Culture Magazine Thursday  14/10/2010 G Issue 319
فضاءات
الخميس 6 ,ذو القعدة 1431   العدد  319
 
قياس الاستقراء في علم المنطق
عبدالله محمد السعوي

ثمة دور تتصاعد قيمته لقياس الاستقراء الذي انتصب رمزا في واقع المنطق التيمي بوصفه أداة حيوية فاعلة عميقة المدى حيث هي آهلة بزخم من المعطيات التي يتقرر استصحابها في سياق الانخراط في حقول البحث عن مفاصل الحقائق وإبان التعاطي مع لغاتها المفاهيمية.

النظام الاستقرائي بفعل قدرته البنيوية وماله من دور وظيفي في احتواء ما يعز على الحصرمن المفردات غير المتناهية التي تتحرك تحت سقفه، ولما لايتناهى من آحاد الصور التي لا تنفك عن التجدد والحدوث، يكثِّف قياس الاستقراء وعلى نحو ملحوظ من فاعلية تواجد الحقيقة المتماسكة داخليا فيمنحها مدّاً ويضيف إليها مدى ويحدوها إلى مداها الأنأى، ويدعم ديمومتها في حالة من التأبيد لتظل جراء ذلك أكثر مضاء ويمكّن إرهاصات شيوعها لترى النور ومن ثم انحسار- كردة فعل عكسية - المناحي ذات المحتوى النقيض والتأسيس لاستئصال شأفتها والخلوص بالتالي إلى معانقة المنشود الذي يعتبر قياس الاستقراء أحد المسارات القائدة صوبه. وكما يقرر(الغزالي) في مستصفاه الأصولي ف»الاستقراء حجة قاطعة»(1-311)

بالقياس ينتقل العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن خلال استحضار العقل لمادة الأداة الاستقرائية الحاوية لما لا ينحصر من الجزئيات يتسنى له الإفلات من دهاليز المجهول باتجاه مرافيء المعلوم عبر إضاءة فضاءات صيرورة المقاربة، أي بمكنة العقل التمييز بين الماهيات وإدراك الشيء كوحدة كلية عبر(التسوية) بين المتماثلات و(التفريق) عبر إقامة فواصل حاجزة وملحوظة بين المواد المحكومة بمبدأ أولوية التباين، وإدراك نقاط التمفصل سواء ما كان منها طافيا على السطح أو ما كان منها مغيبا في الأعماق من ذلك الضرب الذي تحتاج مكاشفة مخبوئه لدقة أكثر، دقة من شأنها بلورة ضرب من التصور أنفذ عمقا. وفي هذا الصدد يقرر ذو الوعي القلق، والمقلق في آن ابن تيمية عبر هذا المقبوس التالي:» إن حكم الشيء حكم مثله، كما إذا عرفنا أن هذه النار محرقة علمنا أن النار الغائبة محرقة لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله»انظر (الرد على المنطقيين 1-127).

العنصر العقلي يتسم بقدرة فائقة على معاينة حيثيات التشاكل التماثلي من جهة وملامسة مكونات التباين من جهة أخرى ومن ثم بمكنته- بعد المتابعة الاستبيانية الاستقصائية - إسقاط الحكم ذي الطابع التعميمي المفقهن على ذلك القاسم المشترك في الحقل المحكوم بضرب من التضارع بين مفرداته.

الحكم التعميمي هنا يجري تشكله انبعاثا من علاقة اللزوم التي على إثرها يتخلق الفعل الاستقرائي ويتحقق الاعتبار، لأن نظام التماثل له حضوره الاطرادي في هذاالعالم المترامي الأنحاء. وفي هذا الصدد يقرر ابن تيمية أن الله بيّن:» أن السنة لا تتبدل ولا تتحول في غير موضع، والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول، ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار «والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه(الفتاوى 13-20).

ولو تمعنت في الجهاز المفاهيمي الذي يشكل مقومات المتن التيمي لألفيته فيما يمتّ بوشيجة لهذا الموضوع قد أقامه - أي أقام قياس الاستقراء الجمعي الذي منه تُستقى التقعيدات ذات السمة التأصيلية- على قانونين اثنين يقفان وراء تبلوره كحقيقة شاخصة مشرعنة ويرسمان بدرجة عالية من الدقة تلك الإستراتيجية التي يجري عبرها استنطاق ومكاشفة البنية الفعلية للأشياء:

الأول:

قانون (العِلّيّة) حيث إن خلف كل معلول ثمة علة حدَت نحوه وإثبات أحدهما ونفي الآخر هو انقلابٌ ضد تموضعِ مقتضى مبدأالعلية. العلة مقتضية للمعلول الذي يُستدل بثبوته عليها، والعلة الواحدة تُحدِث - جراء ملابسات وقوانين متماثلة - ذات المعلول فهما محكومان بضرب من الآصرة الوشائجية البالغة الالتحام.

السبب يلزم عنه مسببٌ هو ذاته يجري توليده تحت ظروف متقاطعة، متماثلة مرّبها السبب الذي يكون له نفس الفاعلية لتموقعه في ظل أجواء محكومة بمناخ واحد. ولو تباينت طبيعة المعلول مع اتحاد العلة - وهذا متعذر الحدوث - لكان ذلك مسوغا للطعن في الاعتبارات التي تخضع لها المزاولة العقلية هنا وبالتالي لابد لها من مراجعة حساباتها ومساءلة معاييرها للتحرك على نحو أكثر فعالية وعبر آليات تراعي علاقات العلية.

الثاني:

قانون (الاطرادية) في وقوع الحوادث حيث ثمة تتابع ملموس فائق الجلاء وثمة نظامُ تعاقبٍ ينم عن سُنة ناموسية ذات نسق متعال على التحوير، فالاطراد في عمقي الزمان والمكان معاً مهيمن عليها ساكن في أعماقها وهو اطراد بين السابق كعلة، واللاحق كمعلولٍ لايمكن أن يتخلف جزافا، إنه تلازم يتكيء على خصائص ثابتة، إنه ضروري الوقوع كلما انتفت العقابيل الصارفة عن تموقعه على هذا النحو. وإن جرى تخلّف هذا التلازم ذات لحظة مّا فليس إلالفوات شرط أولقيام مانع لا يقدح في الاقتضاء كالمعجزة والخارقة ونحوها. إنه أي هذا الاطراد مؤسس على ما تقتضيه خواص الأشياء على نحو يجعل إمكان المصادفة يظل مَلغيا. قانون الاطراد يتكيء على ضرورة عقلية مبنية على أن خصائص الأشياء ثابتة والطبيعة الموحدة منتظمة لكافة أفراد النوع في حالة من التماثل، ومن هنا فإذا تجلت العلة وتبلورت كينونتها وفق خصائص ناهضة على التماثل فإن المعلول الذي يجري إفرازه سيكون مفعما بتجليات المضارعة كإفراز طبيعي لذلك النظام الاطرادي إذْ تكرارالتلازم بين السبب والمسبب يتعذرتخلقه، بل يفترض التعاطي معه بحسبه مقتضى خاصية السبب التي هي القدرالمشترك الكلي بين آحاده. فالمعلول مشدود إلى علته وليس كيانا مستقلا بذاته منفصلا عن العلة،بل يرتبط معها ارتباط الضرورة الحتمية التي تتضمن اعتباره محض الربط والتعلق فتكرر الظروف المتماثلة ستولد بالضرورة معطياتٍ محكومةٍ بالتماثل لتَمْثُل على أرض الواقع في نهاية الأمر. وليس في ذلك ثمة مراء، وهكذا يشكل البعد الاطرادي في هذا الصدد الضامن الأبدي لتجسيد تماثل المعلول.

احتفاء ابن تيمية بقياس الاستقراء كآلة تقعيدية يندرج تحتها مالا يحد من الفروع هو ما حدا به إلى الاستدراك على تلك الفكرة المتداولة عند الأصوليين من المتكلمين ومن جرى على إثرهم ونحا نحوهم في حصر الضروريات التي جاء الشرع بحفظها في خمس فقط حيث يؤكد ابن تيمية قصور تلك النظرة الأصولية مقررا أن «ضرورات الشرع تتجاوز ذلك بكثير»انظر(المجموع 32-233).

ويقرر انطلاقا من ممارسة استقرائية مكثفة:»أن المصالح الشرعية لا يصح أن تقصر على المقاصد الخمسة المعروفة حفظ الاديان والنفوس والأموال والعقول والأعراض بالصورة السائدة عند معظم الأصوليين والتي تركز في غالبيتها على الظواهر دون البواطن وتعتني بدفع المضار أكثر من جلب المنافع بل لابد أن تشمل كل تلك الجوانب مجتمعة»(الفتاوى 11-343).

الاتصال التيمي بمناحي القوالب الاستقرائية كثيرا ما يعبر عنه ابن تيمية وينص عليه تنصيصا مباشرا فمثلا لما تناول قضية الإجماع وضرورة ارتباطه الوشائجي بالنص قال:»لكنا استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة «(يقصد عدم معارضتها للنص فهي والِجة في إطاره على نحو مباشر أو غير مباشر)انظر(المجموع 19-196) وفي أحيان كثيرة أيضا لايصرِّح به أي لا يصرح بلفظ الاستقراء. ولذلك هذا اللفظ الصريح لا يُعايَن دائما باللفظ التيمي من خلال صفته الوضعية وإنما يفهم من لسان سياقه وعبر تلك الدلالة الإشارية التي لا يصرح بها اللفظ ولا تُتَهجى في حروفه ونظامه المفرداتي وإنما تُلمح من خلاله على النحو الذي يسميه الأصوليون:(فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، وإشارة الخطاب).

وهكذا يتجلى أن المادة الاستقرائية في العرف التيمي من أفعل التقنيات التي تحسن مستوى الرؤية للأشياء وتقي بالتالي من السقوط في أخاديد الوزر المعرفي. إنها تُوسع المنظور الذي نتعاطاه إبان معاينة الحقائق والغوص في خضم بحرها العميق.

Abdalla_2015@hotmail.com بريدة
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة