Culture Magazine Thursday  12/05/2011 G Issue 341
فضاءات
الخميس 9 ,جمادى الثانية 1432   العدد  341
 
التفكير المؤدلج
عبد الله السعوي
-

نحن مدينون في هذه التسهيلات المادية المعاصرة التي نرفل في نعيمها من تلك الاختراعات والاكتشافات والإنجازات الحضارية بكافة ألوانها مدينون لجملة من طرق التفكير الإيجابية التي استصحبها عدد من الأفراد الذين نقشوا أسماءهم في قلب الذاكرة الإنسانية على مدار التاريخ. إن القدرة على إنتاج الأفكار وتوليد الحلول وتوظيف الخيال لصياغة أطر جديدة والتفكير بطريقة فاعلة ومؤثرة مطلب ملح ولكن ثمة عراقيل تشتغل على الحيلولة بيننا وبين هذا النوع من الطريقة التفكيرية سأشير إلى جملة منها وبإيجاز كالتالي:

أولا:

التعصب فهو يمثل أحد أبرز العراقيل الأساسية الحائلة دون الممارسة التفكيرية السليمة والتي تحجب الوعي عن المعاينة الدقيقة النافذة والمخترقة لتراكمات الأشياء؛ التعصب قاتل للتفكير, مصادر لأدبياته ولهذا تجد المؤدلج انتقائيا في آلياته أحاديا في تقريراته لا يحاور بطريقة علمية ومرتبة ومتزنة وبمهارة استدلالية, بل هو مشوش يعتسف الأدلة ويختزل القضايا ويُلزم ما لا يلزم ويتناقض ولا يتقن الكشف عن العلاقات في النظام اللغوي ومع كل ذلك يأبى على الرضوخ للحق تعصبا لباطله. التعصب كبؤرة لصناعة الإشكاليات دائما يحمل صاحبه - وكخيار اضطراري - على تبني حزمة مفاهيم وجملة من المعايير تفضي به إلى مجافاة الحقيقة ومعاينة الأمور من زوايا لا تؤول في مؤداها إلى الموضوعية لكنه يعتمدها لأنها نابعة من محيطه الذي ترعرع فيه مما يجعل القضية في النهاية تستحيل إلى ضرب من الاستقطاب والتحزب الذي لا يولّد إلا السلبية والاستسلام.

ثانياً:

مما يغذي مقومات التأدلج ضمور دور النظام التعليمي على كافة مستوياته فالمؤسسات التعليمية بما فيها الأكاديمية تفتقر للأجواء العادية نحو الإبداع الذي أكبر ما يئد روحه ذلك النوع من التعليم الذي يركز على الحفظ والحشو والتلقين وعدم الاعتماد على الفهم والاستنباط والاستنتاج والملاحظة والمقارنة والنقد التحليلي المعقلن فالطالب يحفظ لكنه لا يفهم ولذلك فهو أحياناً كلما زاد حفظه كلما زاد تبلدا وسطحية يردد ما يقال دون أن يعي ما يقول وبالتالي يتخرج طالبا ببغائيا بامتياز.

إن التدريس التقليدي الذي يطلب فيه المعلم من طلابه التسمر على مقاعدهم وتسليم عقولهم والتفكير بطريقة غرائزية المعلم هنا يحول جو القاعة إلى جو عسكري قاتم يسود فيه التلويح بالعصي والتحطيم اللفظي والتعاطي مع أي اعتراض مهذب على أنه أحد وجوه التمرد الذي يجب قمعه والاعتماد على حشو عقل الطالب بالمعلومات ولا يفتح المجال للحوار والمخالفة والمعارضة والرأي المتعدد مثل هذا النوع من التعليم هو الذي يقتل الطاقات ويئد المواهب الكامنة إنه تعليم لا ينجح إلا في قص جناحي العقل وشل قدرته على التجاوز وإفقاده مقومات الفرادة.

ثالثا:

ســيطرة المفـــــاهيم التقليدية والعادات على نحو يعمي العقل عن التبصر بما تحتويه الأنماط الثقافية من خلل ومن ثم يستمرئ التناغم مع ما هو قائم ومتداول ولا يفكر إطلاقا في زحزحة الراكد بل ينتابه شعور حاد بالتبرم إذا ما تعرض النسيج المفاهيمي المألوف للون من الاختراق الذي يروم العصف بتلك السكونية؛ وبناء على هذا كثيراً ما يواجه أرباب التفكير النقدي الإبداعي تمنعا جماهيريا يحدوهم في معظم الأحيان نحو الانكفاء الذاتي ولو تأملت في حال الأنبياء عليهم السلام لألفيتهم يواجَهون بتصلب شعبي وتمنع اجتماعي خارق يرفض التزحزح عن أنماطه الأبوية المعهودة.

رابعاً:

الاستبداد في الرأي، فاستخدام أساليب القسر وإكراه الآخرين على اعتناق الأفكار هو مصادرة لأهم مكونات الإنسان وهو عقله الذي يعد شرطاً لازماً لاستخلافه. إن حرية الإنسان مساوقة لوجوده فهو يفتقد للإحساس بوجوده عندما تفرض عليه المعطيات فرضاً لا خيار له فيه وقد ندد الخطاب القرآني بالاستراتيجية الفرعونية المرتكزة على (ما أريكم إلا ما أرى) بحسبها نموذج للتسلط والاستكبار ومحاولة للتحكم بزوايا المعاينة ومنطلقات الاشتغال التفكيري وبالتالي تجفيف منابع الإبداع.

خامسا:

توسيع مساحات المقدس ومدّ رواق الثوابت فالتركيبة الذهنية المؤدلجة تشرعن غير المشرعن وتضفي قداسة على ما هو خاو من مقوماتها وكم من فكرة أدرجت في قائمة المقدس وبات المزاج الشعبي العام يضع السياج العائقة دون مسها بالنقد على نحو لا يضع للموضوعية موضعاً. إنه في ظل انعدام المراجعة النقدية يتنامى الخضوع الطوعي لتلك الأفكار ففي المناخات التقليدية تسود ذهنية القداسة على نحو يحول دون حركة البحث الموضوعي الجاد ويشيع لونا من التعاطي الذي يقرأ الأفكار بآلية مزاجية تنسجم مع القبليات المسبقة. إن التقديس يحجم دور العقل ويجعله ينطوي على مواقف مغلقة غير مرتكزة على التفكير البرهاني والحجج المحكمة والمنضبطة بمعايير البرهنة والاستدلال المنطقي.

جمود النقد وضمور أدواته المعرفية والإخلاد إلى الموروث التقليدي وغياب التاريخية (تأبيد الزمن الساكن) والمراوحة الفكرية وقمع التعددية وشيوع اليقينيات الساكنة وتمدد تمظهرات التأدلج كلها آثار لغياب التفكير القلق وانحسار تنويعاته.

ومحصول القول: إن تنمية القدرات الإبداعية ودعم النضج الذاتي وتحريض المواهب لا يتم من غير صياغة مناخات مجتمعية وعائلية وتعليمية غنية بكل ما يدفع نحو تكامل النمو عقلياً وروحياً واجتماعياً لا بد من صناعة مناخات تتيح لهم الطلاقة في التفكير والتأمل وذلك من خلال تكثيف المطالعة الحرة وإعداد البحوث الجادة وإذكاء الحوارات المثرية التي تفضي نحو انبثاق روح تساؤلية قلقة وتصنع لونا من التفكير العلمي القائم بعيداً عن التحيز والذاتية وعلى نحو يعيد صياغة تموضع الذات المفكرة وينأى بها عن النمطية والتقولب القاتل للبعد الاستقلالي.

-

بريدة

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة