيلة !!

وإذا كانت مثل هذه المواقف مقبولةً على علاتها من السذّج البسطاء، الملفوفين بثياب الجهل والخيبة، فإن السمّ القاتل أن يتلقى الغذامي طعنةً تلو أخرى من أصدقاء كانوا يبادلونه نخبَ المدائح والثناءات، لم يحسنوا التعامل مع الاختلاف الذي يجري في دمه، ولم يفرّقوا في تعاطيهم مع منجزه بين الشخص والشخصية، ولا بين القائل والمقولة، فأرسلوا عليه ريحاً عاتية، أحرقت بعضَ حدائقه، ودمرتْ جزءاً كبيراً من مطاراته...

وأكاد أجزم أنّ الغذامي لم يؤتَ إلا من الثانية، يوم أنْ اكتشفَ ثقافةً لا تحمل طهرَ الثقافة، ومثقفين من ورق، تحرقهم حبة اللهب، وتطير بهم نسمةُ الهواء، فقرّر اعتزالَ الأندية ومرجعيتها الكبرى، واستعدّ لإحراق كتبه، وأطعم النارَ رسائلَه الجميلاتِ، وعرف أنّ ما كان يحلم به من عشرين عاماً لا يملك اليومَ حتى الدفاع عن نفسه في عالم لما يزلْ يراوحُ في نقطة الانطلاقة.

وحين دعته جامعة الإمام وجد في الدعوة المتأخِّرة شمعةً واحدةً قادرةً على استفزاز جحافل الظلام، فكشف للمجلة الثقافية عن فرحته بهذه الدعوة وسعادته الكبيرة بها، خاصة أنها جاءته في سنته الوظيفية الأخيرة؛ لتمنحه حقّ العودة إلى جامعة الإمام بعد أن غادرها طالباً طامحاً قبل أربعين عاماً، لكنّ فرحته لم تكتمل، فسُحِبَت الدعوةُ بنية التأجيل، وحلت محلَّها دعوةٌ أجمل من مثقفي البحرين، لم يتردّد الغذامي في إجابتها، وحين جلس على المنصة في اليمامة، استهلّ محاضرته قائلاً: «شكراً لجامعة الإمام، فقد تركتْ لي الختامَ في مملكة البحرين، التي أحبها وتحبني ، فهي بالنسبة إليّ نقطةُ أمانٍ؛ كونها رئتي وشراييني التي أتنفسُ من خلالهما...»، وحين انتهى من هذه الاستهلالة ردّ عليه مثقفو البحرين التحيةَ الجميلةَ بتصفيقٍ بدا أقوى من تصفيقنا، وترحيبٍ بدا أوسعَ من حربنا؛ وكأني بهم قد فهموا ما كان يرمي إليه رهينُ الغربتين...، وإنه لمؤلم أنْ تنبتَ النخلةُ الجميلةُ في أحواضنا، ثم يجني منها الآخرونَ الظلَّ والرطبَ !!

الغذامي حزين، هذا ما تقوله الصورةُ، وهذا ما يؤكده الصوتُ والصدى، وهو حزنُ المثقف حين يعيش في فضاء لا يفهمه، ولا يؤمن بوظيفته، ولا يقدِّر منجزَه، وإذا لم نراجعْ حساباتنا، ولم يعالج المثقفون حواراتهم الداخلية، فإنّ بوصلةَ الحزن ستقفُ عند آخرين، وسنظلّ نفقد كلّ يوم مثقفاً أو أديباً، يتوارى عن منصاتنا، وينكمشُ على ذاته، ويعيش كالمنبتِّ في الماضي الجميل...

هل فهمتم لماذا انصرفَ الغذاميُّ في الآونة الأخيرة إلى معالجة صورة الأميين في ثقافتنا ؟!

«لأنه ألفى لدى البابِ وهماً» !!

Alrafai16@hotmail.com الرياض
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة