الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 25th September,2006 العدد : 172

الأثنين 3 ,رمضان 1427

ابن قتيبة وآلية النقد الجديد
د. سلطان سعد القحطاني
لقد عرضت بشكل موجز طبعاً للسبب الرئيس لظهور النقد اللغوي، ليكون مدخلاً إلى دراسة فن النقد الأدبي، وسيكون ذلك من خلال دراسة أول ناقد عربي ولج هذا الباب، ابن قتيبة.
جاء ابن قتيبة ليصدع بصوته أمام هذا التيار الجارف من اللغويين والنحاة، ويقول قولة الحق في الشعر، فلم يفرق بين القديم والحديث إلا بميزان الجودة، أي انه يلغي عامل الزمان من قاموسه النقدي ليستعيض عنه بالنقد الفني، وهذه حداثة في ذلك الزمان المضطرب، كما أكدت من قبل. وكانت مقولاته النقدية تزلزل أسماع اللغويين والنحاة، على غير ما ألفوا، ووجد المحدثون وأنصارهم فيه الناقد المنصف، وهو القائل: (ولم أقصد فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختاراً له سبيل من قلد أو استحسن بإحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا المتأخر بعين الاحتقار لتأخره بل نظرت إلى الفريقين وأعطيت كلاً حقه ووفرت عليه حظه) ويعرِّض باللغويين والنحويين قائلاً: (فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه موضع متخيره، ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا انه قيل في زمانه ورأى قائله) ثم يرفع عقيرته قائلاً: (ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن ولا خص به قوماً دون قوم بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده) ويقرر منطق التطور بقوله: (وجعل كل قديم منهم محدثاً في عصره، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدون محدثين ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد بهم، وكذلك يكون من بعدهم لما بعدنا) وانه ليحدد مذهبه في نقد النقد، بقوله الصريح: (فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له وأثنينا عليه به، ولم يضعه عندنا تأخر قائله ولا حداثة سنه، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه وتقدمه به) وبهذا الحماس الفياض، وذلك المنطق القوي يصحح ابن قتيبة الأوضاع ويضبط الموازين، فقد انتصر كالجاحظ للمجيدين، قدماء كانوا أو محدثين واقتفى أثرهما المبرد والصولي والقاضي الجرجاني، بل إن صاحب الوساطة مبالغة منه في الانتصار لواحد من المحدثين جرح الأقدمين بذكر كثير من أخطائهم كي يثبت ان الخطأ واللحن وفتور الخاطر أمور عامة في جنس البشر لا يكاد يعرى منها شاعر.
ونحن في هذه الدراسة نعالج موضوعاً لم يعط في الدراسات النقدية العربية إلا القليل من الاهتمام، بالرغم من أهميته، فإذا كان النقاد القدماء قد اهتموا بهذا الجانب وقوموا ما فيه من أخطاء، وأضافوا إليه بعض النواقص ليكتمل، فإن البعض من نقادنا المعاصرين قد أعطوا البعض من الدراسات النقدية القديمة مزيداً من الاهتمام والملاحظات، وابن قتيبة بالرغم من الإعجاب الشديد بثورته على ذلك النمط اللغوي والنحوي لم يسلم من النقد، ووجدوا في فكره بعض الانحراف عن مبدئه في إنصافه المحدثين من التقليديين، وإذا عجبنا لتوفيق ابن قتيبة في هذا الفهم برغم ما كان سائداً وقتئذ من سيطرة النقد المنحاز إلى القديم، فإن عجبنا للأسف ينقضي ويتحول شعورنا من إعجاب به إلى إنكار عليه إذ يصاب تفكيره النقدي بنكسة، فهو بعد أن يتحدث عن الوحدات الرئيسية في القصيدة العربية يتخذ منها مقياساً نقدياً تقليدياً فيقول: (فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدل بين هذه الأقسام ولم يطل ويمل السامعين ولم يقطع بالنفس ظمأ إلى المزيد) ويرى بعض النقاد أنه استبدل القوانين التي تحدى بها النقاد من اللغويين والنحويين الشعراء بنظرية لا تقل عنهم تشدداً. ويعلق الدكتور عبده عبد العزيز قلقيلة على هذا التنظير بقوله: (وليته وقف عند هذا الحد بل تعداه إلى الحجر على الشعراء المحدثين، هؤلاء الذين سمح لإنتاجهم منذ قليل أن يوضع في إحدى كفتي الميزان مع الشعر القديم، فنجده يقول: (وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين فيقف على منزل عامر ويبكي عند مشيد البنيان لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذبة الجواري لأن المتقدمين وردوا على الأواجز الطوامي أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والورد والآس لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنو والعرار) نجد ابن قتيبة قد بالغ مبالغة شديدة في عملية القياس، وقيَّد الشاعر بقيود لا تتفق وطبيعة المبدع، ثم انه ألغى بطريقة أو بأخرى آليته الجديدة، التي حرر الشعر والشاعر فيها من القيود اللغوية، فكيف يلغي هذا الجهد الحداثي الجيد!! وإن كان يؤمن بالقياس في البناء اللغوي، فقد رفض القياس في المفردات. وسنورد بعض ملاحظات النقاد المعاصرين في دراساتهم النقدية، من حيث رؤاهم النقدية حول هذا الموضوع، فقد لاحظ النقاد على انحراف آلية ابن قتيبة النقدية عدداً من الملاحظات:
يرى الدكتور عبده قلقيلة ان موقف ابن قتيبة جامد لم يرض جمهور المتأدبين، وإذا كانت وقفته في بدايتها وصدعه بآرائه في وجه جمهور اللغويين والنحويين قد لاقت قبولاً وترحيباً منهم، فإن الرأي الشاذ منه قد لقي نفوراً وثورة، وأنه ليسجل في كتابه هذا فقاعات من انفعالات الثائرين، إذ يقول: قال قائل لخلف الأحمر، قال لي شيخ من أهل الكوفة، أما عجبت ان الشاعر قال: (أنبت قيصوماً وجثجاجا) فاحتمل له، وقلت: (أنبت آجاصاً وتفاحا) فلم يحتمل لي. ويلجُّ ابن قتيبة في عناده وجموده بهذا التعليق: (وليس له ان يقيس على اشتقاقهم فيطلق ما أطلقوا)، ويقارن الدكتور قلقيلة بين موقف ابن قتيبة الجامد وموقف الشاعر أبي نواس الذكي، الذي يقول: ليس من الصدق أن نبكي على الأطلال ولا أطلال، وينشد:
(صفة الطلول بلاغة القدم
فاجعل صفاتك لابنة الكرم)
ويتساءل الدكتور قلقيلة: ماذا؟ أكان أبو نواس أصدق حكماً وأنفذ بصيرة من ابن قتيبة؟ أجل، وماذا في هذا؟ إنه شاعر دُفع مئات المرات إلى مضائق الشعر فخبره، وغاص إلى أعمق عمق فيه، ولا ينبئك مثل خبير. ونجد الدكتور قلقيلة يأخذ على ابن قتيبة ردته السريعة في إنجاز مشروعه الحيوي، وهو أول مشروع يظهر في نقد النقد بآلية جديدة لم تطرق من قبل، وكان يتمنى عليه لو أنه أكمله برؤية أوسع وأشمل.
أما الدكتور شوقي ضيف، فيرى رأياً عاماً حول نقد النقد في هذه المرحلة المبكرة جدا من النقد العربي، فيرى أن آليات النقد الأدبي في هذه المرحلة كانت علمية لغرض التعليم، حول ما جمعه اللغويون من أشعار الجاهلية والإسلام، وبعض شعر المحدثين، وشاركهم في هذا المشروع بعض الشعراء، مثل أبي تمام والبحتري وابن المعتز الذي وضع كتاب (البديع) ويهتمون بالشعر الغريب، على نحو ما نجد في كتاب ابن السكيت وثعلب. وقد جمع ابن قتيبة بين القدماء والمحدثين في كتابه (الشعر والشعراء) وكانت قد سبقت ذلك كله كتب في تراجمهم للأصمعي وأبي عبيدة ودعبل، وكتاب (طبقات الشعراء) لابن سلام، ونجد الدكتور شوقي ضيف يجد العذر لابن قتيبة في مؤلفه الأول من نوعه في النقد العربي، إنه لم يبتعد كثيراً عن آلية النقاد الدارسين لأحوال اللغة وأدبها، لكنه فتح باباً لم يفتح من قبله.
أما الدكتور، بدوي طبانة فيرى رؤية أشمل من رؤية سابقيه، وإن لم يختلف في المنهج النقدي، حيث يرى أن النقاد يخطئون إذ يتخذون موقف المشرفين والمشرعين، ويتدخلون في عمل الفنانين، بأن يفعلوا كذا ولا يفعلون كذا، ويقيسون جودة الفن على جودة الفن الذي ظهر في هذا العصر أو ذاك من العصور الخالية، أو إلى فن يتنبئون له بمستقبل، والدكتور طبانة يعني فيما يعني النقاد اللغويين والنحويين، ومن يضع القوانين الصارمة في سبيل الفن، فالفن التلقائي أبلغ وأجود من الفن المتكلف، ويقصد من ذلك ما وضعه النقاد القدامى مثل ابن قتيبة، وهو يرى أن زهير متكلف في شعره، ومعه (عبيد الشعر) الذين ينقحون أشعارهم ويهتمون بها، فيفقدونها صفة التلقائية، ويحولونها إلى ما يشبه العلم.
أما الأستاذ طه إبراهيم، فله رأي في النقد العربي في بدايات التدوين، فهو يرى ان العرب أصحاب نقد وإن لم يدونوه، ويقول: (خذ ما قاله ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء، وما كتبه القاضي الجرجاني في كتاب الوساطة، فستجد أن العرب عرفوا النقد الأدبي معرفة دقيقة وإن لم يدونوه علماً). ومن مقالة الأستاذ طه إبراهيم نستنتج أن العرب عرفوا النقد بالسليقة، لكنه نقد انطباعي يمثل عصور ما قبل النقد الأدبي العلمي، ويتفق النقاد على أطر عامة للنقد والناقد على حد سواء، منها: البيئة، والحاسة الفنية (الذوق) والممارسة، وتحقيق النصوص.. وقد تنبه إليها الناقد ابن طباطبا في كتابه (عيار الشعر) فيما بعد، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر، والقاضي الجرجاني.. وغيرهم. وبعد ان عرضنا آراء بعض النقاد في منهج ابن قتيبة والآلية التي اتبعها في نقده الأدبي، وثورته التي صحح بها المفاهيم النقدية في زمانه، والتراجع الذي قلل من قيمة رؤيته الفنية للأدب، نجد النقاد قد اختلفوا وهذه حالة طبيعية في رؤيته، وسبب تراجعه عن مبدئه، وكان بودي لو أن مساحة البحث تسمح بالمزيد من الآراء التي طرحت حول رؤيته الفنية النقدية، ولكن سنحاول في بقية الدراسة أن نتناول بعض النقاد ممن لم نذكرهم في الصفحات الماضية.
وقد لفت نظر بعض الدارسين للتراث النقدي، أن تراجع ابن قتيبة كان مبرراً وهو معذور في ذلك، ممن درس زمانه دراسة موضوعية، فقد أكدوا أنه كان يعاني من مشكلتين لا واحدة. مشكلة دينية، وأخرى اجتماعية، أما الدينية، فهو من أهل السنة، وهم أصحاب طريقة النقل، والصراع قائم بينهم وبين علماء الكلام، الذين يؤثرون العقل على النقل. أما الاجتماعية، أو ما يسمى (العرقية) فإن العرقية قد اشتعلت واشتد أوارها، بحكم تولي الفرس على مقاليد الإدارة العباسية، ونفي كل فضيلة للعرب، وهذا هو السبب الرئيسي في ظهور آراء ابن طباطبا، وابن المعتز، ومن قبلهما الجاحظ، خاصة في كتابه (البيان والتبيين) وقد أكد كل منهم على ما للعرب من فضل لا يفوقه فضل الآخرين، ليس من الناحية العاطفية، بل من الناحية الموضوعية.


Dr_sultan1@hotmail.com

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
كتب
مسرح
ذاكرة
مداخلات
الثالثة
مراجعات
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved