Culture Magazine Thursday  18/04/2013 G Issue 403
فضاءات
الخميس 8 ,جمادى الآخر 1434   العدد  403
 
دَسَمٌ في غير أوانه!
فيصل أكرم

 

شاهدتُ فقرةً من برنامج (الورشة) الذي يقدمه الدكتور صالح المحمود على شاشة القناة (الثقافية) الخميس الماضي، وكان موضوع الحلقة - ربما - يتمحور حول (أسباب ضعف اللغة والنحو عند حَمَلة الشهادات العليا في اللغة والنحو)!

وقد أعجبني من النقاش الذي دار في (الورشة) ذلك التشبيه البليغ الذي طرحه الدكتور أحمد درويش في توصيفه لأحد أكثر أسباب الضعف اللُّغوي والنحْوي شيوعاً عند الجامعيين المتخصصين في اللغة والنحو، إذ قال: (تخيّل أنك رُزقت بمولود بعد عقم، ومن شدّة فرحك بهذا المولود، وحرصك على تغذيته بما يجعله قوياً، فإنك قد تطعمه قطعة دسمة من اللحم والشحم وهو لا يزال رضيعاً ظناً منك أنك تساعده على النمو.. ولكنك لم تنتبه إلى أن طفلاً في هذا العمر سيسبب له تناول مثل هذه اللحوم الدسمة أذىً قد يجعله – إن نجا – يكره كل أصناف اللحوم والأكلات الدسمة ما تبقى له من حياة)!

الخطأ يكمن إذاً، برأي الدكتور أحمد درويش، في الجرعة الدسمة من اللغة والنحو التي يتلقاها طالب اللغة والنحو في سنته الجامعية الأولى، بما يزيد على حدود مستواه في التلقي والاستيعاب فتجعله يغصُّ بها ومن ثم يكره المادة متى ما تخرّج منها للعمل بوظيفة (معلِّم) لن تكون بالنسبة له أكثر من لقمة عيش (!) فماذا سيقول الدكتور أحمد درويش عن الجرعات الدسمة التي تسكب في آذان الأطفال من طلبة السنة الابتدائية الأولى، لتطلع من حلوقهم الغضة على ميكرفونات إذاعية ترهبهم وتأخذ أولى خطواتهم مع التعلُّم ناحيةَ العُقد المفتعلة والإحباط المركّب..؟!

قبل استماعي لما قاله د. أحمد درويش بساعات قليلة كنتُ أستمع إلى سيدة فاضلة كانت تسألني في حيرة عن معاني بعض المفردات من مثل (أعداء، شماتة، خزائن..) وكيف تشرحها لطفلها ذي السنوات السبع الذي يدرس في السنة الأولى من المرحلة الابتدائية، وقد أجبره المعلم أن يحفظ هذا الدعاء غيباً ليقدمه بطريقة إذاعية أثناء طابور الصباح: (اللَّهُمَّاحْفَظنِيبالإِسْلاَمِقائِماً،واحْفَظْنِيبالإِسْلاَمِقاعِداً،واحْفَظنِيبالإِسْلاَمِراقِداً،ولاتُشْمِتْبِيعَدُوّاًولاحاسِداً. اللَّهُمَّإِنِّيأسْألُكَمِنْكُلِّخَيْرٍخزائِنُهُبِيَدِكَ،وأعُوذُبِكَمِنْكُلِّشَرٍّخَزَائِنُهُبِيَدِكَ) فهل لطفل في السنة الأولى من الرحلة الابتدائية أن يستوعب هذا الدعاء، وهل ظنَّ معلمُ المدرسة (الابتدائية) أنه حين يحذف مطلع الدعاء (اللهم فقّهني في الدين) فإن الدعاء سيكون مناسباً لأطفال في السنة الأولى..؟!

السيدة الفاضلة، والدة الطفل – المغلوب على أمره! – هي خريجة (كلية الشريعة وأصول الدين) من إحدى جامعاتنا، ومع ذلك لم تجد طريقة تتناسب مع عقل طفل في السابعة حتى تشرح له بها معاني كلمات ذلك الدعاء بالشكل الصحيح!

لن أعلّق على ذلك، ولن أبتكر حلولاً أو إصلاحات ولن أقترح متابعات ومراقبات على المدارس، فقد سبق أن كتبتُ مقالة عنوانها (رسوبُ إنصافٍ خيرٌ من نجاحاتٍ زائفة) نشرت بتاريخ رجب 1418 نوفمبر 1997 في العدد 28 من مجلة (المعرفة) الصادرة عن (وزارة المعارف) في ذلك الوقت، وعرضتُ في المقالة لكوارث تعليمية تحدث من المعلمين في مدارسنا تجعل الطلاب يكرهون كل ما يتعلمونه (ناهيك عن الأخطاء الفادحة التي يتعلمونها إجباراً، وبإصرار عجيب من معلميهم!).. وقد كنتُ أحتفظ بالأدلة والوثائق التي تشير إلى الخلل، متصوّراً أن ثمة من سيتصل بي من (وزارة المعارف) للتحقيق في الأمر من أجل الوقوف على إيجاد حلول، ولكن.. نُشرت المقالة في المجلة التابعة لوزارة المعارف، وكأنها ليست سوى مادة لتسويد صفحات المجلة.. لا أكثر!

لذا، فأنا لن أتوقع من وزارة المعارف (أو وزارة التربية والتعليم حالياً) أو حتى (وزارة التعليم العالي) أي اهتمام إيجابيّ من أجل إصلاح الخلل المؤثر على مستقبل الطلاب، سواء بالمراقبة والمتابعة أو بالتوجيه والإرشاد أو حتى بإعادة تأهيل المعلمين في المراحل التعلمية كافة، فيكفيهم الإخفاق في مسألة (تغيير المناهج) التي جعلت الكل يذكر المناهج القديمة بكل خير (!) فقط أرجو من الطلبة أنفسهم، أو من أولياء أمور الطلبة – في المراحل الابتدائية تحديداً – الاعتراض بحزم على مثل هذا التلقين (الدسم) الذي يؤدي بالطفل إلى الغصة، ومن ثم الكره الشديد (كما قال الدكتور أحمد درويش) لهذه المواد والفقرات بما تتضمنه من عبارات ومصطلحات وابتهالات وأدعية تحتاج إلى شروحات يستحيل على طفل في (السابعة) لم يصل بعد إلى (نصف) مرحلة التكليف اكتشاف معانيها أو استيعابها.. ناهيك عن محبتها أو إتقانها أو حتى الإيمان بها، وقد أجبر على ترديدها - كالببغاء!– حين قررها المعلم في غير أوانها. والحال نفسها تنطبق على مراحل التعليم كافة، ولن نجد سبباً غير ذلك في التدني الحاصل لمستوى الخريجين مهما نعمل من (ورش) للمناقشة!

الخطير والطريف في الأمر التعليميّ كله، لدينا، أن الاستسهال والتغاضي لا يأتيان إلا عندما يكون الطالبُ على أبواب التخرج الجامعي، أو مناقشة الرسالة المقدمة لنيل الشهادة العليا.. فنجد الامتيازات ومراتب الشرف تغدق عليه بسخاء، في حين لو أعدتَ عليه فقرة من الفقرات التي ابتلي بها طالبُ المرحلة الابتدائية – في سنته الأولى! - لما استطاع الإجابة عن أي سؤال حولها.. (يا له من خللٍ عظيم)!

ختاماً أقول: إن الحديث الذي يردده عامة الناس على مسامع الصغار (العلم في الصغر كالنقش في الحجر) ما هو إلاّ حديثٌ ضعيفٌ، لا تخلو أسانيده من ضعف وانقطاع؛ كما أن النقش القويَّ على حجر لا يزال طرياً رطباً.. قد يفتته!

ffnff69@hotmail.com الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة