Culture Magazine Thursday  07/10/2010 G Issue 318
فضاءات
الخميس 28 ,شوال 1431   العدد  318
 
المصطلح النقدي.. بين (الزِّئبقَة) و(السِّردَاب) 3-3
عمر بن عبد العزيز المحمود

تحدثتُ في الجزأين السابقين عن أهمية (المصطلح) في مختلف العلوم، وحاولتُ أن أضيء أبرز (المشكلات) التي تواجه (المصطلح النقدي) خاصة، والمتأمل لتلك (المشكلات) سيلحظ أنها تتصل في الغالب ب(المصطلح التراثي القديم)، ولا شك أن (المصطلح الحديث) قد نال نصيبه من هذه (المشكلات)، لذا فسيكون هذا الجزء خاصاً بعرض أبرز أهم (الإشكاليات) التي تواجه (المصطلح النقدي الحديث).

يمكن تصنيف (المشكلات) التي تتعرض لها (المصطلحات النقدية الحديثة) في عدة جوانب:

الجانب الأول/ ما يتصل بالمصطلح نفسه، وأكثر المشكلات في هذا السياق (تزاحم أكثر من مصطلح على وصف ظاهرة معينة)، وهذا الأمر يدفعه إلى تداخله مع (مدلولات) أخرى، ولعل السبب في هذا الإشكال هو (غياب الدقة في التأسيس)، فالمسألة تصبح أكثر تعقيدا حين يحاول المخترع فرض مصطلحه على شكل (أدبي مستحدث)، ومع هذا نلحظ أن هذا (المصطلح) يلقى رواجاً في الأوساط (اللغوية) و(النقدية)، فحين نشرت (نازك الملائكة) قصيدة (الكوليرا) عام 1947م ونشر (بدر شاكر السياب) قصيدة (هل كان حبا)، اتبعا فيهما (تكرار تفعيلة معينة) من البحور الصافية، وقد أطلقت (نازك) على هذا الشكل المستحدث اسم (الشعر الحر)، و(الإشكالية) في هذا (المصطلح) تعود إلى مجموعة من الأسباب:

- كونه (ترجمة) للمصطلح الإنجليزي (free verse) الذي يعني في الأصل (التحرر) تماما من (الوزن) و(القافية)، كما هي الحال عند الشاعر الأمريكي (والت وتمن)، فثمة تضارب في المفهومين (العربي) و(الغربي).

- إنَّ مفهوم (الشعر الحر) كما ينادي به مؤسسوه لا يملك في الحقيقة من (الحرية) إلا قدراً محدوداً، يتمثل في عدد (التفعيلات) في كل شطر، وفي (القافية) إرسالا وتقييدا.

- عدم اتفاق (الشعراء) و(النقاد) على (المصطلح)، بل إن كثيراً منهم ما زال يرفضه!

- (عمومية) مدلول هذا (المصطلح)، و(اتساع) مدلوله (الأصلي) و(اللغوي).

- إنَّ هذا (المصطلح) كان قد اُستخدم لنوعٍ شعري مختلف قبل أن تطرحه (نازك الملائكة).

لقد دعت هذه الأسباب وغيرها (الشعراء) و(النقاد) إلى محاولة وضع (مصطلحات) دالة على هذا (الشكل الأدبي) المستحدث، فطُرحت تسميات مثل: (الشعر الجديد)، (الشعر الحديث)، (الشعر المعاصر)، (شعر الحداثة)، (الشعر المستحدث)، ومع هذا بقيت تسمية (الشعر الحر) من أكثر التسميات شيوعا.

ومن المشكلات التي تتصل بالمصطلح النقدي الحديث (تعارض بعضها مع معتقداتنا الدينية)، مثل نظرية (الوساطة) التي تظهر عليها بصمة (العقيدة النصرانية)، وتقوم على ثلاثة أمور: (الذات) و(الموضوع) و(الوسيط)، وتجعل (التثليث) هو جوهر النظرية كما هو جوهر (العقيدة النصرانية).

ومن المشكلات في هذا السياق (إيهام المصطلح بمدلول آخر)، وذلك مثل (الشخصية الثانوية)، إذ قد يوهم هذا المصطلح أن المقصود هو الشخصية التي لا دور لها في الرواية، وهذا غير صحيح، ف(الشخصية الثانوية) قد يكون لها تأثير كبير في مجرى (الحدث العام)، فتكون (فاعلة) و(متحركة)، ودافعة ل(عجلة الأحداث)، ولربما أتى (الحل) بواسطتها.

كما أنَّ من المشكلات (الجمع بين النقيضين) في (المصطلح الواحد)، وليس أدلّ على ذلك من (قصيدة النثر)، إذ كيف يجتمع (الشعر) و(النثر) في (مصطلح واحد)، بل كيف نصف (النص الأدبي) بأنه (شعر) و(نثر) في الوقت نفسه، وقد دعت هذه (الإشكالية) إلى استبدال هذا (المصطلح) بغيره وهو (النثيرة)، لكنَّ الشيوع والانتشار كانا من نصيب المصطلح الأول.

الجانب الثاني/ ما يتصل بالمعاجم والمعجميين، ويأتي على رأس المشكلات في هذا الجانب الاعتماد على طرق (التعريب التقليدية) (الاشتقاق، النحت، التركيب، المجاز) مما ساهم في (بطء) وضع المصطلحات، وهذه الطرق لا تخرج غالبا عن (الأوزان الصرفية) المعروفة في الفصحى، غير أنَّ التزام هذه (الأوزان) وعدم تجاوزها يمثل (تحدياً) أمام من يقوم بوضح المصطلح.

ومن مشكلات هذا الجانب حدوث (التراكمات) على مستوى (الإبداع) و(النقد)، وتخلف (معاجم المصطلحات الأدبية) الموجودة عن مسايرة (الإنتاج المعاصر)، ف(الأدب) و(النقد) في حركة دائبة، وفي كل يوم نشهد عدداً من (النصوص الأدبية) و(المناهج النقدية)، غير أنَّ (المعاجم النقدية) لا تفي بمتطلبات تلك الحركة.

كما أنه لا يمكن أن نغفل في هذا السياق (الجرأة) على وضع (المصطلح النقدي)، حيث يستطيع كل من أراد أن يضع ما شاء من مصطلحات دون الرجوع إلى (جهة رسمية) بذلك، ف(المصطلح) ما سمي بذلك إلا لاصطلاح فئة من الناس عليه. ويمكن أن نعد ضمن هذه المشكلات ربط (المصطلح) ب(الآداب الاجتماعية)، ولعل سبب هذه (الإشكالية) هو (الخلط) بين (شخصية الأديب) و(نتاجه الأدبي)، فبعضهم يظن أنَّ في نقد (النتاج الأدبي) إضراراً ب(شخصية الأديب) وإلحاق الأذى به، كما فعل أحدهم حين رفض مصطلح (النقد) بحجة أن فيه نوعاً من (الإساءة) إلى (الأديب) وتتبع (سقطاته الأدبية)، واستبدله ب(النصح الأدبي)، وأنَّ هذا (المصطلح الجديد) فيه بُعدٌ عن (الغيبة) المحرمة شرعا!

الجانب الثالث/ ما يتصل بالترجمة، وهنا تتفاقم المشكلات وتكثر، فمن ذلك (تعدد المصطلحات) حسب (المدارس المختلفة)، مما يؤدي إلى فهم هذه (المصطلحات) بصورة تخالف ما قصده واضعها الأول، كما أنَّ منها الشعور بأنَّ بعض (المصطلحات) تتسبب في (الاعتداء) على (حرمة المعاني) التي ارتبطت بهذه الكلمات في الحياة العادية كما نرى في مصطلح (التشريحية)، وكذلك الشعور بأنَّ بعض (المصطلحات) تخرج على مقاييس (اللغة) وذوقها مثل مصطلح (زمكانية).

وما دام الحديث عن المشكلات المتصلة بالترجمة فيمكن أن نذكر في هذا السياق عدم وجود (مقابلات) عربية (دقيقة) لبعض (المصطلحات الأجنبية)، كما يمكن أن نعد من ذلك نقص (خبرة) المترجم في مجال التخصص العام أو الدقيق، وضعف (قدرته اللغوية) بالنظر إلى (السياق الحضاري) الذي أُسِّس فيه (المصطلح)، وهذا يؤدي إلى ترجمة (المصطلح) ترجمة (حرفية) وصياغته بعبارة طويلة، وتعجُّل (تداوله) قبل التحقق من (فعاليته) في (اللغة الأصل)، ومحاولة (بتره) عن (المقاربات المصطلحية) الأخرى.

ومن المشكلات المتصلة بالترجمة (اختلاف دلالة المصطلح)، وإطلاقه على عدد من (المفاهيم)، وهذا راجعٌ إلى عدم دقة (المصطلح) ووضوحه في (اللغة الأصل)، مثل مصطلحي (فونتايك) و(فونولوجيا) اللذين يُعدَّان من أكثر المصطلحات استعمالا في (علم اللغة الإنجليزي)، ومع هذا نجد لهما عدداً من (التفسيرات) التي توقع في الحيرة والارتباك، وإذا أردتَ أن تتأكد من ذلك فانظر مفهوم كل واحد منهما عند de Saussure (دي سوسير) وعند مدرسة Prague (براغ) وعند (الألسنية الأمريكية)، وهذا الخلاف قد امتدَّ إلى (اللغة العربية)، فاختلف الدارسون العرب في تحديد (مفهوم) واضح لكل واحد منهما.

كما أنَّ من المشكلات التي تواجه (المصطلح النقدي الحديث) من جانب (الترجمة) اختلاف مُسمَّى (المصطلح) في (أصوله الغربية)، مثل مصطلح (الرومانسية) الذي نرى أنه في الألمانية (رومانتك) وفي الفرنسية (رومانتزم) وفي الإنجليزية (رومانتكزم)، مما جعل بعض النقاد يسميه (الرومانسية) وبعضهم الآخر يسميه (الرومانتيكية)، ومن الطريف أن بعض الدارسين يظن أنَّ (الرومانتيكية) مذهب آخر غير (الرومانسية)!

الجانب الرابع/ ما يتصل بالبيئة الثقافية، ومن المشكلات المتصلة بهذا الجانب عدم وجود (جهة معينة) بوضع المصطلحات ومراجعتها وإقرارها وإشاعتها بين النقاد، ف(المصطلح) لا يكتسب قيمته بمجرد اقتراحه ووضعه مهما بذل صاحبه فيه من جهد، ومهما كان دقيقا، وإنما يكتسب هذه القيمة ب(شيوعه) و(استعماله). كما أنَّ من المشكلات المتعلقة ب(البيئة الثقافية) عدم تقيد بعض الجهات (الثقافية) و(المجمعية) بضوابط وضع (المصطلح)، ولا شكَّ أنَّ هذا يفتح الباب على مصراعيه لكثير من المشكلات الأخرى، كما أنَّ من إشكاليات (المصطلح الحديث) تعدد (البيئات الثقافية) في الوطن العربي، وصلابة الحدود المصنوعة بين (الأقطار العربية)، ولا أدل على ذلك من بيئة (المشارقة) و(المغاربة)، مما جعل كل ناقد من النقاد يجتهد اجتهاداً (فردياً) لنقل (المفاهيم الغربية)، واختيار (الكلمات العربية) التي يحس هو أنها تحمل (دلالات) المصطلح (الأصلي) من وجهة نظره.

هذه بعض المشكلات التي تواجه (المصطلح النقدي) بشقيه: (القديم) و(الحديث)، ولا بد أنَّ يدرك (الأدباء) و(النقاد) عِظَم هذه (المشكلات) وضخامتها، وأن يزيدوا من اهتمامهم وعنايتهم ب(المصطلح النقدي) من خلال عقد (المؤتمرات) و(الندوات)، أو من خلال إفراده بالدراسات عن طريق تأليف (الكتب) وإنشاء (المقالات)، ليُسهموا في معالجتها، ف(المصطلحات) مفاتيح كل علم، وإذا كانت تواجه كل هذه (الإشكاليات) دون (وقفةٍ جادَّة) أمامها من (أصحاب الشأن)، فإنَّ هذا العلم سيسير في طريقٍ مظلم، وربما يصل بسبب ذلك إلى الهاوية.

Omar1401@gmail.com الرياض
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة