Culture Magazine Thursday  15/04/2010 G Issue 306
فضاءات
الخميس 1 ,جمادى الاولى 1431   العدد  306
 
فلسطين المبدعة
قاسم حول

الأيام الصعبة والحلوة والمرة عشناها في بيروت منذ بداية السبعينات وحتى عام 1982 حيث افترق الأحباب مرغمين وغصباَ عنهم! كنا نعيش بين الحلم في التغيير كل يغير عالمه حسب ما يشتهي وحسب ما يريد. أحيانا يكون نهارنا ليلا حيث ننزل في السراديب من شدة القصف الإسرائيلي وأحيانا يكون ليلنا نهاراً حيث أضواء القذائف والبالونات الكاشفة والتي تحيل الليل نهاراَ. وكنا وسط هذه الأجواء نكتب ونحن جيل كل منا معسكر كامل من الأقلام والأفلام والدفاتر وكاميرات السينما نلون الواقع الفلسطيني بنسائم عراقية وسورية ولبنانية ومن السويد وأمريكا والنرويج وكل بقاع الدنيا وكان ثمة شاعر يكتب شعراً جميلا ويتمرد ويبحث عن الجديد ويرفص الكلاسيكي والتقليدي هو الشاعر السوري هادي دانيال.

جمع ما كتب عن فلسطين في تلك الفترة التي اتسمت بانفعالاتها الإيجابية والسلبية وأصدرها اليوم في تونس عن «دار نقوش عربية» بعنوان «فلسطين المبدعة» تناول فيها حياة كتاب وفنانين مبدعين فلسطينيين. حمل المقالات معه على فترات كثيرة أثناء تواجدنا في بيروت وبعد مغادرتنا بيروت. وجلس صافي الذهن ليرتب تلك الموضوعات وينتجها في كتاب ضمن منهج يحمل فكرة الإبداع الفلسطيني.

ضم الكتاب دراسة عن غسان كنفاني ومحمود درويش ومعين بسيسو وأحمد دحبور وحنا أبو حنا وفدوى طوقان وأحمد دحبور والمتوكل طه وخالد درويش، وعن الروائي والقاص يحيى يخلف يناقش هادي دانيال «بحيرة وراء الريح» وماء السماء» ولأكرم هنية مكان ومكانة في الكتاب عن القصة القصيرة كما يتناول الكتاب الفن التشكيلي من خلال عبد الحي مسلم وجماعة فناني الأرض وينتهي مع نصري الحجاج في فن السينما.

هذه الدراسات تنوعت بين جريدة السفير في السبعينات وجريدة الصريح في تونس حيث يقيم الكاتب منذ عام 1982 بعد أن غادرت منظمة التحرير الفلسطينية بيروت.

كتابة هادي دانيال عن الإبداع الفلسطيني في الأدب والفن يختلف عن كتابات غيره من غير الفلسطينين. أغلب الذين غادروا بيروت بعد الغزو الإسرائيلي يكتبون أحيانا عن فلسطين والثقافة الفلسطينية تحديدا عن مثقفي فلسطين ولبنان وتأتي كتاباتهم أشبه بذكريات ليس غير ولم يذهبوا بعيدا نحو فلسطين الأرض ومن بينهم كاتب هذه السطور. حيث على سبيل المثال داهمني الهم العراقي وتجاوز حقبة حقيقية وهامة في حياتي وهي حقبة ما بعد الهزيمة العربية وحتى عام 1982 حين عشنا أجمل سني حياتنا وتمردنا وأحلامنا، ولقد كتبت في مذكراتي أحداثا لها علاقة بالمثقفين الفلسطينين الذين عايشتهم وعملت معهم، لكن هادي دانيال هو عاشق فلسطيني مختلف بقيت فلسطين وثقافتها ومواقفها هاجسا يوميا لديه وعندما تدخل بيته التونسي تجد فلسطين حاضرة بقوة في بيته كتب وفوتوغراف وأوراق وشعر من إبداعه عنها. وهو في تونس اليوم مرجع فلسطيني في الأجندة الفلسطينية ويمكن اعتباره سفيراً لفلسطين يحمل هويتها الوطنية وملامحها من خلال معايشته لأحداثها.

نحن الذين عايشنا غسان كنفاني وعملنا معه في مجلة الهدف وفي الأقسام الفنية في المسرح والسينما وفي الصفحات الثقافية والهموم اليومية وقدرة غسان كنفاني النادرة في تكوين العلاقة الحنونة مع محرري مجلته التي كانت تشغل المثقفين اللبنانيين وتغني وتتغنى بثقافة لبنان وحريته لا شك يأتي حديث هادي دانيال عن كنفاني له نكهة خاصة سيما وقد شغل هادي دانيال فترة سكرتيراً لتحرير مجلة الهدف. لنا مع غسان كنفاني حكايات وهادي دانيال عبر عنها بمودة وعشق فهو يتحدث عن غسان كنفاني مثل هالة بعيدة عنه مع قربه منه .. غسان كنفاني في كتابة هادي دانيال شيء يشبه المطلق الثقافي الذي لا تجوز مناقشته في مجال الثقافة.

أهمية غسان تبدأ من أبسط مفردة في تعامله مع الثقافة والفن والرسم والكتابة والتحرير وأيضا العلاقة الإنسانية. كثيرون لا يعرفون الشعار الجميل الذي اتخذته مجلة الهدف على غلافها مثلا وهو شعار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يشغل غسان كنفاني رئاسة تحرير المجلة وله مكانة في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فشعار الجبهة ومجلة الهدف هو السهم الذي يدخل قلب فلسطين. شاهده غسان كنفاي على حائط في القدس رسمه صبي بالبوية وهو خارطة فلسطين وسهم داخل إليها فأخذ الشعار واشتغل فيه ليضع حرف الجيم في أول السهم داخل تشكيل الدائرة ويصبح أجمل شعار ورمز للجبهة ومجلتها المركزية المتميزة في الصحافة العربية وفي لبنان.

يكتب هادي دانيال رسالة إلى غسان كنفاني بعد رحيله على شكل لوحة بالألوان المائية فتدخل وداد قمري وهي ذاتها «سعاد وقاد» بطلة رواية «برقوق نيسان» التي لم يكملها غسان كنفاني.. تدخل ذات الشخصية وترى هادي منشغلا بلوحته فتسأله ماذا تفعل ويجيب أكتب رسالة إلى غسان كنفاني وبغصة تقول له «سلم لي عليه» هذا المقطع القصير استوقفني حقا فهو مشهد درامي سينمائي مسرحي قصصي. شخصية حقيقية كتب عنها غسان كنفاني رواية هي بطلة تلك الرواية واسمها «سعاد وقاد» تدخل دار الشاعر هادي دانيال المشغول بلوحة هي رسالة لغسان فيتداخل الواقع بالحلم وتتداخل الحياة في الموت.

والعلاقة ذاتها تتعمق في كتابته عن محمود درويش الذي يضع له مكانة شبيهة بمكانة غسان كنفاني. وللمناسبة فإن غسان كنفاني هو أول من بشر بمحمود درويش أنه سيأتي شاعر يشغل مكانة متميزة وخاصة في فلسطين. وهادي دانيال أكثر قربا من محمود درويش لأنه عايشه وعندما شغل هادي دانيال سكرتير تحرير مجلة الهدف جاء ذلك بعد استشهاد غسان كنفاني لكن لغسان تأثير خاص على دانيال لأن الهدف بقيت بعد استشهاد غسان كنفاني مدرسة علمت الكثيرين شكل الصحافة ومحتواها. وبقينا نحن في تلك المدرسة نعمل على خطى غسان كنفاني ليس فقط في ثقافته ومقالته السياسية ولكن الأهم في شكل العلاقة بين المبدع والآخر على كافة الصعد.

ليحيى يخلف نكهة خاصة في كتابة الرواية والقصة القصيرة فيحيى يخلف الذي شغل أمين عام اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينين في لبنان كانت الرواية والقصة تشغله أكثر مما يشغله العمل السياسي عبر الإعلام لذلك بقينا ننظر إلى يحيى يخلف كروائي ونادرا ما كان يشغلنا مكانه المهني. هادي دانيال تناول يحيى يخلف في روايته وإبداعه الفلسطيني والعربي روائيا وهكذا شخصية يحيى يخلف فهو حين شغل مكانة في اتحاد الكتاب أو حين استوزر بقي روائيا.

كنت أتمنى أن يتسع كتاب فلسطين المبدعة وأن لايقتصر على المقالات والدراسات التي نشرها الشاعر هادي دانيال ليصبح كتابا موسوعيا عن الإبداع الفلسطيني وفق منهج أكثر تفصيلا مع أنه ذهب إلى بداية الشعر الكلاسيكي الفلسطيني والأدب الأول للمبدعين الفلسطينيين مثل عبد الكريم الكرمي أبو سلمى وفدوى طوقان وإبراهيم طوقان من خلال كتاب حنا أبو حنا عن شعراء فلسطين الأوائل.

لقد مر هادي دانيال أيضا على الفن التشكيلي الفلسطيني من خلال فناني الأرض في معرضهم في تونس ومر على السينما من خلال نصري الحجاج في فيلمه الوثائقي ظل الغياب. وكنت أتمنى وهو القريب جدا من فلسطين ككاتب عربي أقرب منا كثيرا حيث نحن نعيش الذكريات وهو لا يزال يعيش الحدث وهنا يكمن عشقه الفلسطيني، كنت أتمنى ألا يتوقف عند المقالات التي يكتبها وأن يصدر كتاباً آخر يضع فيه منهجا أكاديميا حيث تغيب مثل هذه الكتب في خضم الأحداث السياسية بصدد فلسطين. فالفن التشكيلي اليوم أخذ أبعادا جمالية في المعارض الفلسطينية في العالم وتشهد عمان والقاهرة وفلسطين وعواصم العالم معارض للفن التشكيلي الكلاسيكي والمعاصر مثل إسماعيل شموط وتمام الأكحل وعبد الهادي شلا والمجموعات التشكيلية التي تقدم أعمالا هامة في مجال الفن التشكيلي وحتى غسان كنفاني الذي عرف روائيا وقاصا فهو رسام ويعشق الرسم وترك أعمالا كثيرة في الفن التشكيلي، كما أن السينما الفلسطينية تطورت كثيرا وخاصة بعد أن عاد الفلسطينيون إلى بلادهم وشكلوا دولتهم التي لم تكتمل بعد سرعان ما نمت السينما الفلسطينية من داخل فلسطين وأصبح لها مبدعوها وهي فعلا تحتاج إلى وقفة ودراسة وفصل مطول تبحث فيه القيم الفكرية والفنية الجمالية للسينما الفلسطينية. هذه الملاحظات هي أمنية لا تقلل من أهمية الكتاب الذي أعتبره مدخلا لتاريخ فلسطين الثقافي. وطالما هادي دانيال السوري الجنسية فلسطيني الانتماء فهو أجدر أن يذهب بعيدا في قراءته أو بالأحرى في كتابته عن الإبداع الفلسطيني.

sununu@ziggo.nl هولندا
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة