الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 27th June,2005 العدد : 112

الأثنين 20 ,جمادى الاولى 1426

أسمى التكريم... كلمة (22)
عبد السلام العجيلي

منذ بضع سنوات صدر لي في بيروت كتاب جديد. قال لي صديقي ناشر الكتاب يومئذ إنه يود بهذه المناسبة أن يقيم لي حفلة تكريم تعقبها دعوة إلى عشاء يحضره أصحابنا الخلص. شكرته وقلت له: إني أقبل الدعوة إلى العشاء بكل سرور، أما حفلة التكريم فلا.. أرجوك أن تعفيني منها. قال لي: إنها تظاهرة يتوق إليها الكثيرون ممن حالهم حالك، فلماذا ترفضها؟. أجبته بأنها عادتي في الاعتذار عن عدم قبول حفلة يتبارى المتكلمون فيها بالثناء عليّ وتعداد محاسن خصالي وإطراء سمو أعمالي. أنفر من أن أسمع مديحي في وجهي. ومن دأبي عندما ألقي محاضرة أو يطلب مني الكلام في جمع أن أقول لمن يتولى تقديمي للمستمعين: أرجوك... لا تقتلني! وأنا أتأسى في هذا بما قاله عمر الفاروق رضي الله عنه في ذات مرة. ففي أحد مجالسه أخذ رجل يمدح رجلا آخر من حضور المجلس ويفرط عليه في الثناء، فقال سيدنا عمر للمادح: حسبك يا هذا... فقد قتلت الرجل!
وألح عليّ صديقي في قبول اقتراحه. قلت له: عن التكريم، سأروي لك نموذجين منه ظفرت بهما في مناسبتين مختلفتين، وأرضياني كل الرضا. وجدتهما يعدلان أكبر حفلة مما تريد أنت وأمثالك أن تتحفوني بها.
قال وهو يتضاحك: تفضل وأخبرني، أيها الزاهد بطيبات الحاضرة طمعا، ربما، بطيبات الآخرة!
قلت: سأخبرك. طرق الباب عليّ في ذات مرة أول الليل. كان الطارق قريبا لي يعمل على سيارة أجرة بين بلدتنا وأخرى على الحدود التركية في الشمال. كان يحمل في يده كيس ورق كبيراً رفعه أمام عيني وهو يقول: جئتك بهدية! كان في الكيس عنقود عنب كبير مفرد. سألته: أية هدية هذه؟ وفي هذا الوقت؟ قال: صحيح إنه عنقود عنب، ولكن له حكاية. عرّجت بسيارتي وأنا في الطريق على بيت منفرد في البادية أطلب ماء لأشرب. كان أمام البيت شجيرات برز لي من بينها رجل سقاني ما طلبت من الماء وسألني عما إذا كنت ذاهبا إلى الرقة. أجبته بالإيجاب. ذكر لي اسمك وسألني عما إذا كنت أعرفك. أجبته بالإيجاب أيضا. قال، وهو يعنيك: هو لا يعرفني وأنا أعرفه، له عليّ دين، أنا بدوي وأصبحت اليوم فلاحا. أنت تعرف الفرق ما بين بدوي وفلاح. صرت فلاحا وزرعت شجرات كرمة. هذا أول عنقود من كرمي. أول عنقود، أمانة تعطيها له، وتقول له إنه أول عنقود من كرمي أنا البدوي الذي صار فلاحا. وأخذت أنا العنقود!
كيف تراه هذا التكريم؟
تضاحك صديقي مرة أخرى وقال: تكريم جيد وهدية تستحق القبول. لها قيمتها ما دامت من بدوي أصبح فلاحا، وهذا أول نتاج حياته الجديدة. لا بد أنك أحسنت معالجته في ذات مرة، ولعلك أعفيته من أجر المعالجة كعادتك مع من يقول إنه لا يملكه. نموذجك الثاني ما هو؟
قلت: هو نموذج لا يعود التكريم فيه إلى الطب ومهارتي فيه أو إلى حسن تعاملي مع مرضاي فيه، كان ذلك في صيف عام 1996 وفي مطار مدينة فرانكفورت في ألمانيا. صعدت إلى الطيارة التي ستقلني إلى دمشق بعد أن قضيت عدة أيام في فرانكفورت ضيف شرف على مؤتمر الأطباء العرب في أوروبا في ذلك العام. صعد معي ركاب عرب قادمون من بلاد مختلفة، ومن كندا والولايات المتحدة بصورة خاصة. استأذنتني مسافرة عربية في أن يجلس ابنها الصبي على المقعد المجاور للنافذة إلى جانبي، قلت لها: إن المقعد ليس لي، وربما أتى شاغله قبل أن تحلق الطائرة. قالت: سأعطيه مقعد ابني إذا جاء. وجاء الشاغل في هذه الأثناء. كانت امرأة عربية كذلك، نصفا في عمرها، نضرة المحيا، وفي وجهها عبوس، ترتدي ثوبا ناصع البياض. وكان تحت إبطها الأيمن مخدة صغيرة تنبئ بأنها تشكو من شيء في كتفها أو عضدها. استأذنتها أم الصبي بما استأذنتني به فوافقت بهزة من رأسها دون أن تتفوه بكلمة. انثنت لتدخل إلى حيث المقعد الذي ستحتله فوقعت المخدة الصغيرة من تحت إبطها وارتمت أرضا. انحنيت أنا فتناولت المخدة ومددت يدي بها إليها. ولهذه الحركة رأيتها ترفع رأسها وتحدق بنظرتها إليّ، ونطقت بجملة واحدة. يبدو أنها أثبتتني معرفة حين دخلت الطائرة دون أن أنتبه. وكانت جملتها هي هذه:
السفر معك شرف!
فوجئت أنا بهذه الكلمة من تلك السيدة الشديدة التحفظ وسألتها:
هل تعرفينني يا سيدتي؟
قالت وبجد لا تخالطه رقة في لهجتها: أنت فلان.
سألتها. ومن أنت يا سيدتي؟
سكتت قليلا ثم قالت وهي تستدير لتحتل مقعدها:
أنا... أنا فلسطينية!
لم أسمع منها بعد هذا كلمة طوال سفرنا حتى وصولنا إلى دمشق. لم تكلمني ولا كلمت غيري. تصور شعوري حين يكون كل ما نطقت به هو اعتبارها السفر معي شرفا، وأنها فلسطينية.. كأنها تعني أن الشرف جاءها من السفر معي لكونها فلسطينية! ما الذي فعلته أنا لفلسطين وللفلسطينيين لأستحق هذا التكريم من رفيقة سفري العبوس، الصارمة الملامح، حين لخصت بكلماتها المعدودات على أصابع اليد الواحدة عشرات الصفحات من الكلام البديع التنميق الذي تريدون مني أن أقبل بسماعه ممن هم ليسوا فلسطينيين؟
قلت هذا لصديقي الناشر الذي لم يجد ردا عليّ إلا أن هز رأسه وقال:
التكريمان في النموذجين رائعان. ولكن لا تطمع مني أن أقتنع بكل أفكارك الأفلاطونية. تريد عشاء من دون حفلة تكريم؟ لك ذلك... اتفقنا!


الثقافية.. جاء عنوان غلاف العدد المتضمن ملف الدكتور العجيلي وهو «البدري» اشتقاقاً من كلمتي «البدوي الحضري»

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
حوار
تشكيل
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved