Culture Magazine Thursday  19/04/2012 G Issue 370
فضاءات
الخميس 27 ,جمادى الاولى 1433   العدد  370
 
درس في جماليات الموت - الحلقة الثالثة
الولادة والموت.. دهشة العبور وطمأنينة العادة
محمد عبدالله الهويمل

 

(الدين, الشك، الخرافة) تتفاعل مع الموت على نحو مختلف. وتتحقق مشتركات بين الدين والخرافة بوصفها اتصالاً مع غيبيات كبرى, تملي تصورات توجِّه السلوك والوعي صوب يقينيات، تحقق استقراراً عقليا ووجدانياً. وتمام لذة الخرافة وقتما تبلغ مصاف اليقين، أي الدين، بل هي الدين ذاته في نفوس معتنقيها إذا آمنا بقول القائل: العقل منتج ثقافي وليس جوهراً قائماً بذاته.

وفي الحالة الدينية الشعبية والخرافية تقل الفجوات بين العقلي والعاطفي حد الوحدة في كل ألوان التلقي، ويتم القبول والرفض بإجماعهما.

وهذا ضروري وليس عيباً, وهو من الاستسلام لاستكمال لذة تلقي الجماليات، ومن بينها الموت بوصفه جزءاً من الزمان والمكان الحياتي؛ إذ الاستسلام للغيب يمنح العقل محدودية الوظيفة، وكذلك العاطفة، وتخف أعباءه تجاه الأسئلة الوجودية الكبرى والركون إلى الدعة والرخاء والرفاه. وكلها من شروط المجتمع الاستهلاكي الحديث، وقطاع اللذة، بل إن ثورة ما بعد الحداثة تجاوزت حالات الشك المرضي، والإيمان الخادش بمحورية الإنسان بحسب (تأويل هذه الحالة) إلى الارتداد إلى أنطولوجي وجودي نحو الإيمانيات التقليدية من زاوية التخفف من تحمل تبعات الفهم المعقد، وغير المجدي لأسئلة التنوير والحداثة بشأن الله والغيب والقدر وماهية الإنسان، فألقت المعاناة المفتعلة من المدارس التنويرية والماركسية والوجودية خلف ظهرها، وركنت إلى حالة من اللامبالاة ما بعد الحداثية متجاورة مع الاستسلام اليقيني عند المؤمنين فاشتركا في صد أي مواجهة مع الغيب, واختلفا في الخلفية، وانتهيا إلى المزيد من ثقافة الاستماع بألوان اللذة التي تتوافر على الجمال الصاخب. فالحداثة بتوتراتها وترت من علاقة الإنسان بالجمال إلا جماليات الشك. والشك إذا كان نتيجة اللامبالاة فهو إما أن يفضي إلى قلق إبداعي، أو قلق مرضي، أما الإبداعي فهو يتماهى مع الحدث نظرياً, ويحاول إعادة فهمه، أي تأسيس علاقة جديدة متكافئة معه تخلو من أي مستند غيبي، أي تجريده من مفردة (الموت) ودلالاتها إلى (النهاية) بكل بساطتها وتلقائيتها في يومياتنا، فالنهار ينتهي، والليل ينتهي، والطعام واللعب والعمل كلها ذات (نهاية) يومية فتحقق المشروع الأهم وهو تلطيف هيبة الموت بوصفه (نهاية) حتى وإن كان يحدث مرة واحدة للإنسان إلا أنه في الدارج الشعوري هو صدمة لا أكثر, ولاسيما أنه يعبر عنه ب(قتل) و(اغتيل) و(قضى نحبه) و(غيب الموت) و(انتقل إلى رحمة الله) وغيرها، وهذه التعديدية خففت من سريته وقدسيته المفرطة في السطح الأعلى من الوعي الطبيعي للإنسان. وهنا يبذل الشك الإبداعي المتحرش بلغز الموت أقصى مداه في سبيل تحييده غيبياً وإنسانياً بمعنى أنه حدث بيولوجي مفرغ من أي محتوى ديني يفضي إلى حساب وعقاب قائمين على تصور دين دون دين أو خرافة دون أخرى، والذي جعله سهل التناول أنه (الموت) قدر متفق على نفاذه في البشر جميعاً لعدم وجود استثناءات على مدى التاريخ. فهو جزء من ثقافتنا اليومية، والتعامل معه سيكون عفوياً، وغير مقلق ثقافياً، وهذا ما يجعله جزءاً من طمأنينة اليومي؛ إذ هو جزء من جماليات اليومي، فعندما ترى حادثاً مروعاً وجسداً طريحاً مضرجاً بالدم، فليس المقلق هو الموت، بل الدم؛ لأنه غير اعتيادي، والحواس تتجه له لا إلى الموت نفسه, وكذلك أعتى الأمراض والطوارئ الكارثية التي تلم بالإنسان والكون من الزلازل والبراكين والفيضانات والأوبئة والمجاعات كلها ضمن الطبيعي الذي لا يخرق العادة ولا حتى ما تسفر عنه من موت، بل في الطارئ وحده ومظاهره. وكل ما سلف ينهض في الواقع كفواجع غير مرحب بها، لكن المشهد ذاته يصنف إبداعاً إذا ما صدر عن صناعة هوليوود, وعندها نصدم أنفسنا بممارسة انفصامية في التلقي، وهذا سر جديد لجماليات الكارثة أو الدهشة أو الطارئ, ويفتح باباً جدلياً لفهم علاقة الدهشة والطارئ وضروراتهما التكرارية وسر الجمال في التكرار القائم على ثنائية أو تعددية لمنح الحال الإنساني فعالية التغيير والتحول الحتمي الذي فسّر فلسفياً تفسيرات شتى بشأن خلفيات انتهت إلى الصيرورة والحتمية في التطور والتغيير والتنوع، وهذا الأخير يُعَدّ من ضروريات الجمال كوصف ضروري للتغيير والتطور, ومن ثم فالجمال يُعَدّ مديراً لكل فعاليات الحتمية التاريخية في كل تجلياتها وخلفياتها.

وينهض الإسلام كثيمة تاريخية كبرى فقضى الله به ديناً وانتهى التاريخ عند هذا القدر. وما امتداداته التاريخية والدرامية إلا فضلة لتعميق استمتاعنا وتأثرنا بالعملية التاريخية، وكأننا نعيش مشادات ومشاجرات دامية بين جماهير رياضة بعد أن حسمت صفارة الحكم الفوز، وانتهى التاريخ عند هذه الصفارة. وكل هذه المواجهات العنيفة برزت للتعبير عن رفض هذا القدر أو قبوله متخففة من عبء خلق المصير البشري أو تعديله أو تغيير نتيجة المباراة كما في المثال السابق. ويبرز في هذا الاتجاه سؤال جمالي عذب عن الإسلام وثنائيته، مع الحسم والحتمية وعلاقته المضمرة باللذة بالدعة ومتعته الرخاء الاستهلاكي.

الإسلام حدَّد علاقة الحالة العقلية والإدراكية والعاطفية النشطة بالله تحديداً بالاستسلام للوحي والانصراف المطلق للعبادة موجزة في {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وشملت الآية الجن الأكثر نشاطاً في مشهد الغيبيات والأكثر قلقاً تجاه الغيب درجة التطفل في استراق السمع من السماء، فجاءت الآية للتقليل من هذا التوتر بالاستسلام الطوعي المناقض للتوتر. والقارئ لسورة الجن سيجد درجة بالغة من الانفعال الممتع تجاوز انفعال البشر لثقافة جديدة، وهي الاستسلام الذي يضع المخلوق في حيزه الطبيعي ولادة طولاً وعرضاً وزناً وحجماً، وكأنه استعاد ملكية خاصة فقدها دونه وعيه بتجاوز حجمه (إمكانيته الخاصة) إلى مساحات أخرى، فإذا هو يفقدها عنوة إلى مخلوقات أشد جبروتاً منه، وهو الوهم. وبالاستسلام استعاد هذا الممتلك من الوهم القوي باليقين (الاستسلام) الأقوى فكانت لذته وفرحته فرحة العائدين بالظفر.

سورة الجن تؤكد أن الأكثر لذة في الوهم والشك أكثر لذة في اليقين والحقيقة. وإليك هذا التدافع التبشيري الدعوي لأممهم {إنا سمعنا قرآناً عجباً} {يهدي إلى الرشد} {فآمنا به} {ولن نشرك بربنا أحدا} {وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا}.. والملاحظ أن ثمة نقضاً ضد جملة من العقائد في عدد يسير من الكلمات محمولة على نبرة الدهشة والمدهوش الذي عرف الحقيقة دفعة واحده, فبلغها دفعة واحدة، واستعاد حيزه من سلطة الوهم دفعة واحدة، فحقق مكاسب عدة، فاكتملت لذة الجمال (الحقيقية) كما لم تتحقق لغيره، يحددها كثافة تلقي الحقيقة وكثافة تبليغها.

إن اليقين بعد الوهم حالة من الإشباع كالشبع بعد الجوع والري بعد العطش.. وكلها تدخل ضمن اللذة الكبرى التي تتماس مع الباطن الجمالي الذي تتطوي عليه كل المتماسات بالإنسان.

ونهاية الأمر في جماليات الاستسلام أن اللذة هي شعور بالضعف أمام الجمال بكل تنوعاته. ولذة الضعف تكمن في استشعاره الحقيقي. فهذا الشعور (الضعف) يسفر عن خوف أو دهشة تنطوي على تلقي الجمال, فالجوع ضعف لذيذ أمام الطعام، والنوم ضعف لذيذ من الإرهاق. وكلها جماليات غير مستشعرة، ومنها الضعف أمام الموت بتجلٍّ شعوري يختزل في الخوف أو الدهشة أمام جماليات باطنة إزاء الطرف الأقوى (الموت) أو (الجمال). وتبقى اللذة تجاه هذه القوى ما دام الإيمان به جاء طوعاً وحاجة كلذة الخوف عند المسلم تكون من الإله الذي سمى نفسه (الله) وخوفاً منزوع اللذة من الجهات الضارة من دونه. وكذلك خوف العبد لذيذ من معبوده الذي آمن به طوعاً وانتقاء، أي أن العلاقة الواضحة بين العبد والمعبود ذات خوف إيجابي في هذه الحالة؛ لأن العبد أدرك الكثير من تفاصيل معبوده، واطمأن لها وأدرك التوفيق بين المتوهم من تناقضاتها، فالكوارث التي يقدرها الله للمؤمن تنطوي على قدر جمالي عال يدركه المؤمن؛ لأنه أدرك الجمال في فضه اللبس بين المتضادات الموهومة في صفاته عز وجل، ويطرد هذا في المؤمنين بالخرافة والمعبودات الأخرى, وما سر بقائهم على هذه الخرافات السنين الطوال إلا جماليات العلاقة بينهم وما يعبدون وهذا مؤجز في قوله {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} و{زين} هو أي إدراك جماليات في هذه العلاقة التي أسبغت بعداً من الانسجام، لا يدرك نقصه إلا بإدراك علاقة أكثر جمالية، تحقق قدراً ونوعاً مختلفاً من اللذة، وهذا متفش بعفوانية في الممارسة الروحية الصوفية في أكثر تجلياتها، ولنا منها موقف آخر في مقام آخر. وأنتهي إلى أن اختيار المعبود بإخلاص يحقق حالة من الضعف الاختياري المنطوي على جمال حُرّ ولذة تلقائية، وهنا يحضر الموت ليدخل طرفاً في هذة المعادلة، إذ الموت مصير كأي مصير آخر توجهه هذه القوى الغيبية، ويكتسب دلالته المعنوية والروحية من تراكمات عريضة حسية وإدراكية كونت تصوراً تجاه هذا الحدث الذي يمثل منعطفاً حاداً في تأويل الإنسان كالولادة والإيمان بوصفهما حدثين يمثلان عمقاً تحولاً أنطولوجياً غامراً بالأسرار يعززان في تكاملية لافتة وكثيفة بين الولادة والموت، فكلاهما تحرك داخل الحدود الرفيعة للحياة. كلاهما يعبر بطقوس متشابهة محمولة بالانفعال السعيد هنا والانفعال الحزين هناك، وكلاهما يعبران الحدود محمولين ومحرومين من التعبير الذي يعيه القيمون على طقوس الاحتفال.

إن الولادة وما تنطوي عليه من جماليات العبور على حدود الحياة تمنحنا انطباعاً باطنياً بالجمال، وتضفي على خرائطنا الشعورية مسحة من متعة خجولة تتجرد للعبور الأول, فتمكن من البعد الجمالي لهذا اللون من العبور بوصفه عبوراً لا أكثر، محاطاً بوعينا اللذيذ بالضعف حيال العبورين.

المحصلة أن الموت عبور حقيقي يتمثل في نعش متحرك يتخطى حيزاً إلى آخر اكتسب معناه من حركته، وما يمكن أن نصفه بتحريك معطل، وكأن من يحمله يمارس دور الميت الحيوي في التنقل وتبليغ هذا الجسد مظنته الطبيعية كختام برنامج مرتب أخذت كل هذه الطقوس معنى العفوية المهنية، واستحضر الجميع سلطة العادة التي تبث الطمأنينة في نفس من يستلهمها. والطمأنينة هي المعادل القوي للعادة، أي درجة من الانسجام مع المحيط الطبيعي، أي درجة عالية من الجمال ينتهكه عارض الموت، ليدشن مرحلة جديدة ملونة من إدراج المفاجأة ضمن العادة, فيحدث انسجام جديد يكرس لجماليات جديدة.

ما بين حالتي العبور (الولادة) والعبور (الموت) تنتهض حالة النمو كفاتحة على حيوية تغيير, تأخذ فعلها من حيوية العبور ذاتها من نمو ونشاط يكتسب حضوره بين طبيعة لا تتصف بالنمو والتحول؛ ما يجعله يستشعر هذا التحول في ذاته. فلو كانت عناصر الطبيعة متحولة كأن تكون الشمس غير الشمس والقمر والسماء والأرض والجبال والهواء والبحر لما أسست لضدية يستشعر الإنسان فيها بتفرده, إذ لا يتغير من الطبيعة إلا ما غيره الإنسان فيها. فعله في مادتها فعله في مادته. فشق طريق في جبل عملية جراحية قام بها الإنسان، وأضاف إلى إبداعه أي تغييره دوراً جديداً. وأما تعاقب الفصول الأربعة، وما قد نجده في الطبيعة، فلا يعد تغييراً؛ لأنها فصول أربعة لا تزيد ولا تنقص. فالإنسان يدرك أنه هو المتحول الوحيد في هذا العالم، وهذا موجز في آيات التسخير، أي أنها ضدية الخادم والمخدوم. وهكذا صنف الإنسان نفسه إزاء هذه الطبيعة، فما كانت إلا لتخدمه وتمتعه دون اكتراث منه بأسرارها الجمالية والخدماتية، أي الربط التكاملي بين الجمالي والخدماتي فيما تقدمه الطبيعة للإنسان. ومن مظاهر غفلة الإنسان عن أسرار كهذه ظهور أجيال وأجيال جمة ومتعاقبة من الحيوانات والطيور والأسماك دون أن يدخلها الإنسان في خانة المتغير والمتحول، فالعصفور على الشجرة قبل خمسين عاماً هو العصفور ذاته الآن، وإن كان ينحدر من سلالة بعيدة جداً للعصفور الجد. وكذلك الزهور والأسماك، فالخادم غير العاقل أقل من أن نفتش في سلالته لعدم قيمتها ثقافياً وجمالياً وخدماتياً. وقيمتها تقتصر في كونها آخر خارج عن فضيلة الكيف والكم.

التغير صفة لا يستشعرها الإنسان إلا في نفسه، وقيم الجمالية مرتبطة بنشاط النمو وحيويته على خلفية حيوية عبور الولادة والموت.

Hm32@hotmail.com الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة