Culture Magazine Thursday  21/04/2011 G Issue 338
فضاءات
الخميس 17 ,جمادى الاولى 1432   العدد  338
 
القضاء السعودي والقابلية للتوقع
عبدالله العودة

في تاريخ القضاء في أماكن مختلفة من العالم تتفق اتجاهات قضائية وقانونية مختلفة على عناصر مهمة لحماية القضاء والعدالة واستقرار المجتمع.. ويكون القضاء أهم دعاماته بأسسه المنهجية ونظامه. ومما يلفت النظر وجود عنصر مشترك بين أكثر الأنظمة القضائية الحديثة في التعامل مع القضايا والحوادث التي ترد المحاكم.. عنصر مهم أراد له القضاة ومهندسو القضاء أن يكون حاضراً ليحافظ على نوع مهم من الاستقرار والاتزان وحفظ مقاصد القضاء. هذا العنصر الدقيق هو «القابلية للتوقع» (predictability) أي قابلية الناس والمحامين والمهتمين والمتقاضين في أي قضاء لتوقع الحكم الذي سيصدر.. إذ أن هذا التوقع هو ما يجعل المتقاضين يمارسون شؤونهم الحياتية واليومية مدركين لعواقب أعمالهم التي يبت فيها القضاء ويحكم بها.

القابلية للتوقع في القضاء تعني أن يستقر السوق التجاري حين يعرف عواقب تعاملاته وأحكامها ومآلاتها، وأن يعرف الموظفون والعاملون نتائج أفعالهم حين التقاضي للمحاكم، وأن يعرف المستهلك والتاجر والمشتري ما سيحكم به القضاء.. ويعرف التلميذ والأستاذ.. والإنسان العادي ذكراً أو أنثى ما سيقضي به القضاء تجاه الوقائع والحوادث التي قد يكونون طرفاً فيها. هذا العنصر الأساس في كل قضاء هو ما يؤسس لاستقرار المجتمع على نظام قضائي مستقر المعالم، وقد لا يعني هذا أن يفتقد القضاء لمرونته واتساعه التي كفلته الشريعة الإسلامية بل أن يكون هناك قدر معقول من الاستقرار القضائي كي يعين جميع فئات المجتمع على الاستقرار الدنيوي والتجاري والحقوقي مما يكفل معرفة كل فئة بما سيؤول إليه عملها وقانونية أفعالها وإمكانية توقع ما سيحكم به القضاء في كل قضاياها لتسير على منهاج بين في التعامل مع ذاتها والآخرين.

ولكي يكفل القضاء في كثير من الأنظمة العالمية عنصر (القابلية للتوقع) تم تبني مناهج مختلفة أحدها منهج اعتماد السوابق القضائية (Precedents) كأحكام ملزمة للقضاة بناءً عليها يعرف المحامون والدارسون القانونيون والمهتمون قواعد القضاء في واقعة ما أو مايشابهها ويتم دراسة تلك الواقعة والسابقة القضائية على أساس أنها الحكم المتوقع في أي قضية مشابهة أو حكم يندرج تحت القاعدة التي سنتها تلك السابقة القضائية.. وهذه الطريقة هي التي اعتمدتها أنظمة القانون العام العالمية (Common Law System) ودول القانون الإنجلوسكسوني مثل أمريكا وكندا وبريطانيا وغيرها..

وبالمقابل فأنظمة عالمية أخرى لتحقق عنصر القابلية للتوقع قامت على القوانين المكتوبة الدقيقة (codes) والاعتماد على تأويلها وتطبيقها فمهمة القضاء في هذه الأنظمة هو فقط تأويل القانون وتطبيقه وليس سن السوابق القضائية الملزمة التي تحكم نظامه.. وهذه الطريقة هي التي تعتمدها أنظمة القانون المدني (Civil Law System) ودول القانون اللاتيني مثل فرنسا وألمانيا وغيرها..

ومع أن هذين النظامين العالميين قد يأخذ أحدهما من الآخر في جوانب معينة إلا أن الطابع الأساسي لكليهما يبقى مستقراً على نظامه المعتمد، وفي الوقت نفسه فالعالم بدأ يتجه أكثر لاعتماد السوابق القضائية بحكم مرونتها وقدرتها على التكيف على اتجاه القضاء وقواعده فحتى القضاء الشرعي قد يستطيع وفق نظام السوابق أن يؤسس لقواعد قضائية تعتمد السوابق التي تم الحكم فيها موافقة للمعطيات الشرعية إلا أن نظام السوابق في المحاكم الشرعية يعني وجود قضاء مؤهل يؤسس لمبادئ رصينة ومدروسة اقتصادياً وعملياً وواقعياً ليتم استقرار الأحوال والأموال والتعاملات بناءً عليها.. وهذا ما يحتاج لفترة من العمل كي يصل القضاء المؤهل لمستوى سن السوابق القضائية المعتمدة. وفي المقابل فإن التقنين الشرعي لمجالات التعاملات المختلفة يعني اسقراراً أكثر لكنه قد يكون أقل مرونة وقدرة على التغيير السريع والمستجيب للظروف ووقائع الأحوال المتجددة والنوازل الفقهية المختلفة.

وأياَ يكن هو نظام القضاء سواءً ذاك الذي يعتمد على السوابق القضائية أو الآخر الذي يعتمد على المواد الدقيقة والقوانين الدقيقة فإن كل الأنظمة تحتفظ بقدر مهم من العنصر الأساس لكل هذه الأنظمة: عنصر القابلية للتوقع.. فإن افتقار أي نظام قضائي لعنصر القابلية للتوقع يحرمه من الاستقرار ويبعث الخوف في قلب كل من يريد العمل أو البناء أو الاستثمار.. ففي أهم الملاحظات التي قدمتها إحدى الدراسات الغربية عن سبب تخوف الاستثمارات العالمية في المملكة العربية السعودية هو عدم تأكدها من وجود أنظمة واضحة في كل فروع التجارة كالعقود وغيرها.. أياً يكن مصدر هذه الأنظمة.. وافتقار القضاء لعنصر التوقع فلا يمكن أن تستقر العقود والشركات والمؤسسات والتعاملات الدولية مثلاً مع وجود الجهة القضائية التي لا يمكن التوقع بحكمها وقضاءها في الشؤون المختلفة.

في القضاء السعودي والمحاكم الشرعية بالخصوص يضعف عنصر القابلية للتوقع إلى حد بعيد فلا يمكن لصاحب مشروع أو مدير عمل أو مؤسس أو مهتم أن يتوقع الحكم القضائي ليبني عليه أعماله وتعاملاته ومشاريعه.. وهذا بالتحديد هو ما يخيف المتعاملين. إن عدم وجود مستوى مطّرد من الأحكام والأقضية في موضوع ما يعرض المتعاملين والأطراف للكثير من المغامرة فقد يصبح عملٌ ما مشروعاً موافقة لآليات معينة في الاستنباط والاحتكام الشرعي يراها قاضٍ ما وقد يراه آخر ممنوعاً موافقةً لآليات أخرى من الاستنباط والاجتهاد. ومع أن هذا الاستنباط والاجتهاد عمل أساسي ومرن مما ميز الشريعة الإسلامية إلا أن القضاء يحتاج لأسس وقواعد محددة داخل هذا الاجتهاد ليستقر عمل الناس ويستقر المجتمع على اتجاه محدد وهذا الاستقرار هو عنصر القابلية للتوقع.. ولا يعني أبداً فقدان المرونة فإن أكثر البلدان مرونةً قضائية هي تلك التي تعتمد «السوابق القضائية» الملزمة التي تتعامل مع كل حدث وتطور نفسها في كل مناسبة وفي نفس الوقت تحتفظ بقدر كبير من الاستقرار والقابلية للتوقع التي تقوم على المبدأ اللاتيني (stare decisis).

القضاء السعودي يمتلك خبرات مهمة وكوادر متميزة إلا أنه يحتاج لمنهج ضابط سواءً عبر اعتماد السوابق القضائية أو اعتماد التقنين الشامل الدقيق حتى في ما يخص المحاكم الشرعية ليتم معرفة قانون التحاكم وليستقر القضاء والمجتمع والتعاملات.. وليتنبأ المجتمع أخيراً بماذا سيقضي القاضي.. فإنه لا أسوأ من أن يقول الناس عن شيء ما بأنه لا يمكن التنبؤ به !

aalodah@hotmail.com الولايات التحدة

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة