يُعَدُّ (أبو تَمَّامٍ);من الشعراء القلائل الذين أثاروا (حِراكاً نقدياً);لافتاً تَجاوز حدود (الزمان والمكان)، وظَلَّ الدارسونَ إلى يومنا هذا (مختلفين);في (نصوصه);بين (مُدافعٍ);عنه و(مُتعصِّبٍ);عليه و(مُنصِفٍ);له، وقد كانت كثيرٌ من روايات الخصومة والاختلاف حول (نصوصه);تكشف عن (لَمَحَاتٍ نقديةٍ);مهمة تَحوَّلت فيما بعد إلى (مبادئ وقضايا);تبنَّتها كثيرٌ من (المناهج النقدية الحديثة).
فقد رَوَت كُتُب الأدب والنقد أنَّ (أبا سعيد الضرير);و(أبا العميثل);عابا على (أبي تَمَّام);(غموض);بعض شعره، وأخذا عليه (تعقيد);كثيرٍ من معانيه، حتى استعصت بعض (نصوصه);على الفهم، فعندما استمعا إلى قوله:
أهُنَّ عَوادي يُوسُفٍ وصواحبُه
فعَزماً فقِدماً أدركَ النجحَ طالبُه
قالا له - مُنكرين باستهجان -: (يا أبا تَمَّام.. لِمَ لا تقولُ ما يُفهم؟)، فأجابهما أبو تَمَّام على الفور بإجابة عَدَّها النقاد وغير النقاد من الإجابات (المسكتة المفحمة)؛ فقد أجاب: (ولِمَ لا تفهمان ما يُقال؟).
لقد كان لهذه (الرواية الأدبية);دلالاتٌ موحية فيما بعدُ على قضية نقدية في غاية الأهمية تتمثَّل في (التلقي);وملابساته، وطُرحت - إزاء ذلك - كثيرٌ من التساؤلات التي تُجسِّد (صعوبة);هذه القضية وتكشف عن مسالكها (المعقَّدة)، ولكي يتصوَّر القارئ الكريم هذه (الصعوبة);وذلك (التعقيد);فليتأمل هذه الأسئلة:
- هل ينبغي على (المبدع);أن ينزل بلغته وأسلوبه إلى مستوى (القارئ/ المتلقي)؟
- وهل يَجِبُ عليه أن يتنازل عن (أفكاره الجديدة المبتكرة);التي لم يألفها الآخرون من أجل أن (يفهم);(القارئ/ المتلقي);(فكرته);و(يستوعب);(الرؤية);التي يود أن يكشف عنها؟
- هل يَحرِمُ (المبدع);قلمه من (التحليق);في (فضاءات اللغة);و(الغوص);في (أعماق المعاني);لأجل ألا يغلق (أبواب التواصل);بينه وبين (القارئ/ المتلقي)؟
- وهل يُضحِّي (المبدع);(بِمَعانٍ غريبة);و(ألفاظٍ موحية);يرى أنها تعلي من (القيمة الفنية);لنصه من أجل عيني (القارئ/ المتلقي);الذي يُوجَّه إليه هذا (النص)؟
- أم أنه لا بد أن يضع نصب عينيه (الإبداع);و(الإمتاع);فحسب حتى لو كان يتوقَّع أنَّ (القارئ/ المتلقي);ربما (لا يفهم);المراد ولا يستطيع (تلقي الفكرة)؟
- وهل تقف مُهمَّة (المبدع);في (خطابه);على (ابتكار المعاني);و(إبداع الرؤية);دون أن يَحسِب ل(القارئ/ المتلقي);- وهو الذي يستقبل هذا (الخطاب);- أي حساب؟
- وهل يُفترض ب(المبدع);أن يهتمَّ بتألق (النص);ومحاولة إعلاء (قيمته الفنية);للوصول به إلى أرفع مراتب (الأدبية);و(الفنية);حتى لو كان تحقيق هذا الهدف سيضطره إلى (الغموض);و(التعقيد);ويدفعه إلى سلوك مسالك (الإغراب);مما قد يؤدي إلى عدم وصول (الرؤية);واضحة في ذهن (القارئ/ المتلقي)؟
- أم أنَّ (القارئ/ المتلقي);يَجب ألا يقف مكتوف الأيدي هو الآخر دون أن (يبذل جهداً);للوصول إلى (المعنى)؟
- وهل يُفترض أن يُحَرِّكَ (القارئ/ المتلقي);(فِكره);و(عقله);لكي يتلقَّف (الرؤية);ويُمسِك ب(الفكرة)؟
- وهل ينبغي على (القارئ/ المتلقي);أن يُعاني في إجهاد (فِكرهِ)، ويحاول أن يقترب من (النص);بكل أسراره وجمالياته؛ لكي (يصل);إلى بُغيته، و(يَحصل);على مراده؟
- أم أنَّ الأصل في القضية ألا يفعل شيئاً من ذلك؛ لأنه هو (مستقبل الخطاب)؛ لذا فليس عليه أن يألو جهداً في (مقاربته)، وليس لزاماً عليه أن يُتعب نفسه في محاولة (الوصول);إلى أبعاده ومضامينه؟
- وهل تنحصر مهمة (القارئ/ المتلقي);في (قراءة);(الخطاب);و(تلقيه);دون أن (يرتقي);إلى مستوى (النص);الذي يحمله، ودون أن (يتأهل);(لاستقباله);بالأدوات المعرفية من (ثقافة);و(خبرة);و(ذائقة)؟
- وهل يستقبل (القارئ/ المتلقي);(الخطاب الأدبي);مستشعراً أنَّ (المبدع);لا بد أن يكون قد استحضره أثناء العملية الإبداعية؛ وبالتالي هو يفترض أن يتلقى هذا الخطاب - وفق هذا الشعور - بكل يسر وسهولة دون أن يدخل نفسه في متاهات التفكير والتأمل؟
إنَّ هذه الأسئلة وغيرها تُجسِّد (صعوبة);قضية واحدة من قضايا (التلقي);الشائكة، وتكشف للمتأمل عن المدى الذي وصلت إليه هذه القضية في (التعقيد)؛ لأنَّ الحكم لصالح (المبدع);والقول بأنه لا ينبغي عليه أن يتنازل عن (الارتقاء);بنصه إلى أعلى درجات (الفنية);والإتقان ربما (يلغي);(استقبال);(القارئ/ المتلقي);لإبداعه الذي كُتب في الأصل له وأُنشئ من أجله، والحكم لصالح (القارئ/ المتلقي);والذهاب إلى أنه يُفترض أن يصله (الخطاب);واضحاً دون تعقيد أو إبهام بوصفه (المستقبل);الأول لهذا (الخطاب);ربما يؤدي إلى وقوع (المبدع);في مآزق (السطحية);و(الابتذال)، و(الوضوح الصارخ);الذي لا يليق ب(لغة الأدب)، كلُّ ذلك طمعاً في إرضاء (القارئ/ المتلقي);والاطمئنان على وصول (الرؤية);إليه واضحة دون لبس أو غموض، وإلا فما الفائدة إذن من (مُمارسة الإبداع);ما دامت أبواب (التواصل);بين (الطرفين);ستكون مُغلقة؟
إنَّ هذه (القضية);وأمثالها من القضايا النقدية الشائكة لا يمكن أن يتناولها ناقد في مساحة ضيقة كهذه، بل تحتاج إلى (دراسة);مستقلة متعمقة تكشف عن جميع (ملابساتها)، وتحاول أن تقدم صورة كاملة عن أسبابها ومسبباتها، والقضايا التي ربما (تقاطعت);معها في بعض مسائلها، والقضايا الجزئية التي نتجت منها، كما لا بد أن تهتم الدراسة بتقديم الصورة الحقيقية لهذه القضية مسلطة الضوء على (المرجعية الفكرية);التي اتخذتها أرضية لها، وتحاول إزاء كل ذلك إبراز (النموذج);الأمثل للتعامل معها والوصول إلى (رؤية);واضحة فيما يتعلق بالحلول التي يُمكن أن تسهم في جلائها وبيانها وتقريب وجهات النظر فيها، والحصول بعد هذا على (منهج);واضح المعالم - حين (مقاربتها);- يرضي جميع الأطراف، ويعطي كل ذي حق حقه.
والذي يُمكن أن يُقال هنا أنَّ كلاً من (المبدع);و(المتلقي);(شريكٌ);أساس و(عضوٌ);فعَّال، سواء في (العملية الإبداعية);أو (الممارسة النقدية)، وهما يَمتلكان الأهمية نفسها في هذه (الشراكة)، فلولا (المبدع);ما أُنشئ (الخطاب)، ولولا (المتلقي);ما خرج (النص);إلى حيِّز الوجود؛ لذا فإنَّ مراعاة كلِّ واحدٍ منهما أمرٌ لا بُدَّ منه، وظُلمُ أحدهما على حساب الآخر لا شكَّ أنه سيؤدي إلى (خلل);في (العملية الإبداعية);و(إشكال);في (الممارسة النقدية)، وهذا يتطلب من (الناقد);أن يتنبه إلى هذا الأمر جيداً حين يريد (مقاربة);هذه القضية النقدية، وأن يحرص على معرفة (وظيفة);كل طرف من هذين الطرفين وما يُمكن أن يُقدِّمه كلُّ واحدٍ منهما لإنجاح (الممارسة الإبداعية)، وإبقاء أبواب (التواصل);مشرعة بينهما.
إنَّ (المبدع);حين يشرع في (الممارسة الإبداعية);يواجِه أمامَه (مُعضلةً);كبرى تتمثَّلُ في مدى قدرته على (الجمع);بين أمرين (متناقضين);- (أو يبدوان كالمتناقضين);- الأول: (الارتقاء);بلغته وأساليبه إلى أعلى مستويات (الفنية);من خلال الاعتماد على خاصية (الانزياح);أو (العدول);في (لغة الأدب)، ومحاولة (إنتاج);(خطاب);يَحملُ (دلالاتٍ مبتكرة);و(معاني جديدة مدهشة)، كل ذلك من أجل تحقيق (الأدبية);في لغة (النص);و(الفنية);في شكل (الخطاب)، أما الأمر الثاني فهو (الإبقاء);على أبواب (التواصل);بينه وبين المتلقي مُشرَعة مفتوحة على مصراعيها، و(تَجنُّبُ);كُلِّ ما من شأنه أن يكون سبباً في (إغلاق);هذه الأبواب، أو يتسبَّب في خلق نوعٍ من (الضبابية);و(العتمة);بين (القارئ);و(الدلالة)، وهذا الشعور لا بد أن يكون حاضراً لديه أثناء (الممارسة الإبداعية)؛ لأنَّ عدم حضوره يعني إهمال (المتلقي);الذي تُمارس هذه (العملية);من أجله؛ مما يؤدي إلى (عبثية);في (إنتاج الخطاب);لانتفاء وجود أحد ركني (العملية);التي لا تتمُّ ولن تتمَّ دونه.
الرياض
omar1401@gmail.com