الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 25th September,2006 العدد : 172

الأثنين 3 ,رمضان 1427

استراحة داخل صومعة الفكر
سعد البواردي*
ابن بطوطة رحالة قطع الأرض طولاً وعرضاً يستكشف.. ويوظف مشاهداته تذكيراً بها.. وذكرى لها.. لأنها أقرب السبل وأنجعها لنقل صور غائبة عن أذهان الكثيرين ممن لا يقدرون على الترحال والتجوال في أرض الله الواسعة.
كثرة هم أولئك الذين جابوا.. وغامروا.. ورصدوا لنا إضافات لا نعرفها عن شعوب.. وعادات.. ومظاهر جغرافية وديماجروفية لعالم لا نملك المعرفة عن تقاليده.. وحركة حياته.. وشاعرنا اختار رحالة بطلاً لديوانه.. ماذا يعني؟!
بداية عرَّج العباسي في رحلته:
يا ابن بطوطة مثلك شدتنا الحان الغربة
أخذتنا أخذا. ساقتنا وخزا
حملتنا نحو مسارك فأضعنا درب العودة
ابن بطوطة عاد بعد اغتراب.. أين ابن بطوطة لماذا ضاع..؟
غابت عن أعيننا الشمس بغابات الليل الحالك
ضعنا. بل ضُعنا. لكنا لم نتسول
لم نسأل أحداً أن يؤدينا..
إنه ضياع لا خوف فيه.. ولا خشية منه.. إنه مجرد استشعار بضياع آخرين يخاف عليهم صرعة المجهول في عالم مجهول.. العباسي عبر درب رحلته فمن الشام إلى الفسطاط في قاهرة المعز.. مروراً بالصين. والهند. وأرض الواق الواق.. عبر بعضها ارتجالاً.. وبعضها خيالاً.. ومع هذا آثر الصمت المطبق.. وكتم الأنفاس ولزم ركناً في باب زوياة انتظاراً لفرج قادم.. الصور التعبيرية لشاعرنا رقراقة وهو يشهد المشاهد من حوله صامدة.. وصامتة.. وأخرى متداعية..
أعوام مرت لا ندري كيف قضيناها!
وبأي دروب الله مشيناها!
يسأل ابن بطوطة أسباب نزوحه من مراكش.. وأشياء أخرى لم يُسمها.. ورحل..
القدس سلام.. وحنين..
زار الصخرة.. صلى الجمعة.. تذكر أبا الخطاب الذي أقفل الأبواب في وجه أعداء التاريخ.. تذكر وهو يسترجع المشهد ابن بطوطة.
قيل.. بأنك لم تأتِ إليهم قط
وقيل بأنك سافرتَ إلى بغداد..
تبحث عن رفقة درب لدروب الأهوال
أما فارس رحلتنا فقد شد حزام بطنه.. لا أدري جوعاً.. أم تهيؤاً لسفر؛ طوَّف في مدينة القدس.. تجول في شوارعها وأزقتها الضيقة.. قابل الإنسان الضائع فيها.. استرجع صورة صلاح الدين المحرر.. وخالد بن الوليد الفاتح.
قلت له قصة آلاف الأعوام (وهومر)
وكذلك ما كان لأهل (السومر)
كانت بين المقدس تاريخا، وأساطيرا
لكن التاريخ مجهول
وكأن التاريخ إذا صار مجهولا. يصبح مجهولا
هذا بعض ما حكاه.. وذكر به.. (أبا نواس) وإيوان كسرى بدار سليمان.. بعدها رحل.. لكن إلى أين؟!
بخيال شعره الخصب طوف الفضاء العريض.. وبسرعة مذهلة أخذه بساطه السحري إلى بلاد الواق الواق.. وقد ضاق ذرعاً ببغداد،
ومن يمكث في بغداد تصرعه الأحقاد..
هكذا جاءت رؤيته صائبة.. المشهد الحزين نفسه الذي تعيشه عاصمة الخلافة العباسية على يد تتار العصر الجدُد..
قيل لنا إنك تبحث عن مركب هذ.. وشراع تواق
قيل لنا إنك أصبحت من العشاق
فلتعبر بحر الصحراء إذاً.. ولتضرب في الآفاق..
وهكذا فعل ابن بطوطتنا.. امتطى شراع خياله الخصب.. عبر المسافات.. ولأن مركبته لا تحمل عَلَماً تُعرف به احتار أين يرسو؟!
يا أشرعة لا تحمل علماً.. أين سترسو؟!
طاف بخياله الرحالة العظيم (ابن ماجد) وهو يمخر بسفينته بحر الأوجاع.. ويضرب في اليم شمالاً فتخاصمه الريح وتأخذه إلى حيث لا يقصد:
يا ابن الماجد نصرخ:
هل تحملنا؟! هل نعبر بسفينتنا الأصقاع؟
والريح تهب شمالاً
وابن الماجد لا يدري من منا قد ضاع!
وتأخذه الحيرة كل مأخذ.. يستمر في تساؤله الحائر المرير:
حططت بباب المعراق!
لكن حين طرقت الأبواب تمنع من لهم خلف الأبواب طويلاً
واصلت الطرق.. وصبري أن طلب يكون جميلاً
يا بحر الظلمات.. وها تتخطبك الأمواج
فمن شد عليك رياح الإعصار بديلاً؟
من قدمَّ وجدا للتاريخ هزيلا؟
من جعل من العشق حديثا مقتولا؟!
لا أحد غير الإنسان حين يتمكن نسيان العقل.. وسبات الغفوة.. عبدالله بن سعيد الأعرج في ظلام أيامه.. أخذه التيه فعاد قعيداً:
لكني يا ابن بطوطة ممن حطوا في منزله
فإذا بالمنزل عيد يتلو عيدا..
قلت لعبدالله رويدك. هل أمكث ان شئت بعيدا؟
عبدالله إلى.. فمكثت بأرض الواق الواق سنينا..
شاهد خلال بقائه ذبول الزهر.. وموت التاريخ، وقتل الأجنة في بطون الأمهات.. والحقد الذي يبتلع بقايا البقايا من الحب.. رحل العباسي إلى مراكش.. اختار له نزلاً في أحد دروب الحمراء الضيقة.. على أمل أن يطوف من حوله ابن بطوطة كرفيق سفر في رحلة تاريخ يخاطبه:
أسألك: أكانت مراكش تهواك؟
آخذك لنذهب نحو جبال الأطلس
ونقص القصة عن أرض الصين
أحلى الأيام.. وأكثرها حزنا من (بكين)
ينتظر من أستاذه الإجابة.. من أين عبر الدرب؟ وكيف اختصر مساحة السفر وهي طويلة طويلة..؟
يا ابن بطوطة هذي مراكش تسألنا عنك
تقول لنا: (ابني رحال)
مراكش تسألنا عنك..
أزقتها.. وحواريها.. والليل الممطر فيها
يا ابن بطوطة ألجمتُ لساني..
ودلفت إلى ساع السحرة والدجالين
إنسان العصر حزين..
إذ يذهب ابن بطوطتنا.. وحيث يشهد لا شيء يفتح لديه شهية الرؤية.. الأشياء متغيرة، ومحيرة. ومنفرة..
مراكش.. سيدتي البضة قد شاخت
لكن ولدت بنتاً تدعى (الدار البيضاء)
لا تعرفها أنت..
حططت بها أسألها عن معنى الأهواء
اسألها كيف استقبلت الغازين
بصدر مفتوح.. وبدون رداء..!
المدينة المبهورة بأضوائها.. وضوضائها.. صفعته قائلة:
لا تعرف أدب الإصغاء!
وغنَّت له أغنية (بوشاح) من أرض الأندلس الخضراء.. واستكملت حديثها:
قتل جنودك في الأندلس العشق
ويا ويل العشاق الشعراء!
لم يبق لنا مما تركوا إلا الشعر
وتاريخاً تحكيه قصور (الحمراء)
يأخذ خط السير إلى باريس.. مدينة النور.. والثقافة.. والحرية الطاغية:
يا ابن بطوطة هأنذا أهبط باريس
بسيف مكسور، وبقلب موجوع خال
خيمت بقوس النصر بدون نزال وبدون قتال
تماماً كما هي حال الغزاة فتح شوارعها واحداً تلو الآخر.. وارتاد مقاهيها مقهى مقهى يبحث عن رجل محتال يأخذه من دون سؤال كبحار في سفينة قرصنته.. أو عضواً في فرقة أحد الدجالين.. لأن الأبواب موصدة لا تقبل المهزومين.. المأزوين في إراداتهم.. أخيراً وجد الحل:
في باريس تلقفني بعدئذ طالب علم ضائع
قال: أكون دليلك.. لكني جائع
وأنا زادي بعض بقايا حكمة أعوام الصبر
ويقطن في جيبي خرق واسع
أضحك أم أبكي.. قلت لنفسي: أضحك
(فالضائع.. قد وجد الضائع)
دعني أبارك لك هذا الضياع.. وهذه الموهبة الشعرية الرائعة التي أخذت مني كل مأخذ.. إنها فلسفة ريادية أحسبها من أجمل ما قرأت..
سرداً.. وصياغة.. وفكرة.. وعمقاً.. يا ابن بطوطتنا الحكيم:
تابع رحالتنا سيره.. شد رحاله.. عبر نهر السند.. جبال الثلج.. وغابات الأحراش.. الهند كانت مقصده.. ووجهته بالذات مدينة كلكتا.. بلاد الموتى.. والحمى الصفراء.. ولكنه آثر أن يستريح في طيبة الطيبة استعداداً لمغامرة كبرى تتطلب منه الجهد.. والإجهاد..
يثرب صلوات تاريخ نابض
هذا (أحد) يتكلم، ويناجي (بدرا)
قصي يا بدر علينا القصة مرات أخرى
فأنا متجه نحو المسند.. وأرض الهند، وعبر بحار كبرى
مركبنا هذي بشراعين، وخيشوم أخضر
ربان سفينتنا رجل قدته الأيام من الصخر الأغبر
(الليلة الغبرا تبان من عشاها)؛ مثل ينطبق على رحلة العباسي.. لن أستعجل الحكم.. سأتركه يتحدث بنفسه عن نفسه:
يا ابن بطوطة في اليوم الثالث بعد العشرة
والريح وقد صارت صرصر.. صرخ الصارخ:
(فلنشاهد يا ركاب) أمواج البحر ذئاب
والتاريخ كتاب.. شدوا وجه سفينتنا شرقا
شدد وجه سفينتنا غربا..
السفينة الثانية على مهب الرياح العاتية تحبس أنفاسها ربان السفينة يطرق كل باب يطلب منا أن نستغفر.. أن نتوب.. ونتوب إلى الله. الريح انحسرت.. تكسرت أمواجها.. بحر الظلمات بدت آفاقه تطل بروحها.. البرق يخطف الأبصار.. الرعد يصم الآذان.. الريح تئن كما لو أنها موجوعة. السفينة مفزوعة.. بعض ملامح للموقف الرهيب زاده رهبة وخشية..
يا ابن بطوطة ربان سفينتنا ضربته الحمى في وجع الليل
غدا يهذي.. هذا ويل يخزي..
الركاب الوجلون يتدارسون أمرهم ويتحاورون:
من منكم قرأ كتاب الطب لابن سناء القمر؟!
ابن بطوطتنا العباسي عرَّف بنفسه.. هو الذي قرأ الكتاب.. وهو الذي سيعمل الأسباب لعلاج ربانه المصاب.. شفي الربان وأرست السفينة مراسيها على شاطئ كلكتا الهندية...
يا ابن بطوطة قيل لنا: إنك في هذه الأرض حكمت
أرسيت قواعد أمتنا عدن.. وفصلت
كلكتا.. تعرف من أنت!
وتأخذنا الرسائل في تواصل جميل لسرد مشاهد الرحلة وشواهدها.. من مقطوعته عن الصحبة يقول:
أرأيت إن كنت صديقاً لصديق فإذا بصديقك قد خانك؟
ألبسك لباس التهمة؟ أسلمك لسجن الغربة فإذا أنت وحيد؟
ما تعنيه شاعرنا ليس بالصديق.. إنه يرتدي من الصداقة قميص عثمان.. حري بمثله ألا يعد في عداد الأصدقاء، ومن العبث إلى الحد هذه المرة..
سهم أخضر في عينين نجلاوين اخترق سويداء القلب
فبت صريعاً للحب.. قتيلاً.. حملوني أبعد من قيس
ورموني في أعماق الدنيا مخبولا..
يا ابن بطوطة ما كنت أظن أن الإنسان يصير هزيلاً..!
من قال هذا يا عزيزي.. ظنك في غير مكانه.. الإنسان يصير هزيلاً.. وعليلاً.. ونحيلاً.. وأصيلاً.. وجميلاً.. كلها مواصفات نحن نختارها لأنفسنا طباعاً.. تستهوينا.. فتهدينا تارة.. وتغوينا أخرى.. نحن نرصدها بعيني الرضى أو السخط.. نجمِّل منها ما نريد ونعلل منا ما نريد وفق عاطفتنا المتأرجحة بين ما تهوى.. وما لا تهوى
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
هكذا قال الشاعر وهو يزن في حكمة معيار نظرة بعضنا إلى بعض في مصداقية.. ووضوح.. أعود إلى نقطة بعد..
عدت إليها أخذتني بالأحضان
بكينا ما شئنا، فالفرقة نار
عيناها الزرقاوان.. الشفتان الناطقتان.. هواها الأزهار
أخذتني عبر دروب الماضي أرسم دارا فيها
إلى أين أخذته؟ وإلى أين وصل به القرار؟
سيدتي قد شق لك الأمس مزار
فخذيني في أهدابك طيفاً وردياً تطربه الأشعار
ماذا يبقى من عمر هدته الأسفار
شديني شدا.. فبصدرك يكمن لحن
يعجبني.. يعجبها الأوتار..
لا أدري هل استجابت؟ هي الخاسر إن لم تعشق صوت تاريخ أطربنا.. وعذبنا بعذابات سفره، وعذوبة شعره..
في حلقة ثانية سوف أتناول ما جاء في رحلة شاعرنا الشيقة.


* الرياض ص.ب 231185 الرمز 11321 فاكس 2053338


الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
كتب
مسرح
ذاكرة
مداخلات
الثالثة
مراجعات
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved