الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الجزيرة
Monday 22nd March,2004 العدد : 51

الأثنين 1 ,صفر 1425

مطالعات
في عمل روائي جديد:
(الحميدان) يصف (حيطان الريح) سرداً روائياً حالماً
عبدالحفيظ الشمري

يقدم الأديب الروائي الأستاذ إبراهيم الناصر الحميدان روايته الجديدة (حيطان الريح) من خلال جملة من التصورات السردية التي تجمع نثار الرؤى المتماوجة حول العمل الأدبي، حيث يؤكد الأستاذ الحميدان على أهمية صياغة لغة روائية عامة تجتمع فيها عناصر ثلاث هي (الكاتب) و(القارئ) و(الناقد).
فهذه العناصر هي التي تحرك العمل، وتدفعه نحو الذائقة التي تثق بالواقعي، وتحفل بالصادق، وتؤيد العفوي الذي يصوغ من مواقف المجتمع هذه الحكايات؛ تماماً مثلما نرى في هذه الرواية بين أيدينا؛ فحيطان الريح نموذج سردي عفوي، يتقن فيه الكاتب لعبة الحكاية الشيقة.. تلك التي يبتكرها ويؤسسها على احتمالية القارئ العادي الذي ينتظر العمل بوصفه حالة جمالية سهلة التناول؛ صادقة العاطفة.
تفاصيل حكاية (عطر) سرد حالم
تسير رواية (حيطان الريح) لإبراهيم الناصر الحميدان نحو سيرة حكائية تستوقفنا أولى منعطفاتها في ذلك الالتقاء غير المتكافئ بين (عطر) و(جابر) فهي لحظة خاطفة لعشق عاصف بين فتاة يافعة وكهل متعب، لكن في هذه الحكاية خبر غامض، وعنصر مفاجأة يمكن أن ينبثق من تضاعيفها الواردة الوقوع، والممكنة الحدوث.
عاصفة الجمال والبهجة كما يصفها الكاتب تدرك من خلالها أن قضية البطل (جابر) المتمثلة بالمرأة؛ لاسيما حينما ترتبط مع الرجل برابط حالم يعكس حاجة الرجل الصحراوي إليها..
فهو ورغم جلده غير قادر على الانعتاق من ربقة هذا العناء الذي وضع ذاته فيه؛ فهو صاحب تجربة إنسانية طويلة في مجال مكابدة الحياة؛ فكيف به أن يجابه قصة (عطر) ويسير معها في طريق الولع، والشوق والهيام.
يصف (الراوي/ البطل) وبمشاهد حسية حالمة لقاءه الثاني بعطر؛ حيث يصف جابر وفي الصفحتين (24،25) رحلة التأمل، والعناء العاطفي، حيث نراه وقد أغرق في وصف مفاتن (عطر)، وعودة هذا (الكهل) إلى شبابه الذي كان ينبض بالحياة.
تتسيد (عطر) ساحة السرد، وتسيطر على الحكاية وتعصف فعلاً في الأحداث، لتصبح هي الرمز الأوحد في الرواية حتى أن (جابراً) ومن حوله من شخوص وما يحملونه من قصص وأحداث أصبحوا في الظل لأن حكاية الأنثى سيطرت على فضاء (الراوي) فلم يعد يرى سوى طيف الأنثى ممثلاً (بعطر).. بل أننا وإذا ما تتبعنا خيط السرد ندرك أن الأستاذ الحميدان شغل في أمر هذا البطل الذي تهاوى مع أول نظرة من المرأة اليافعة.. تلك التي انتزعت زعامة السرد وحولتها إليها؛ فها هي تسوق الأحداث؛ وتؤلف الحكاية تلو الأخرى كما يحلو لها، لنرى (جابر) وقد انصرف في المقطع (الخامس) من الرواية إلى حراسة هذا الجمال الباهر، فلم يعد أمامه سوى هذه القصة التي أسهب في اقتفاء خطابها، ودوام الحديث عنها، وشغل في رسم معالم العاطفة وما تفرزه من لغة، وما تقدم من حكايات تلو أخرى، حتى أننا رأينا الحب وقد تمكن من كهل.. ما العمل إذن؟!.
كيف ستكون حال حكايته..؟ وما مصير وقار (جابر) وشيخوخته.
أحداث مألوفة ورؤى عامة..
تواصلت نزوات (جابر) العاطفية، وصاغ من حكايته بعداً تأثيرياً يحاول من خلاله أن يبرر للقارئ تعلقه بهذه المرأة التي شلت تفكيره ولم تجعل حتى للسرد فضاء آخر يمكن للقارئ معه أن يتعرف على أرض هذه الفتاة، ولا حتى عالم من حولها، وإن حاول (البطل) مدفوعاً بفكر الكاتب أن (يفلسف) فكرة الحب على نحو ما عرضه في (ص45) حينما اعترف وبضعف أنه كاد أن يفقد عقله مع أول حكاية عاطفية يخوضها. بل نراه وقد برر لنفسه هذا المشروع العفوي والعادي.. حتى أنه أخذ يعرض علينا نحن القراء أن قضيته عادلة ولا علاقة لها بتحولات الفكر ولا الطواف بالكعبة المشرفة على نحو ما عرضه في صفحات عدة من الرواية.
لم تكن هناك أحداث أخرى، ولم تخرج الرؤية عن هذا المنظور الذي اختطه الكاتب لرحلة (جابر) نحو (عطر) حتى طلت العاطفة كل شيء وصاغت من قصص الحب هذه الرؤى المعتادة، فلم يحاول الكاتب أن يوجد معادلاً موضوعياً يجعل من هذه القصة نموذجاً متميزاً يمكن لنا أن نضيفه إلى ما لدينا من قصص مليئة بالأحلام والرومانسيات المتوهجة.
فمن أول فقرة في الرواية إلى آخرها مروراً بفصول ومقاطع لا يمكن لنا أن نجد ملمحاً مغايراً لما عهد في قصص الحب عند العرب، سوى ما ذكره الأستاذ الحميدان من مفارقة بين هذا (الكهل) و(محبوبته) وبين طقوس الحب في بلاد النيل وما سواها من بلاد صحراوية قاحلة؛ حالكة تؤذي الناظر، وتعاقب المحب، بل تسمه بمهماز العار الحارق حينما تداعب قلبه العاطفة.
إذن رواية (حيطان الريح) بيان عاطفي بعد واقعة خطيرة سطعت به المواجهة بين القبح المتمثل في ذلك الماضي للرجل (جابر) وبين البهاء المتمثل في تلك المرأة اليافعة (عطر) وما تحمله من فأل وأمل ووعد بغد قد يكون أكثر إخضراراً من هذا الواقع الذي لم يستطع البطل أن يتخلص منه.
فضاء المكان.. حيز عام..
المتتبع لفعاليات رواية (حيطان الريح) للحميدان يدرك أنها (حكاية) واقعية لذا ستكون عناصرها أكثر واقعية؛ حيث تكشفت للقارئ بساطة الأحداث، وها هي فضاءات المكان التي تأسر البطل داخل عزلته النفسية إذا لم يستطع سوى استدراكات قصيرة حول (النيل) وصحراء (نجد) و(نفط الخليج العربي)، وصمت النساء في مجتمعه الذي لم يعد يوافقه الرأي.. بل نرى هذا المجتمع وقد وجه سهام نقده لخفة (جابر) وتعلقه بالحب على كبر.. حتى أنه اتهم الفتاة (عطر) بأنها دبرت قصة سحر كنا نتمنى لو أنها أصبحت سراً يحاول (أهل جابر) ومحبوه فك مغاليقه بدلاً من هذا المرور العابر على تخاريف مجتمع ما زال يسم العاطفي بالسفه ويصور العاشق بالخبال وعلى هذا المنوال تسير حياة مجتمع (جابر) الذي لا يرحم؛ بل نرى الراوي قد حشد صوراً أخرى لمجتمع لا يقل فظاظة عما يراه حتى أصبحت الحياة مستحيلة، وذلك من خلال ما عرضه الكاتب الحميدان على لسان (عطر) في الجزء الثاني من الرواية حيث صورت هذه المرأة دهشة الرجل الأولى وجنونه وإندفاعه ومن ثم تضحيته واقترانه حتى ظهرت إلى حيز الوجود مصادفات حياتية محتملة أسهمت في إعاقة اللقاء ووضع العراقيل بين الحبيبين اللذين صاغ القدر فيهما مقامات عدة لتكون القصة محملة بحزن؛ وعابقة بحب قد لا يكون مكانه هنا ،أعني عالمنا (الثالثي) الذي يذوي دون أن يعرف معنى الارتواء من العاطفة.. فكم نحن بحاجة إلى مثل هذا الجنون الذي يفتش عن حب، وكم نحن بحاجة إلى رواية مثل (حيطان الريح) لنشعر أن الحب ممكن هنا رغم ما تعترضه من مصاعب وعقبات.
***
إيماءة
حيطان الريح (راوية).
إبراهيم الناصر الحميدان.
مركز الحضارة العربي القاهرة.
الطبعة الأولى 2004م.
تقع الرواية في (216 صفحة) من القطع المتوسط.
صممت الغلاف ورسمت اللوحة: ناهد عبد الفتاح.
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
قضايا
تشكيل
كتب
ذاكرة
مداخلات
الثالثة
منابر
مراجعات
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved