Saturday 22/02/2014 Issue 429 السبت 22 ,ربيع الثاني 1435 العدد

سعد البواردي

استراحة داخل صومعة الفكر

22/02/2014

عبير الذكريات

طاهر زمخشري

195 صفحة من القطع الكبير

راحلنا ثر العطاء أثرى مكتبتنا الشعرية بالمزيد من دواوينه الشعرية قرأتها في حينها عبر الاستراحة.. وذا أنا أتناول ديوانه عبير الذكريات.. والذكريات صدى السنين الحاكي..

بداية بعنوانه في رحاب الإيمان اجتزئ منها بعض الأبيات.

يا رحاب الهدى ويا مهبط الوحي

ويا قدس قدسنا الروحاني

القداسات في الدروب أضاءت

بمصابيح من هدى الفرقان

والضلالات قد تهاوت وأبقت

خلفها الباقيات عقد جمان

وبمعنى الجلال. والخلد شادت

صرح بيت موطد البنيان

وبأفيائه الندية أكباد

تلاقت جياشة بالحنان

بهذه الروحانية وهذه الإيمانية جاء توصيفه لأطهر بيوت الله على الأرض وأقدسها نفحات ري يتدفق كالسيل.. ويتدفق كالنسيم العليل وقد أملته خواطره ومشاعره الجياشة.

ومن نبض الإيمان إلى دفق الكفاح وقد نادى المنادي:

قد دأبنا على الكفاح طويلاً

وانتهجنا من السلام سبيلا

وسلكناه والسماحة فينا

تتمنى لشوطنا أن يطولا

يتحدى الآفاق وقع خطانا

وهي تطوي جبالها والسهولا

وانطلقتا ورائد الدرب فينا

ينثر الحب في الطريق دليلا

وعلى وحدة الإخاء التقينا

واعتنقنا مشاعرا وعقولا

لعله كان يرسم صورة لما كنا عليه عبر ماض فات ومات.. اليوم تغيّرت الصورة إلى الأسلم لا إلى الأصلح بتنا في عجز لا يسر الصديق.. ولا يسوء العدو.. الشواهد على ذلك نشهدها في كل الاتجاهات الأربع.

وعن يومنا الوطني الذي نفخر ونعتز به باعتباره يوما وطنيا مجيدا وحّد القلوب .. وأمّن الدروب قال:

فجر يوم به المعالي تشيد

والهوى فيه للمجلي جديد

فجر يوم به الجوانح فاضت

فانتشى بالذي تفيض الصعيد

قد كساها مباهجا فاقت

الوصف فرفت من الأماني بنود

وصباها نجد بالبشاشة أسرى

وبأنفاسه تهادى القصيد

كيف لا يسعف الصفاء القوافي

وهي منه مشاعر. وكبود

ويردف قائلاً في قصيدته العصماء:

تتغنى بمن أشاد. وأعلى

والورى من نشيدها يستعيد

غرس الحب فانتضفنا صفوفا

وحدتها على يديه العهود

كل قلب بالنبض راح يغني

ويعيد الصدى إليه الوجود

الوطن بوحدته وبتوحيده وبالعيون الساهرة على أمنه سيظل ويبقى سابقة تاريخية نعتز بها ونفخر .. ومن نشيده لوطنه يأخذنا سويا إلى معزف ألحانه:

الهوى طاب لي بدنيا الأماني

كيف لا يسكب الفؤاد الأغاني؟

خفقاتي تدف بالغنوة الحلوة

ناغت بها ابتسام الزمان

وتجوب الآماد بالتأمل الراقص

يسري برجعها وجداني

وربيعي صباه عاد كما كان

زكي الأزهار، والأفنان

أبيات أربعة يختزلها هذا البيت .. إنها نسبة إليه بمثابة المقدمات .. هل نقول فتش عن الطيف الجميل؟! وإنه لكذلك ..

ينفث السحر بالحديث المصفى

ويغني بطرفه الوسنان

بداية لقاء عبر الأثير.. ونهايته أمنية لا يحكمها الغياب بعد أن تهبط حافلة الفضاء..

على موج الأثير لنا لقاء

ومن همس الجفون لنا غناء

وكم ناحت لواعجنا وضجت

فيكتبها. ويخرسها الحياء

وكم ضافت بلوعتنا الليالي

ومازلنا يهيم بنا الرجاء

وفي طياتنا نار تلظى

سيُبردها بفرحتنا اللقاء

يبدو أن أمل اللقاء تحول إلى انتظار طويل بلوعة الشقاء .. في فضاء شاعرنا المتيم بحبه وبعده صوت ناي يرجع ألحانه .. وربما تحنانه .. لا أدري!

في شفوف من الضياء المثير

صوت ناي مغرد التعبير

للثريا.. وإن صوت الثريا

يسكب اللحن في مزاهر نور

ناعم اللمس، كالأنامل تلهو

بالأحاسيس لهوها بالحرير

عاطر الرجع كالأزاهر، لكنْ

الشذا منه فاق عطر الزهور

ذا ديدنه أنه يسكب عصارة فؤاده توصيفا وتوظيفا لمفردات حبه، وفي النهاية تبقى له هجيرة الهجر .. ولوعة الحنين ..

حجبتك الأبعاد عني وإني

أتعزى بنورك المنثور

لا عزاء في الحب حين يُرتهن القلب فما يملك الوصول إلى وَرده - بفتح الواو - وإلى وِرده - بكسرها -

يأخذنا شاعرنا إلى بدايات صبوته.. إلى شبابه المشبوب عاطفة وعاصفة:

تعود بي الذكرى لأيام صبوتي

ويقظة إحساسي وتغريد خفقتي

وتضحك آلامي التي في جوانحي

إذا طيفه الحاني ألمَّ بزورة

فأحسب أني في ظلال من الصبا

أهامس في النجوى طيوف أحبتي

كل هذا منتظر .. ماذا بعد الحلم الصبياني .. وبعد أن انتهت السكرة وجاءت الفكرة؟!

تساورني الأحلام وردية الرؤى

وبالفتنة اليقظى تحار بنظرتي

أهيم وأنسى أنني في متاهة

تغني لأحلامي لتطرب غفلتي

فبعثرت أيامي على طول مدها

وتقفوالأوهام آثار خطوتي

تواكبني الآلام إما تناوحت

تروح بآمالي. وتجثت عزمتي

ليته قال: وتجتث فرحتي إنها الأنسب

شاعرنا زمخشري لا يشبع ولا يروى من أدبيات وجدانه، يفطر عليها.. ويتغدى منها.. ويتعشى على مائدتها ويبقى الكثير.. فما ان نخلص سويا من رسالة غرام حتى نقع في شراك خطاب هيام.. المحزن ان النهاية البائسة غالباً ما تكون منتظرة.. ومع هذا لا خيار من قراءة بثه.. واستشراف ذكرياته:

ذكرياتي على الصدى من أنيني

أشعلت في الدماء نار شجوني

ورؤاها التي طويت بأمسي

نشرتها الآلام بين جفوني

خلت اني أسلمتها للتناسي

مذ توارت وراء سود الدجون

فإذا بي أسوح بين طيوف

عن شمالي تراقصت ويميني

يرجع الطرف خاسرا اذ رآها

وهو يقفو دقات قلبي الحزين

سامري لم يعد يجنح الليالي

غير أشباح وحشة تحتويني

انها مطاردة عشق لا يتوقف غبارها .. ولا يجف اوارها .. هذا ما اختاره شاعرنا لنفسه فليتحمل أليس القائل في حديثه عن ليالي الهوى»

طفت بالعمر في صميم الحياة

وتوالت عبر الدجى سبحاتي

وزرعت المنى فأجدب زرعي

وحصادي ما كان غير فتات

أركب الصعب في الطريق وأمشي

نحو قصدي مكبل الخطوات

وعلى خاطري هواجس قامت

عثرات أرددها بالثبات

وبصدري لواعج تترامى

بحريق يشل من عزماتي

وظنوني تكاد تزهق روحي

ويقيني رمى بها للشتات

كل هذا الاعتراف .. وكل هذا الاقتراب من لوعة الهجران والفشل ما برح يمتشق رمحه أملاً في اصطياد ظبي مسالم .. ولكن ..!

تكاثرت الظباء على خراش

فما يدري خراش ما يصيد

وجدتها كما قال ارخميدس.. فمن وراء البعيد طيف انست اليد عيون شاعرنا واستقرت على جوديها دون غرق:

ما افترقنا روحين رغم التنائي

فمن الحب عروة الميثاق

كيف لا أعبر الطريق اليها

فوق جسر مشيد بالوفاق

كم شربنا سلاف صحو هوانا

وائتلاف القلوب اكرمُ ساقي

وابتسام الآمال في المعبر الضا

حي يراعي برحبه خفاقي

وسماء الوداد يغمر بالأفراح

آمادَ ليل الفراق

الشطر الأول ناقص .. يمكن استكماله على النحو التالي «آماد حب عمر باقي»

يبدو أن بوابة الحظ فتحت لدخوله إلى دهاليزها.. هذا ما استشعره وقد بدأت زغاريد الفرح تتوالى ..

ها هو الربيع العائد بعد طول غياب:

أهلّ الصبح وضاح الجبين

فأغرق في السنى لجج الدجون

وغرَّد صوت فرحتنا فأسرى

صدى الإنشاد بالنغم الحنون

ليُعرب عن صفاء الود فينا

على رغم التجافي والظنون

وفي الأعماق قد جاش التياع

فحرك في الحشا نار الشجون

وابردَ حرَّ لاهبها لقاءِ

له الاحساس غرد بالحنين

جولة ثانية كسبناها سويا مع شاعرنا الراحل وله .. علها تتكاثر كي نربح المزيد من نجاحات حب شرعه على الأقل .. وشهادة فوز ثالثة من قوله هو .. اختتم بها الحلقة الأولى من قراءة ديوان «عبير الذكريات» لشاعرنا الرائع طاهر زمخشري ..

ماذا قالت له؟!

يقول حبك أحلى ما نعمت به

فقد روى بالعطاء السمح وجداني

أغلى أماني أن تبقى لخافقتي

نبضا يُرجِّع بالدقات ألحاني

حتى أذوق الرضا صرفا بنشوتها

أصوغ فن الهوى من ذوب ولهان

فيا شقاء حياتي إن سلوت هوى

هو النعيم لقلبي المدنف العاني

صدّقته فسكبت النفس أغنية

وان معزافها من فيض تحناني

فقد صحوت على ذكرى تطوِّف بي

عبر الدياجي التي ضاقت بأحزاني

لها يصفق قلبي .. والحنين به

يندى بما في الحنايا فوق أجفاني

ونحن جميعاً نصفق إعجاباً لشاعرنا فارس رحلتنا التي هتفت للوطن.. ولصوت الحرية.. وغنت للحب بشدوه وبشجوه.. هكذا يأمل الشاعر.. وهكذا يألم.. وخير الشعر أعذبه لا أكذبه.

- الرياض ص. ب 231185 - الرمز 11321 ـ فاكس 2053338