Culture Magazine Thursday  17/11/2011 G Issue 352
قراءات
الخميس 21 ,ذو الحجة 1432   العدد  352
 
التَيْس المعجزة...!
غازي قهوجي

سَكَنَ الحذرُ والخوفُ والترقُب كيان الإنسان الأول، منذ أن وُجِدَ وسط الأدغال، وفي البراري، وعند ضفاف الأنهار، وكانت العوامل الطبيعية من براكين وزلازل وحرائق وفيضانات... ترعبُه وتجعله على الدوام في هلع وقلق وحيرة، مضافاً إليها صراعه المتواصل مع الحيوانات الضارية المفترسة. فمن أجل البقاء والاستمرار، عَمَدَ إلى ابتداع وابتكار مختلف الوسائل للوصول إلى طمأنة نفسه في محاولاتٍ شتّى لإبعاد الشر واستجلاب الخير.

هكذا، بقي الإنسان حاملاً ضعفه وخضوعه، متوسلاً ومناشداً الطبيعة أن ترأف به وتشفق عليه، فَرَسَمَ وَحَفَرَ ونَحَتَ أشكالاً ورموزاً، وأَوْهَمَ نَفْسَه بقوة فعاليتها وتأثيرها في حمايته وتحقيق أمانيه وطلباته، وآمن بها وأقام لها طقوساً، مُسبِغاً عليها صفات القداسة، التي توجب الخشوع، مقدِّماً لها الطاعة عن طريق النذور والقرابين لتعطيه مزيداً من الشجاعة والإقدام والتوازن.

وكان الغموض ونقصان الوعي، يدفعان به إلى أمور ومسائل غيبيّة، وإلى عالمٍ من «التهيؤات» الخيالية والأوهام، حتى أنه غَرِقَ كلياً في بحر من المعتقدات الساذَجَة.

ومنذ بضعة أشهر تدافع مئات الآلاف من المؤمنين الهندوس إلى المعابد في مختلف أنحاء الهند، بعد انتشار أنباء عن أن تماثيل الآلهة الهندوسية تشرب الحليب المُقدَّم لها قرباناً!! وحسب ما ذكرت وكالة «رويترز» فقد احتشدت أعداد غفيرة من الأولاد والشباب والمسنين في صفوف طويلة وبأيديهم زجاجات الحليب لإطعام تماثيل الآلهة. وانتابت الجموع حالة هستيريا بعدما اختفى الحليب المسكوب على التماثيل!! وقالت إحدى المتعبِّدات: لقد شرب الإله «جانيشا» الحليب من يدي، وسيستجيب الآن لكل دعواتي!! فيما قال أستاذ في علم الجيولوجيا، شارحاً هذه الظاهرة: «من الطبيعي أن يمتص تمثال الحجر الكلسي أي سائل، إذ كلَّما كان الحجر أَقدم، كلَّما ازدادت الإمكانية على الامتصاص».

ومنذ سنوات سَرَت شائعة في إحدى البلدان العربية عن وجود «تيس حَلوب»! يساعد شرب حليبه النساء العاقرات، على «الحمل»، ويحقق للرجال وللنساء على السواء أحلامهم وأمانيهم في الإنجاب! وعندما عمّ الخبر، وضجّ وانتشر، في كل قرية وبلدة ودسكرة، توافد إلى «مقر» التيس العتيد، العديد من الناس، من مختلف الطوائف والملل والنحل، وحتى من الأحزاب، من اليمين ومن اليسار! آملين جميعاً أن تصبح أحلامهم المستحيلة أو البعيدة أو المستبعدة حقائق واقعة.

أيها القارئ العزيز بعد هذه «المقدمة» الجادَّة أعلاه، يتبيّن وينكشف ويتوضّح أن شعوب العالم ونحن منهم ما زالوا يراهنون على الغيبيّات، ويبنون إستراتيجياتهم على الخرافات والأساطير، ولقد شهدنا ونشهد من خلال النتائج وخواتيم الأمور القومية والسياسية أن رؤى واستشرافات العديد من أنظمتنا وتنظيماتنا تثبتُ يوماً بعد يوم، بأنها لم تغادر أبداً كهوف ومغاور وأدغال «الإنسان الأول»! كما لم تستطع فَهْم وإدراك أي ظاهرة من الظواهر المواكبة للعصر، سياسياً، اجتماعياً، اقتصادياً، ثقافياً وتربوياً...!!

وأظن بأنه مهما تقدّم العلم، وتطوّرت التكنولوجيا، فسيبقى لدينا مختلف أنواع التماثيل والأصنام والأوثان والنُصُبْ الصامدة و»المصمودة»، التي تشرب بلهفة ورغبة ونَهَمِ من طِيْبِ حليب ذيّاك «التيس الحلوب»!!!

E-Mail: kahwaji.ghazi@yahoo.com * بيروت

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة