Culture Magazine Thursday  13/09/2012 G Issue 379
أفق
الخميس 26 ,شوال 1433   العدد  379
 
مقاربة
رواية (عين حَمِئة) لماجد سليمان:
حكاية تلهو بمفاتن اللغة التي تطرزها كلمات الدهشة
عبدالحفيظ الشمري

 

يقترب من الشعر وينائي عنه إلى السرد، ويقتحم عوالم الحكاية ويفر منها إلى رسم الإنباء.. ينشغل بنقش تفاصيل حكاية الإنسان، ويجهد في عناد البحث عن لحظة صفاء لا تلبث إلا وتفر نحو المجهول.. جملة من الوجدانية التي تسكن روح (الراوي / البطل).. تلك التي يهيل على مسامع القارئ تفاصيل حالنا كنبأ أليم.. هي جل تفاصيل رواية «عين حمئة» للروائي ماجد سليمان التي نتجاذب وإياها أطراف مقاربتنا.

في المصافحة الأولى للرواية تستشعر توق الراوي البطل لمد جسور من الود ومن كلمات الوجد اللاعج، ومن سبر مفيد لعوالم لغة القص الفاتنة.. تلك التي برع فيها الكاتب ماجد على نحو فريد ليشد لنا أطناب خيمة حزنه، ويصف لنا مرارات وجده من خلال انتقاء مدروس للغة السرد النابه.

فالرواية تحكي رغبة الخلاص من منغصات كثيرة أولها هذه القصة للفقد حيث يستشعر غياب الأم ليبحث عن من يسد عظيم هذا الفراغ الرهيب وآخرها قدرته الجميلة على رتق الفارق بحيطة وحذر بين ما قد يعصف بالرجل والمرأة من تأمل وحدس وصور غاية في الذهول والبحث عن إجابات بين ركام آلام المدينة التي قال عنها أنها تتنكر لأهلها.

ففي كل رأس فصل من فصول الرواية يعمد الكاتب إلى وضع أيقونة تنز ما يريد قوله شعرا، وتكشف بجلاء مراده ومكنون عالمه السردي حيث تراوح مشاهد السرد بين قصة وحكاية وموقف ومقولة.. ففي السرد تضح الرواية بوضوح رغبة الوعي في اقتفاء حساسية الخطاب الإنساني المفضي إلى تأزم حقيقي للحياة، لا خلاص من أو فكاك حتى الموت، وفي القصة شعور ذاتي مغرق في خصوصيته يرقى إلى مستوى الألم العظيم.

أم الحكاية فإنها تلهو بمفاتن اللغة التي تطرزها كلمات الدهشة أو صور التناقض، والبحث عن هوية يمكن لنا الركون إليها.. أما المقولة في هذه الرواية فإنها تضرب أطنابها وتحيك تفاصيل وجودها الإنساني بشكل غير موارب أو مداهن ليكون النص الروائي أمام القارئ مادة مشاعة لا يحجبها عنه أي حاجب من المدارات اللغوية إنما هي لغة تعكسها مقولاته.. الواضحة المعالم.

«عين حمئة» من صنف الروايات المباشرة التي تحمل أبعادها ومدلولاتها على نسق المكاشفة والبوح المتزن الذي لا يقبل الجدل والتأويل لا سيما وانه يستحضر سيرة المدينة «الرياض» مشيعاً أمام القارئ رغبة البوح دون مواربة أو إقصاء لأي فرضية محتملة في بناء حكاية المكان التي جاءت في هذه السرديات على هيئة شهادة وجدانية محملة على هاجس النداء الأليم على نحو ما ورد في الفصل الثالث من الرواية حينما نادى المدينة بكل ما يملك من أوصاف «أيتها المدينة» وما تلاها من صور تعكس قدرة الكاتب على استرجاع الماضي الذي يعزز وجود الواقع ويبني العلاقة معه بشكل مباشر لا يقبل التأويل أو الحدسيات أو الإسقاط.

يفر ماجد سليمان بحكايته نحو تلمس الجماليات الغاربة هناك في بعيد الذكرى دون حاجة إلى الإطناب في عرض صور الألم أو العناء إنما هي لحظة إلماح يريد من خلالها تعزيز مكانة الفكرة التي نهل منها النص وحدد قيمها وعطاؤها ووهجها الذي لا يتلاشى حينما تكون الحكاية مشبعة بألم الإنسان البسيط.

تتوالى الرواية على هيئة حلقات مترابطة من المواقف والأحداث الأليمة التي صورها الكاتب بأسلوب متقن جاء رابطها العام هاجس المدينة وأهلها، وما تفرزه تلك الممارسات الشاقة من أذى محتمل وشعور بالعجز والخور عن تأدية الدور الإنساني المتكامل للخدمات التي يعاني منها الناس في المدينة ممثلا في هذه الرواية بشخصية « منال» ومن معها، حيث سلط الضوء بشكل كامل على قضيتهن التي فقدن فيها جميعا حياتهن من أجل البحث عن الذات واللقمة.

يختم الكاتب ماجد سليمان تفاصيل روايته بمشاهد أليمة تعكس الواقع المتردي لمنظومة أعمال المدن وقرارات الوظيفة وإرتجالات العلاج، والحلول المؤقتة وغياب الهدى وضياع الأمل وما إلى ذلك من صور هي في الأساس كما يقول الكاتب ضريبة ندفعها نحن للمدن التي لم يكتمل نموها بعد..

* * *

إشارة:

عين حمئة (رواية)

ماجد سليمان

الطبعة الأولى ـ 1433هـ 2011م

تقع الرواية في نحو (112صفحة) من القطع المتوسط


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة