Culture Magazine Thursday  19/04/2012 G Issue 370
فضاءات
الخميس 27 ,جمادى الاولى 1433   العدد  370
 
تعليق على جثمان
فيصل أكرم

 

(جثة بشرية على طاولة طعام):

«عاش رجل روسي لمدة أسبوع مع جثة زميله الذي يعيش معه في الشقة نفسها، حيث كان يجلس إلى الطاولة ميتاً وبيده شوكة طعام. وقالت أنباء صحفية إن الشرطة في منطقة بكروفسك لم يكن لديها سيارة لنقل جثة الرجل البالغ من العمر 65 عاماً بعد أن توفي أثناء تناوله الغداء. ومن جانبه رفض المجلس البلدي نقل الجثة وأخيراً قامت الشرطة بنقلها بعد أن اكتشف الصحافيون الأمر. وأوضحت الصحف أن الرجل كان ميتاً ويجلس وعيناه مفتوحتان وبيده شوكة الطعام على مدى سبعة أيام، وأن زميله لم يكن يملك مالاً كافياً لدفن الجثة، وأن الجثة نقلت بواسطة الشرطة وهي نصف متعفنة».

*(خبر صحفي)

* (التعليق):

ولأنّ أهلكَ لم يموتوا

قبلَ مولدِكَ السعيد..

بعثوا إليكَ برحلةٍ وَقَفَت على طبقِ الطعامِ

وثبّتوا بين الأصابع شوكةً

هل كنتَ تأكلُ دائماً..؟

أكَلَ الزمانُ حياتكَ الأولى

أكلَ الزمانُ الصحوَ في صحوٍ

وأبدَلَهُ منامَك

أكَلَ الزمانُ.. هو الزمانُ إذا أكَل

أكَلَت خطوطُ الكفِّ أيّامَك..

ها أنتَ لم تأكل طعامَك؟

ها أنتَ.. لم

هو ذا الصديقُ، يظلّ منتظراً أمامَك

ها أنتَ.. لا

لا شيءَ يسقطُ إذ يموتُ الجائعون!

ماذا يقول الجالسون إلى الموائد وحدهم؟

هل ينظرون إلى الخواتم،

بعد أن تركوا القلادة تنفرط..؟

هل يطلبون من السحابة قطرةَ الغفران تغمرُ

ما تبقّى، بعد أن هبّت على أجسادهم كلُّ العواصف

وانطوى فيهم زمانٌ كان..؟

هل يشتهون الماء..؟

هل يشترون العمر ثانيةً، وينسون المتاهة في الفضاء؟

هذا الفضاء يخونهم بكثيرهم

هذا الفضاءُ يخونهم بكثير من فيهم

ويحملهم إلى كل الموائد ممسكين ببعضهم (وكأنهم شوكاتُ أكلٍ)!

للطعام مسلّمين رؤوسهم

للنظرة الدنيا، ويخفون الملامح تحت أجفان الغيابِ

وما عليهم أن يكونوا مثلَ من كانوا هناك..

ماذا يقول الواقفون على الموائد وحدهم؟

«هي جثةٌ بشريةٌ، لا شيء يدعو للكلام..

هي جثةٌ بشريةٌ.. لا شيء ثمةَ كي نمدَّ له الطعام».

* * *

* (في الهامش):

حين يعزّ الترابُ، فكلّ شيء مشاع. هل كنتُ سأعرف الرجل (الجثمان) لو لم تكن النهاية هكذا؟ وهل بقي فرقٌ كبيرٌ بين «الجثمان» و»الإنسان»؟ ثم من أين سنأتي بالإجابة كلها..؟ سنحتاج إلى مائدةٍ تصمد إلى آخر الوقت، تصمد إلى آخر أصحابها، تصمد بأصحابها حتى تتضح الصورة لمن يضنّ بالتعليق على أشياء لا يخافها (كما يظنّ).

الرياض ffnff69@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة