Culture Magazine Saturday  14/09/2013 G Issue 411
عدد خاص
السبت 8 ,ذو القعدة 1434   العدد  411
 
العامل بصمت
أكمل الدين إحسان أوغلي

 

في حياة الإنسان شخصيات تدخل وشخصيات أخرى تخرج، منها من يمكث في الذاكرة ومنها من ينمحي، وهناك شخصيات ترتبط بها العلاقة بتدرج على مر الزمان إما زيادة وإما نقصاً. وهناك نوع آخر نادر من الشخصيات التي تظهر فجأة في أفق الإنسان، ولكنها تسطع كالنجم وتظل في سمت الأفق منيرة وضاحة لا تفقد من ضيائها شيئاً، وهكذا كانت معرفتي بالشيخ جميل حجيلان.

لقد بدأت معرفتي -أو بالأصح تجربتي الشخصية- بالشيخ جميل حجيلان في بداية عام 2005، إذ كنتُ في الأيام الأولى التي تسلمت فيها مسؤوليتي كأمين عام لمنظمة المؤتمر الإسلامي.. وقد دعيت إلى اجتماع هيئة كبار الشخصيات التي تشكلت حسب قرار القمة الإسلامي الذي انعقد في كوالالمبور في عام 2003، إذ كان من قراراته الهامة أن دعا إلى تشكيل هيئة من كبار شخصيات العالم الإسلامي من 16 دولة حتى تنظر في أمر تطوير المنظمة وإخراجها من حالة الركود التي وصلت إليها، ودفعها إلى الأمام لكي تصبح أداة فاعلة في تحقيق هدف التضامن الإسلامي الذي بنيت من أجله.

بدأت اجتماعات هيئة كبار الشخصيات في كوالالمبور يوم 27 يناير 2005 واستمرت ليومين إلى حد يوم 29 يناير 2005، كنت أساهم في هذه الاجتماعات وفي رأسي أمور أساسية تجمعت لدي من خبرة متواضعة تراكمت خلال 25 عاماً في خدمة المنظمة من موقعي فيها كمدير عام ومؤسس لمركز إرسيكا (مركز الأبحاث للتاريخ والفنون الإسلامية بإستنابول) أحد أجهزة المنظمة. كان اجتماع هذه الهيئة هو أول لقاء لي مع بعض أعضائها ومنهم الشيخ جميل الذي رشحته المملكة ليكون ممثلاً لها بين هذه النخبة من كبار الشخصيات والمثقفين الذين يمثلون أهم الدول الإسلامية وينوبون عن مجموعات من الدول، تمثل المناطق الجغرافية الثلاث (آسيا، إفريقيا، العالم العربي).

كانت اللجنة التحضيرية قد اجتمعت من قبل، وقدم رئيسها تقريره إلى الهيئة.. وطلب مني أن أبين فيها رأيي وأن أقدم مقترحاتي، فبادرت إلى هذا، وكانت الأفكار الأساسية التي قدمتها تتمحور حول النقاط التالية:

أولا: لا بد من تغيير الميثاق الذي وضع في السنوات الأولى من سبعينيات القرن الماضي والذي أصبح لا يعبر عن واقع المنظمة التي تطورت بشكل كبير وزادت مسؤولياتها وتضخم عدد مؤسساتها. وأضحت هناك حاجة ماسة إلى ميثاق يعبر عن طموحات الأمة الإسلامية ويأخذ في الاعتبار نبض الفترة التي نمر بها.

ثانياً: لا بد من تغيير ثقافة العمل الرسمي في المنظمة حتى يتواكب مع أسلوب العمل في بقية المنظمات الدولية التي حرصت على تطوير أساليب عملها مع التطورات الدولية ودعمها بالكفاءات الدبلوماسية والأكاديمية الرفعية.

ثالثاً: لا بد من إيجاد آلية جديدة يمكن أن تتعامل بسرعة مع الأحداث. وفي هذا الصدد قدمت اقتراحاً بإنشاء اللجنة التنفيذية التي تتكون من ثلاثية مؤتمر القمة وثلاثية مؤتمر وزراء الخارجية بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية دولة المقر.

وأعقب ذلك مداخلات عديدة دارت عن بعض ما طرحت، وأخرى حول نقاط رأيت فيها بعدا عن فهم طبيعة عمل المنظمة، وأخرى كانت ملاحظات نظرية... ورحت أنتظر بقلق انتهاء هذه المداخلات حتى أراجع أصحابها بما خبرته من أمر المنظمة على مدى ربع قرن من الزمان ومعرفتي بالمحاولات السابقة للإصلاح وفشل لجان وهيئات سابقة لكبار الشخصيات في وضع تشخيص سليم للمرض العضال ووصف الدواء الشافي... كنت أشفق على هذه المبادرة الهامة من الفشل وكانت نفسي تعتمل بمشاعر متناقضة أمام هذه الكوكبة المتنوعة من العلماء والمسؤولين... وجاء دور الشيخ جميل حجيلان وقدمه رئيس الجلسة على أنه ممثل المملكة العربية السعودية، ومنذ تلك اللحظة بلغ توتري أقصاه، حيث إن كلمة مندوب المملكة عادة ما تكون هي الحاسمة في اجتماعات المنظمة. وانتظرت بداية الكلمة وانتهاءها بفارغ الصبر...

وما إن بدأ الشيخ جميل يبين موقفه في شأن إصلاح المنظمة وتطويرها ويكشف عن رأيه فيما قرأه وسجله من ملاحظات حتى قال «إنني أثني بل أؤيد تماماً ما طرحه الأمين العام من سلسلة أفكار وأرى أنه لا يوجد مخرج لهذه المنظمة إلا بهذا الإصلاح الجذري الذي يجب أن يبدأ بتغيير الميثاق.» وأردف قائلاً إنني أقترح أن يكون بيان الأمين العام أحد الوثائق الرئيسية المقدمة لقادة الدول وإنه ليس من العدل أن نحمل الأمانة العامة قصور المنظمة وأكد أن صحة الأمانة العامة من صحة المنظمة. نزلت هذه الكلمات برداً وسلاماً على قلبي، وكان لها أثرها البالغ في تبني مقترحاتي... بطبيعة الحال لم يكن موقف الشيخ جميل موقفاً نابعاً من تعاطف شخصي، فلقد كان هذا أول لقاء بيننا، بل كان من واقع تجربة طويلة في مجال العمل السياسي والدبلوماسي، وكذلك معاينة شخصية لمشاكل المنظمات الإقليمية والدولية التي عايشها بصفته أمين عام لمجلس التعاون الخليجي.

واستمرت اجتماعات هيئة كبار الشخصيات على دفعتين، كانت الثانية في إسلام أباد بتاريخ 28-29 مايو 2005، وطوال هذه الاجتماعات كانت مداخلات الشيخ جميل مختصرة في كلماتها، مؤثرة في مداها، مصيبة في مراميها.. وأذكر اجتماعنا في إسلام آباد مع الرئيس برويز مشرف حين استقبل هيئتنا، وصار نقاش حول مجمل ما توصلنا إليه، حيث كان الرئيس الباكستاني متحمساً لإصلاح المنظمة داعماً له.. وفي إحدى جزئيات النقاش كان للشيخ حجيلان رأي يختلف عن رأي الرئيس، فإذا به في أسلوب دبلوماسي رفيع وفي لغة راقية يشرح وجهة نظره حتى تبسم الرئيس واقتنع أو آثر الصمت إرضاء لضيفه الكريم.

تلك الاجتماعات كانت بداية علاقة حميمة جمعتني بأستاذ جليل من أساتذة الدبلوماسية السعودية الرفيعة.. ثم جمعتنا الأيام بعد ذلك على عمل تاريخي مشترك لا بد أن أفصّل القول فيه.

فقد انعقدت قمة مكة المكرمة بمبادرة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في ديسمبر 2005، وكان حفظه الله قد دعا إليها في بداية العام أثناء موسم الحج لِلَمّ شمل المسلمين والخروج من حالة التشرذم التي يعانون منها. وقد خرجت القمة بإعلان مكة الشهير وكذلك بخطة العمل العشرية التي تفردت بها هذه القمة الاستثنائية التاريخية والتي أصبحت وثيقة عمل جدي وخريطة تضامن إسلامي من خلال العمل الفعلي وتخلت عن التضامن اللفظي وأدبيات المؤتمرات المعهودة. كان من مقررات القمة أن يتم وضع ميثاق جديد للمنظمة يواكب عالم اليوم ويعبر عن طموحات الأمة الإسلامية.

هنا برز اسم الشيخ جميل حجيلان كعضو في هيئة صغيرة في عددها كبيرة في حجمها ومستواها تجمع حكماء الأمة الإسلامية لصياغة ميثاق المنظمة الجديد.. وقد كان من كرم المقام السامي ولطفه أن يوافق على ترشيح الشيخ جميل حجيلان ليكون عضواً في لجنة الحكماء التي ضمت الرئيس سليمان دميرل من تركيا ورئيس وزراء ماليزيا د. مخاتير محمد وعلي العطاس وزير خارجية إندونيسيا والأمين العام السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي د. حامد الغابد والسيد الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة والسيد مختار أمبو مدير عام اليونسكو السابق والدكتور نبيل العربي الدبلوماسي المصري وعضو محكمة العدل الدولية السابق.

انتظم عقد هذه الهيئة الجليلة يومي 18 و19 مايو 2006 في قصر يلدز التاريخي بإستنابول (مقر مركز إرسيكا) وقد كان يوماً مشهوداً في تاريخ منظمة المؤتمر الإسلامي.. حيث كانت المداخلات على أعلى مستوى ممكن في حاضر الأمة الإسلامية وبأرفع أسلوب يجري بين شخصيات جمعت زبدة خبرة الأمة الإسلامية وخلاصة تجارب متنوعة من العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني في أرحب صعيد وأعلاه.. وكانت مساهمات الشيخ جميل على الدوام كالعهد به، وجيزة، بليغة وفي الصميم.

وإنني إذ أكتب هذه الانطباعات عن شخصية أخ كبير وأستاذ جليل إنما أسجل واجباً عليّ نحو رجل عمل في صمت من أجل دفع عجلة منظمة المؤتمر الإسلامي إلى الأمام، عمل ذلك على مستوى تمثيله الجدير بدولته دولة المقر بالنسبة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وبخبرته العميقة وحنكته الفريدة.

أختم كلماتي بالدعاء له بطول العمل متذكراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: خيركم من طال عمره وحسن عمله.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة