Culture Magazine Thursday  03/03/2011 G Issue 333
فضاءات
الخميس 28 ,ربيع الاول 1432   العدد  333
 
السيميائية سيميائيات
أ. د. خالد بن محمد الجديع

يروم الدرس النقدي الحديث عند تعامله مع النص الأدبي تقديم مقاربات تستنطق الدلالات المتوارية داخله، وبقدر فاعلية هذا المنهج أو ذاك في الإمساك بتلابيب الأثر الفني، وكشف برنامجه يكون التقدم باتجاهه.

وقد جاء الركض في مضمار السيميائية (simiotics) ليشكل خياراً يتم من خلاله فحص الأداة النقدية التي تعارك المنتج الإبداعي، لا لتشرحه أو لتقدم معانيه الوهلية، وإنما يناط بها خلخلة أطرافه مع تحديد مناطق التصويب بعيداً عن الدلالات الاتفاقية التي يسخو بها العمل في اللحظات الأولى من التماس معه.

إن قراءة حياة العلامة (sign) وتتبع أطوارها ورصد مساراتها تُعدّ الركن الركين في الدرس السيميائي، وهي عملة ذات وجهين: أحدهما الدالّ المتمثل في المشهد الحسي السمعي، والآخر المدلول المتجلي في اللوحة الذهنية المستدعاة من قِبَل ذلك المشهد المسموع.

على أنه لا يمكن مقاربة تلك العلامة إلا من خلال سلسلة من الإجراءات التي تبدأ باتحاد وجهي هذه العملة (اللغة - المحتوى) وتمر باقتناص الكلم، ذلك أن اللفظ لا يُعدّ علامة إلا إذا عينه الناقد السيميائي؛ لأنه المناص الذي يحتكم إليه في هاته العملية، ولا يكون هذا التعيين إلا وفق ظروف رمزية تضم لفيفا من الشفرات التواصلية.

ويمكن باطمئنان شديد أن نعد تصنيف العلامات الذي قدمه بيرس (peirce) الشرارة الكبرى التي قدحت بإيراء تام مضيئة مسالك الدرس السيميائي؛ حيث وجَّه العلامة نحو ثلاثة مفارق:

1- علامة المماثلة: وترد أيضاً باسم علامة المشابهة أو الأيقونة (Icon)، وتكون العُلْقة بينها وبين ما تدل عليه قائمة على التماثل أو التشابه، ويمكن أن نمثل لهذا المفهوم بمجسم الكرة الأرضية الصغير المصنوع ليقرب لنا صورة الكرة الأرضية الفعلية.

2- القرينة (Index): وتسمى أحياناً الشاهد أو الأثر؛ لأنها مؤشر من داخل النص يومئ إلى موضوع مربوط به، وتكون العلاقة بينهما قائمة على الاقتران، فالحرارة التي تصيب الجسم - على سبيل المثال - ليست مرضاً، وإنما هي عرض لوجوده، وهي السبيل إلى اكتشافه، ورائحة الاحتراق ليست هي المشكلة الحقيقية، وإنما هي الدالة على وجود النار، ويمكن أن يدخل بامتياز في هذا اللون من العلامات قول العرب: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير.

3- الرمز (symbol): وفي هذا النوع من العلامات يكون التعالق قائماً على الاصطلاح والمواضعة، فلا تشابه ولا تواصل قرائني، كما في القسمين السالفين، ويمكن أن نرى أمثلة على هذا الصنف في كثير من الشعارات الإشهارية، وحتى أقرب مفهوم هذا النوع فإني أسوق بعض الأمثلة على ذلك، فالتفاحة المقضومة تحيل إلى Apple Macintosh، وصورة حيوان الكنغر تستحضر منتخب أستراليا لكرة القدم.

ووفق هذا المألف من الأنواع الإشارية يمكن أن يعين الناقد مضيئات النص، بحيث يجعل المنتج مكوناً من مجموعة من العلامات، أو يَعُدُّ الأثر الأدبي كاملاً وحدة علاماتية متضافرة تشير إلى رسالة بعينها.

والنص لا يولد كاملاً؛ فهو بحسب رأي غريماس (Greimas) يمر بمجموعة من الأطوار التي ينبغي أن يدركها القارئ، ومن هنا قام هذا الناقد باقتراح برنامج سردي يتضمن مجموعة من الأدوار التي يتعاقب على تأديتها أكثر من عنصر، ويعرف هذا البرنامج بالمربع السيميائي، وهو مكون من مرسل ومرسل إليه وعامل معيق وآخر مساعد وحدث أو موضوع.

تتوسط هذا البرنامج عند مقاربة النص عمليتان مهمتان تنطلق أولاهما عند التنظير من المستوى الدلالي المنطقي وتنتهي الأخرى بالمستوى الخطابي، لكن الأمر عند التطبيق يكون معكوساً؛ إذ لا بد للناقد أن يبدأ بالمستوى الخطابي ثم ينتقل إلى المستوى السردي ليختم بالمستوى السيميائي الدلالي الذي يهتم بالكشف عن البنية العميقة في النص.

وقد رسم السيميائيون خطاطة لمسيرة العلامة تتكون من عناصر أربعة، هي:

1- التطويع: وفيه يتم لمّ شمل الأجزاء المتناثرة، والاستعداد للحراك.

2- القدرة: ومن خلاله تبدأ المسيرة وتولد لحظة الانطلاق.

3- الإنجاز: وبه نرى التحركات الفعلية المؤثرة في مسار العمل.

4- الجزاء: وهو نهاية المطاف، وعاقبة العمل الذي تم في العنصر السابق.

ولعل أكبر مشكلة واجهت المعالجات العربية وفق هذا المنهج تتمثل في تَرسُّم كثير من النقاد ترسانة شكلية تسير على طرائق نمطية جعلت النص حبيس خطاطات جامدة لا روح فيها.

وإذا كان الدكتور عبدالملك مرتاض من أكثر النقاد العرب احتفاء بهذا المنهج، حيث عالج بآلياته الشعر القديم (من خلال دراسة المعلقات) والشعر الحديث (من خلال تحليله لقصيدة شناشيل ابنة الحلبي) والسرد القديم (من خلال مقاربته حكاية حمال بغداد) والسرد الحديث (من خلال معالجته لرواية زقاق المدق)، فإنه سلك في تماسه مع هاته الأجناس مسارب ملتوية شعر بها قبل قارئه، بل ملَّ هو نفسه منها قبل أن يكملها، يقول في دراسته السيميائية للمقامة الياقوتية بعد أن أحس بأن التحليل ترهل كثيراً وبدأ في التفلت من بين يديه: «فإننا وقد بلغ بنا المطاف إلى هذا الحد من الطول الذي لا نريده مسرفاً، وكيما يتلاءم أيضاً ما أمكن من مقدار مستويات التحليل الأخراة فإننا نؤثر التوقف لدى هذا القدر تاركين السائر للقراء» (مقامات السيوطي: دراسة ص110).

هل من المنطق أن يتم التوقف فجأة لمجرد أن الكلام قد طال؟ لماذا يطول إذن؟ ولماذا نسير في مثل هذه القفار التي لا نهاية لها، أو التي لا تنتهي إلا إذا أعلن الناقد النهاية؟ أحسب أن المراجعة الجريئة للآليات السيميائية وإمرارها بمرحلة الهضم والتليين كفيلان برتق الفتوق التي تستبين عند التحليل الآلي، هذا بالإضافة إلى أنه ينبغي عدم الركون حذو القذة بالقذة إلى تلك التنميطات إلا من خلال استثمار المعطيات بوصفها مفتاحاً يُتَوسل به إلى فتح مغاليق العمل الإبداعي.

ومن هنا جاءت مرتكزات أمبرتو إيكو (Umberto Eco) لتنقذ الدرس السيميائي من جفافه، وتبعث فيه الحيوية من جديد، بدا ذلك من خلال عدم اعتماده على خطاطات جاهزة يتحيز لها الناقد عند مقاربة العمل الأدبي، فهو لا يقدم إجراءات قارَّة يمكن للناقد أن يسلكها حتى يكون سيميائيا، وإنما يطرح حزمة من المفاهيم التي يتحول بها القارئ إلى مبدع يقدم عملاً موازياً بإزاء الأثر الأدبي.

وقبل أن أتحدث عن بعض هذه المفاهيم أود التأكيد على أن السيميائية ليست منهجاً واحداً، وإنما هي سيميائيات كما ظهر في التحول السالف الذي أشرت إليه، وربما عَلِق في أذهان نفر من قراء السيميائية أن مفاهيمها تنحصر في مربع غريماس وفي مستويات النص، وهذا التصور مع بالغ الأسف يبدو بشكل واضح في نظرة عدد غير قليل من المتعاملين معها.

وأذكر أني عندما وجهت إحدى الباحثات في مرحلة الدكتوراه تلقاء إيكو من خلال عنوان هو (طيف الخيال في عهد الدولتين الأيوبية والزنكية: دراسة سيميائية) وأثناء مناقشة المشروع - الذي أشرف عليه حالياً بعد أن سجله القسم رسمياً - اعترض على النبذة المقدمة أحد الزملاء ذاكراً أن الدراسة ليست سيميائية لمجرد أنها خلت من المربع السيميائي والتحليل المستوياتي!

إن الغفلة عن أن السيميائية سيميائيات قد قادت إلى هذا التصور الغالط؛ ذلك أن خيارات الحراك داخل هذا المنهج كثيرة، ويمكن لمن تمكَّن من تشغيل بعض المفاهيم السيميائية أن يكون سيميائياً بامتياز، فالأطروحة السالفة الذكر تندرج ضمن السيميائية التأويلية، وهي مسار سيميائي يهدف إلى تنشيط التراكيب لملء بياض النص، بالاستناد إلى أن العمل الأدبي آلة كسول ينبغي ألا يراهن الناقد عليها.

ووفاق هذا الطريق أنجزت بحثي الموسوم ب(سيمياء اللون في الشعر السعودي المعاصر)، حيث قمت بتنشيط العلامة اللونية الرابضة داخل فضاءات الشعرية السعودية؛ للوصول إلى شبكة من الدلالات العصية التي لا تسلم نفسها إلا من خلال مفاهيم هذا المنهج.

ويمكن أن نحيل بهذا الصدد إلى مجموعة من الكتب، على رأسها: كتاب بول ريكور (نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى) الذي ترجمه سعيد الغانمي، وكتاب أمبرتو إيكو (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية) الذي ترجمه سعيد بنكراد، والجهد العربي التلييني الذي أنجزه رشيد الإدريسي تحت عنوان (سيمياء التأويل).

لقد تمكن إيكو من توسيع مفهوم المؤولة؛ فهي ليست عنده علامة تشرح علامة أخرى فحسب، وإنما حاول ربطها بالنظرية التداولية مستثمراً كل ما ينتج عن هذا الربط داخل دائرة التضمينات والاستدلالات والاقتضاءات.

وتحت ما يسميه إيكو الحيدان الهرمسي - وفق ترجمة الإدريسي - يقدم شبكة علائقية تكمن خاصيتها الأساسية في المهارة غير المراقبة في الانزلاق من مدلول إلى آخر، ومن تشابه إلى مثله، ومن ترابط إلى ثان، وفق نشوء طَوريّ ينطلق فيه المحلل من علامة محددة، مارا بسلسلة تترابط فيما بينها إلى أن ينتهي إلى علامة لا علاقة لها البتة مع التي تم الانطلاق منها.

وكنت لقيت عنتا شديدا في قراءتي لكتاب الصديق الدكتور الطائع الحداوي (سيمياء التأويل: الإنتاج ومنطق الدلائل)، ولاسيما فيما يتعلق بتصنيفات المؤول التي تتوزع في ثلاثة مسارب هي: المؤول المباشر والمؤول الدينامي والمؤول النهائي، ولكن الكتاب بحق جهد عربي من العيار الثقيل، تمكن فيه هذا الناقد بصبره وأناته من تطويع هذه الأدوات، وجعلها مرنة لدنه في يد المحلل السيميائي.

إن الاشتغال الواعي على هذه المفاهيم التأويلية وحده كاف لكسر نمطية التحليل، وإشعال الحس النقدي الرائم اقتناص الأسلحة الناجعة، ومن هنا فليس شرطاً أن نظل ندور في فلك خطاطة غريماس حتى نوسم بأننا سيميائيون.

الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة