الاقتصادية المعقب الالكتروني نادي السيارات الرياضية كتاب واقلام الجزيرة
Tuesday 7th February,2006 العدد : 159

الثلاثاء 8 ,محرم 1427

بين الإفراط والتفريط!
يبوح المرء أحياناً وعلى غير عادته بما لديه من أسرار إلى أقرب الناس إليه، ملغياً بذلك مبدأ السرية أو التحفظ التي تسود عادة العلاقات بين الناس..
يريد في هذا أن يتعرف على وجهة نظر من يتحدث إليه، أو أن يستمع إلى رأي سديد منه، أو مشورة ربما تفيده، أو مشاركة وتبادل في الرأي حول قضية أو موضوع بهدف الاستئناس بالرأي الآخر.
***
المرء معذور أحياناً إن هو أحاط خصوصياته بشيء من الاحتفاظ بها لنفسه..
ومن الطبيعي عدم إفشاء المرء لأسراره في بعض الأحيان، أو تعريف الناس بها، أو نقلها إلى الآخرين دونما سبب يبرر لذلك.
***
لكن بعض الناس يموت على كنز كبير من الأسرار..
يخلف وراءه ألغازاً كثيرة، وأسراراً مهمة، وتساؤلات لا نهاية لها..
وخفايا لا يعلمها أحد بما في ذلك أقرب الناس إليه..
مع أن بعضها من المفيد أن يكون أهله وأصدقاؤه ومن هو قريب منه على علم بها، كل وما يخصه وبما يكون مفيداً أن يعلم به من هذه الأسرار.
***
الغالب الأعم، أن المرء يموت ولا يضمّن وصيته بكل ما لديه..
ولا يُعثر فيها بعد وفاته على ما يجيب على كثير من الأسئلة..
فتضيع بذلك حقوق، وتختفي مطالب، وتغيب معلومات مهمة..
ولهذا السبب كثيراً ما تدب الخلافات بين أقرب الناس من الورثة وذوي الصلة القريبة بمن فارق الحياة.
***
ما عنيته في إشارتي لهذا الموضوع، وفي إشاراتي إلى بعض ما يسود المجتمعات حول هذا الشأن..
أن كتم الأسرار ليس كله شراً، مثلما أنه ليس كله خيراً..
لهذا لابد من المواءمة، وتدبر الأمر، وأخذ النصيحة، والبحث عن المشورة المفيدة، وهذه لا تتحقق إلا بأن يفتح المرء في حياته صندوق أسراره أمام من يثق بسداد رأيه، وأمام من تتوافر فيه الأمانة والصدق والإخلاص.
***
صحيح أنه ليس كل ما لدى المرء يمكن أن يقال، وأنه ليس من المناسب أن يمكّن الغير من أن يتعرف دائماً عليه..
وصحيح أن أموراً تتطلب المصلحة الشخصية للإنسان عدم اطلاع غير صاحبها عليها، أو الإفصاح عنها في غير توقيتها المناسب..
لكن هناك أشياء ربما كان من المفيد إشراك الغير بالحديث عنها، والبوح ببعض التفاصيل عن أمور منها..
وهنا يمكن القول بأنه لابد أن يتدبر المرء شؤونه، ويفكر بما ينبغي أن يقوله لمن هو لصيق به ممن هو موضع ثقته وقناعته بسداد رأيه.
***
إن إبقاء المرء على أسراره محتفظاً بها في ذاكرته، بما في ذلك أسراره الثقافية والتاريخية، إنما يبقي بذلك على مشاكل وتساؤلات كثيرة تورث عنه لغيره لو أنه مات قبل أن يتحدث بها لمن يعنيه أمرها أو يهمه موضوعها..
ولهذا كان على الإنسان أن يوثق ما يراه ضرورياً قبل أن يداهمه الموت على حين غرة، إذ إن الموت يزورنا دون استئذان أو أخذ موافقة من أي منا..
والظاهرة التي أتحدث عنها لها استثناءات ولا شك، ومن يستثنون ممن لا يصنفون ضمن هؤلاء المفرطين في توثيق ما لديهم هم أولئك الذين يبوحون بأسرارهم لفئة من الناس، أو يوثقونها كتابة ويودعونها خزائنهم ليجدها من يعنيه أمرها بعد وفاة صاحبها واضحة ومفصلة وتجيب عن أي سؤال. وليت كل منا يتصرف كما تصرف مثل هؤلاء.
فوز حماس يضع كل أطراف عملية السلام أمام خيارات صعبة
زلزال اسمه الانتخابات الفلسطينية

* إعداد - أشرف البربري
ربما لم يكن هناك وصف لفوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الكاسح في الانتخابات الفلسطينية أفضل من (الزلزال) وهو الوصف الذي تواتر كثيرا خاصة في وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية.
وبعيدا عن حالة (الصدمة والرعب) التي اجتاحت الدوائر السياسية في إسرائيل ومعها الدوائر الأمريكية والأوروبية فإن الحقيقة المؤكدة هي أن أشياء كثيرة قد تغيرت منذ الآن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي انتقل لواؤها من حركة فتح التي تصدت لهذه القضية منذ أكثر من أربعين عاما إلى حركة حماس التي تأسست في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين.
وفي ضوء هذه الحقيقة لم يكن مستغربا أن تتصدى أغلب وسائل الإعلام الغربية بالتحليل لهذا التطور الكبير في المشهد السياسي الفلسطيني وتداعياته على مختلف أطراف الأزمة.
وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية افتتاحية عن أخطاء الإدارة الأمريكية في معالجة القضية الفلسطينية مما أدى إلى فوز حركة حماس لتصبح اللاعب الرئيسي على الساحة السياسية الفلسطينية.
وقالت واشنطن بوست: إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش هي الخاسر الأكبر من نتيجة الانتخابات الفلسطينية الأخيرة عندما رد الفلسطينيون على المواقف الأمريكية على مدى السنوات الماضية بالتصويت لصالح القوة السياسية التي ترفضها واشنطن.
والحقيقة أن إدارة الرئيس الأمريكي سعت وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية وبالتحديد منذ اختيار محمود عباس رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية في أواخر سنوات الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى تكثيف جهودها من أجل دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ورغم ذلك ارتكبت الإدارة الأمريكية ثلاثة أخطاء قاتلة مهدت الطريق لفوز حماس الكاسح في الانتخابات.
الخطأ الأول تمثل في الرهان الكبير على قدرة الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس على المضي قدما في طريق السلام حيث قدمت له مساعدات اقتصادية سخية ولكنها لم تهرع لنجدته عندما طلب منها المساعدة عندما تعلق الأمر بتعاملاته مع الإسرائيليين.
أما الخطأ الثاني فهو أن الإدارة الأمريكية كانت تتجاوب بشدة مع كل ما تطلبه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون في الوقت الذي لم تلق أي أذان صاغية للتقارير التي كانت تتحدث عن حالة الغليان والرفض المتزايد للسياسة الأمريكية على الجانب الفلسطيني.
فقد ساندت إدارة الرئيس بوش الخطط الإسرائيلية للانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد لكنها لم تحاول التصدي للأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية التي تكثفت في الضفة الغربية. كما أنها لم تضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل الإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين أو تتخذ أي إجراءات ملموسة لتخفيف حالة السخط والاستياء لدى الفلسطينيين.
وأخيرا جاء الخطأ الثالث عندما اتجهت الإدارة الأمريكية أواخر العام الماضي إلى تغيير موقفها لتسمح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية دون نزع سلاحها رغم أن واشنطن لم تسمح بذلك لأي فصيل مسلح في أفغانستان مثلا.
إسرائيل والخيارات الصعبة
أما صحيفة كليفلاند جويش نيوز الأمريكية المعبرة عن آراء وتوجهات الجالية اليهودية في مدينة كليفلاند الأمريكية فقد نشرت تحليلا بقلم ليزلي سوسير جاء تحت عنوان (إيهود أولمرت يواجه خيارات سياسية صعبة).
في هذا المقال تقول ليزلي سوسير جات: إن نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة ستضع القائم بأعمال رئيس الوزراء في إسرائيل إيهود اولمرت أمام خيارات صعبة خلال الفترة المقبلة وبخاصة بعد الانتخابات الإسرائيلية في الثامن والعشرين من مارس المقبل حيث تتزايد فرص فوز الرجل في الانتخابات ليشغل رسميا منصب رئيس الوزراء.
والمعروف أن أولمرت تولى مهام رئيس الوزراء في أعقاب سقوط رئيس الوزراء آرييل شارون صريع المرض ودخوله في غيبوبة أخرجته من المسرح السياسي تماما.
ويرى المحللون أن الأسابيع التي تفصل بين نتائج الانتخابات الفلسطينية والانتخابات الإسرائيلية يمكن أن تشكل فرصة جيدة لأولمرت الذي ظل لسنوات طويلة يلعب دور الرجل الثاني الذي يعلن القرارات ويروج لها أكثر مما يتخذها أو يصنعها.
فأولمرت غير مطالب الآن باتخاذ قرارات أو مواقف واضحة من التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية خاصة وأنه يرأس حكومة تسيير أعمال في إسرائيل انتظارا للانتخابات العامة المبكرة في مارس المقبل.
وإذا كانت نتائج الانتخابات الفلسطينية تمثل أحد الاختبارات الصعبة التي تواجه القائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي فإن البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية وبخاصة في مدينة الخليل المحتلة التي يعيش فيها عدد محدود جدا من المستوطنين المتطرفين الشبان الذين يتحدون القانون والسلطة الإسرائيلية نفسها ويشتبكون مع جنود الشرطة والجيش الإسرائيلي بسبب اعتداءات المستوطنين المستمرة على سكان المدينة الفلسطينيين.
والحقيقة أن أولمرت الذي يستعد لخوض الانتخابات الإسرائيلية طمعا في البقاء كرئيس للوزراء سوف يضطر إلى التعامل مع ملفات شديدة السخونة في ظل المتغيرات الأخيرة على الساحة الفلسطينية وفي مقدمتها إمكانية الاقدام على انسحاب جديد من الضفة الغربية المحتلة على غرار ما فعله شارون في قطاع غزة العام الماضي. إذا كان الانسحاب من قطاع غزة قد تم بصعوبة فإن الأمر يزداد صعوبة عندما يتعلق الانسحاب بالضفة الغربية حيث يوجد فيها أكثر من 200 ألف مستوطن.
في الوقت نفسه فإن وجود حركة حماس التي مازالت إسرائيل تنظر إليها كمنظمة إرهابية في الحكم سوف يزيد تعقيد الأمور. فإسرائيل لا تستطيع الانسحاب من الضفة الغربية من جانب واحد ودون التنسيق مع الجانب الفلسطيني كما فعلت في القطاع. ولكن الحكومة الإسرائيلية التي رفضت تنسيق الانسحاب من غزة مع السلطة الفلسطينية التي كان يرأسها محمود عباس وحركة فتح التي تعترف بدولة إسرائيل ستجد نفسها عاجزة عن التنسيق مع سلطة فلسطينية تسيطر عليها حركة حماس للانسحاب من الضفة الغربية. والحقيقة أنه تكفي نظرة سريعة على بيان لعدد قليل من قادة المستوطنين الإسرائيليين لكي تفهم أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة قد أوجد حالة من الاستنفار في صفوف المستوطنين في الضفة الغربية بحيث لن يكون من السهل على أولمرت الحديث عن انسحاب جديد في الضفة.
ومن المنتظر أن تكون حماس ونتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة على رأس جدول أعمال إيهود أولمرت في واشنطن التي يستعد لزيارتها قريبا.
فالقائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى تنسيق المواقف مع إدارة الرئيس بوش من أجل التعامل مع الواقع الفلسطيني الجديد.
أما القرار الثالث الصعب الذي ينتظر أولمرت فيتعلق بمصير عملية السلام مع الفلسطينيين حيث يصر الفلسطينيون ومعهم المجتمع الدولي على الالتزام بخطة السلام المعروفة باسم خريطة الطريق باعتبارها الآلية الوحيدة المقبولة حاليا لتحقيق السلام.
في الوقت نفسه فإن سيطرة حماس على الحكومة الفلسطينية تجعل من إجراء محادثات مع الجانب الفلسطيني مسألة مستحيلة وفقا للمعطيات الحالية.
وربما لا يجد أولمرت الشجاعة الكافية لكي يتخذ مثل تلك القرارات الصعبة التي كان يمكن لشارون اتخاذها والدخول في مفاوضات سلام مع السلطة الفلسطينية الجديدة باعتبارها اختيار الشعب الفلسطيني حتى لا يفتح على نفسه أبواب الجحيم من جانب اليمين الإسرائيلي.
في انتظار برنامج حماس المقبل
وبعيدا عن دوائر صنع القرار في إسرائيل تناولت صحيفة لوس أنجلوس تايمز فوز حماس من زاوية (الانتقال من المعارضة إلى مقاعد السلطة).
وذكرت الصحيفة أنه بعيدا عن المواقف العصبية للعواصم الغربية بعد فوز حماس فإن الحركة الفلسطينية تجد نفسها مطالبة بالإجابة على العديد من التساؤلات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية حتى تتضح ملامح المرحلة المقبلة. ويرى البعض أن مستقبل العملية السلمية يتوقف على البرنامج السياسي لحكومة حماس المقبلة.
ومما يعطي الأمل في وجود ضوء في نهاية النفق أن إسرائيل سارعت وأعلنت عن موافقة مشروطة على التفاوض مع السلطة الفلسطينية الجديدة حيث قال مارك ريخف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية (إن إسرائيل على استعداد للجلوس على مائدة التفاوض مجددا بشرط تخلي حماس عن الإرهاب وتأكيد الالتزام بخارطة الطريق).
كما أشار المتحدث إلى أن إسرائيل بانتظار أن تعلن حماس برنامجها في المرحلة المقبلة, لكنه قال إن تل أبيب تحترم الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني الذي صوت ضد الفساد على حد تعبيره.
وقبل أن تجف هذه الكلمات اتجهت إسرائيل إلى سياساتها الثابتة في (العقاب الجماعي) للفلسطينيين حيث أعلن أولمرت تجميد الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية لدى إسرائيل بذريعة الخوف من وصولها إلى من وصفهم بعناصر (إرهابية)، فيما يبدو أنها أول خطوة عملية ضد حركة حماس.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة إنه يجب أن يكون ذلك واضحا أننا لن نحول أموالا يمكن أن تمول اعتداءات إرهابية. تشير هذه التصريحات إلى ما يتراوح بين 35 و54 مليون دولار أمريكي حصيلة إيرادات جمركية وضريبية تحصلها إسرائيل شهريا لصالح السلطة الفلسطينية وكان مقررا تحويلها إلى السلطة الأسبوع الماضي. والواقع يقول إن نتيجة الانتخابات الفلسطينية والمفاجأة التي حملتها كانت ضربة مؤلمة لكل أجهزة المخابرات والمعلومات الإسرائيلية التي يقال إن فشلها في توقع نتيجة الانتخابات أقرب إلى فشلها في معرفة موعد حرب أكتوبر 1973م.
وما يؤكد هذه الحقيقة حجم الاضطراب في المواقف الإسرائيلية تجاه هذه التطورات. ففي حين قال أولمرت إن إسرائيل لن تجري اتصالات مع حكومة تضم عناصر تؤيد (تدمير إسرائيل)، عاد واشترط للتفاوض مع الحكومة المقبلة التي ستشكلها حماس، تخلي الحركة عمّا سماه بالإرهاب واعترافها بحق إسرائيل في الوجود، واحترامها للاتفاقات والتفاهمات المبرمة سابقاً مع السلطة ومجلس وزرائِها السابق.
تسونامي يعيد رسم
الخريطة السياسية
وعادت واشنطن بوست لتنشر مقالا للكاتب إي.جي ديوني تحت عنوان (معركتا انتخابات ودرس واحد) قال فيه إن الأسبوع الماضي شهد إجراء الانتخابات في مكانين مختلفين. وكان القاسم المشترك في هذه الانتخابات أن الناخبين اطاحوا بالقوة السياسية الحاكمة وفتحوا الطريق أمام المعارضة لتصل للحكم.
وإذا كانت الانتخابات الأولى قد مرت مرور الكرام على الصعيد الدولي ولم يتوقف عندها الكثيرون فإن الانتخابات الثانية جاءت بمثابة تسونامي الذي أعاد رسم ملامح الخريطة السياسية في منطقة بأكملها.
أما الانتخابات الأولى التي تناولها الكاتب الأمريكي فكانت الانتخابات العامة في كندا حيث تمكن ستيفن هاربر من إعادة توحيد صفوف حزب المحافظين الكندي لكي يعود به إلى السلطة منهيا أكثر من عشر سنوات من حكم الحزب الليبرالي.
وكان المحافظون قد عانوا على مدى السنوات الماضية من الانقسامات الشديدة الأمر الذي أتاح الفرصة أمام الليبراليين لكي يحتفظوا بالسلطة على مدى أكثر من عقد من الزمان. ولما تولى هاربر الحكم استطاع توحيد المحافظين وتقديم برنامج سياسي معتدل لمعسكر اليمين في كندا فكان الفوز للمعارضة.
الموقف الرمادي للرئيس بوش
أما الانتخابات الفلسطينية فقد جاءت لتقلب كل الموازين بعد أن صوت الناخبون ضد السلطة والقوة السياسية الحاكمة بصورة لم يكن أكثر الناس تشاؤما في صفوف الحكام الفلسطينيين يتوقعونها. وجاءت النتيجة بفوز حركة حماس التي تتبنى أعمال (العنف) وتطالب بإزالة إسرائيل من الوجود.
ورغم أن الرئيس الأمريكي جورج بوش يردد باستمرار أنه شخص واضح ولا يفضل اللون الرمادي في أي شيء فإنه لم يجد سوى (الموقف الرمادي) في تعليقه على الزلزال السياسي الذي أسفرت عنه الانتخابات الفلسطينية. فالرئيس بوش أشاد من ناحيتة بالانتخابات الديموقراطية النزيهة التي جرت في مناطق السلطة الفلسطينيين وقال إن هذه الانتخابات تتيح للناخبين الفرصة لكي يرسلوا (لنا الرسائل التي تجعلنا نعرف أنهم غير راضين عن الأمر الواقع). ولكنه سرعان ما تحول إلى إعلان رفضه التعامل مع حركة حماس التي اختارها الناخبون الفلسطينيون في انتخابات حرة ونزيهة.
وقال بوش إنه لن يتعامل مع حركة حماس إذا لم تغير نفسها جذريا وبخاصة فيما يتعلق بموقفها من إسرائيل (والإرهاب). وأضاف (أعلم أنك لن تكون شريكا في السلام إذا لم تتخلى عن جناحك العسكري) ورغم أن هذا الأمر يبدو مقبولا بالنسبة للرئيس الأمريكي فإنه يثير التساؤلات بشأن الموقف من الفصائل السياسية العراقية المرتبطة بتنظيمات مسلحة تشن حربا شعواء ضد القوات الأمريكية والقوات العراقية الموالية لها في العراق.
ومن الانتخابات الكندية إلى الانتخابات الفلسطينية من الممكن أن نخرج بدرس خطأ يمكن أن يدفع الإدارة الأمريكية إلى التخلي عن دعم الديموقراطية والحرية إذا ما تصورت أن هذه الانتخابات جاءت بنتائج لا تتوافق مع المصالح الامريكية. وربما تجد أنك مضطر للاختلاف مع قرارات الإدارة الأمريكية التي تقوم على أساس أنه من الأهداف المهمة للسياسة الخارجية الأمريكية زيادة عدد الدول التي تعيش في ظل الديموقراطية. ولكن منذ الغزو الأمريكي للعراق قدم المتحدثون باسم الإدارة الأمريكية ومؤيدوها صورة مثالية ورؤية غير متحفظة لمدى قدرة القوة الأمريكية على تغيير العالم وبسرعة.
وقد رددت الإدارة الأمريكية على مدى السنوات الماضية أن السلام في فلسطين يمر عبر بغداد بمعنى أن الإطاحة بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وتغيير نظام حكمه سوف تفتح الطريق أمام ثورة ديموقراطية في العالم العربي وأن الديموقراطية سوف تفتح الباب أمام السلام الدائم.
ولكن ما لم يدركه الرئيس بوش ومستشاروه أن العالم ليس مكانا بسيطا كما يتخيلون وأن الواقع على الأرض أشد تعقيدا مما هو عليه في عقول وأذهان صقور الإدارة الأمريكية. وقد شاهدنا الانتخابات الفلسطينية تفتح الطريق أمام ألد خصوم واشنطن وتل أبيب للوصول إلى الحكم.
انتصار حماس الكاسح
لم يكن متوقعا
وفي الحالة الفلسطينية فإن انتصار حماس لم يكن متوقعا على نطاق واسع ولكن قوة حماس وشعبيتها كانت واضحة قبل الانتخابات. وأي تحليل عميق للمشهد الفلسطيني سوف يؤكد حقيقة الاحباط لدى غالبية الفلسطينيين تجاه سياسة الطبقة الحاكمة في فلسطين. والكل يدرك أن حماس استطاعت إقامة شبكة من مؤسسات المجتمع المدني التي تقدم العون والمساعدة للمحتاجين من الفلسطينيين فأنشأت المستشفيات والمدارس وقدم المساعدات المادية مما أوجد لها شعبية كبيرة في الشارع الفلسطيني.
ورغم ذلك فإن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى أن حماس لن تفوز بالأغلبية ولكنها ستفوز بعدد كبير من المقاعد ربما يتيح لها المشاركة في الحكومة الفلسطينية.
غير أن النتيجة الفعلية جاءت لتقول إن حماس حصلت على أغلبية المقاعد بما يمكنها من تشكيل حكومة بمفردها دون الحاجة إلى الدخول في حكومة ائتلافية مع حركة فتح التي ظلت تسيطر على المشهد الفلسطيني على مدى نحو ستين عاما.
وإذا كان الرئيس بوش قد اعترف بأن الانتخابات الديموقراطية تتيح للولايات المتحدة معرفة حالة عدم رضا الشعوب عن الأمر الواقع فلماذا لا تتحرك هذه الإدارة لتغيير الأمر الواقع الذي عبر الفلسطينيون عن رفضه في الانتخابات الأخيرة؟
ويترك الكاتب هذا السؤال الأخير دون إجابة انتظارا لمواقف مختلف الأطراف الفاعلة في القضية الفلسطينية لنعرف ما إذا كانت ستتحرك لتغيير هذا الواقع أم ستتركه يتفاعل بعيدا عن السيطرة لتزداد النتائج سوءا.
المواقف الغربية..
نفاق سياسي واضح
وتناولت صحيفة الجارديان البريطانية الانتخابات الفلسطينية من منظور مختلف بعض الشيء عندما اختارت خبر استشهاد طفلة فلسطينية لم يتجاوز عمرها السنوات التسع برصاص الجنود الإسرائيليين في قطاع غزة لكي تؤكد أن المواقف الغربية الراهنة ضد حركة حماس وفوزها تنطوي على نفاق سياسي ظاهر. وتحت عنوان (إطلاق الرصاص على طفلة فلسطينية يفضح النفاق الدولي) قال كريس ماكجريل في تقريره من مدينة خان يونس بقطاع غزة إنه في الوقت الذي كان العالم مشغولا بمتابعة عمليات فرز أصوات الناخبين في الانتخابات الفلسطينية الأسبوع الماضي والتي انتهت بفوز حركة حماس فوزا كاسحا كانت الطفلة الفلسطينية أية الأسطل تقف أمام منزلها وتنظر بدهشة إلى هذا الجدار العازل الذي أقامه الإسرائيليون بين قطاع غزة وإسرائيل. وعندما كان والدا الطفلة أية يتابعان نتائج الانتخابات التي جرت وفق قواعد الديموقراطية التي يتباهي بها الغرب على العالم العربي سمعا صوت الرصاص قريبا من منزلهما فخرجا ليكتشفا وفاة أية برصاص الجنود الإسرائيليين.
ولم يعرف الوالدان على وجه الدقة ما حدث لهذه الطفلة البريئة غير أن الجيش الإسرائيلي زعم أنها كانت تقترب من الجدار الحدودي بين غزة وإسرائيل (بطريقة مريبة) دفعت الجنود الإسرائيليين إلى إطلاق النار عليها لتسقط شهيدة بعدة رصاصات.
ولم تكن أية الضحية الوحيدة لرصاص الإسرائيليين خلال الأسبوع الماضي. فقد قتل الإسرائيليون الطفل مناضل أبو عاليا الذي يبلغ من العمر 13 عاما عندما كان يلهو مع أصدقائه بالقرب من أحد الطرق المخصصة للمستوطنين في الضفة الغربية.
وللأسف الشديد فإن الاهتمام الدولي بالدراما السياسية التي أفرزتها الانتخابات الفلسطينية قد دفعت بهذين الحادثين إلى خلفية الأحداث فلم يتوقف عندهما أحد. ولكنهما ألقيا بظلالهما على الشعب الفلسطيني الذي يشعر بالغضب تجاه مطالبة الزعماء الغربيين لحركة حماس بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن الكفاح المسلح. ويرى بعض الفلسطينيين أن مثل هذه المطالب والشروط المسبقة من جانب قادة الدول الغربية تنطوي على رفض لنتائج الانتخابات الديموقراطية وانحيازا إلى جانب إسرائيل في حين يراها آخرون أنها نفاق سياسي واضح.
ويقول الفلسطينيون إن الإسرائيليين قتلوا خلال الأسبوع الماضي من الفلسطينيين وكلهم أطفال ضعف من قتلتهم حماس من الإسرائيليين على مدى العام الماضي كله.
ففي حين قتل الجنود الإسرائيليون طفلين فلسطينيين الأسبوع الماضي فإن حماس لم تقتل على مدى العام الماضي كله سوى إسرائيلي واحد وهو ساسون نوريل الذي خطفته عناصر كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس وطالبت إسرائيل بالافراج عن معتقلين فلسطينيين لديها مقابل إطلاق سراحه لكن إسرائيل رفضت وسعت إلى تحريره بالقوة فقتله مسلحو كتائب عز الدين القسام.
وقد عبر محمود الزهار زعيم حركة حماس في قطاع غزة عن هذا الموقف بالقول إن حركته حافظت على الهدوء والتزمت بوقف إطلاق النار ضد إسرائيل طوال العام الماضي في حين أن إسرائيل تواصل قتل الفلسطينيين الأبرياء.
تقول سميرة الأسطل إن الأمريكيين يجدون دائما العذر لإسرائيل فيما تفعله. فإسرائيل هي الطفل المدلل لأمريكيين ولا يضغطون عليها أبدا. فهم يقتلون أطفالنا ولا أحد يقول لهم شيئا أما إذا رد الفلسطينيون على ذلك يسارع الأمريكيون باتهامهم بالإرهاب.
ليس هذا فحسب بل إنه في الوقت الذي قتلت فيه إسرائيل مئات الفلسطينيين خلال العام الماضي رغم التزام الفلسطينيين بوقف إطلاق النار من جانبهم لم تخرج كلمة واحدة من الدول الغربية تطالب إسرائيل بوقف عمليات القتل في الوقت الذي تنبح فيه العواصم الغربية ضد حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات وتقدم لها قائمة بالمطالب والشروط المسبقة.
منهجية وثوابت حركة حماس
وقبل أن نختم تحليل نتائج الانتخابات الفلسطينية وصعود حركة حماس المفاجئ إلى قمة السلطة في الأراضي المحتلة نلقي بعض الضوء على تلك الحركة التي أسسها الشيخ الشهيد أحمد ياسين مع بعض العناصر الفلسطينية التي كانت تنتمي إلى تيار الإخوان المسلمين العاملين في الساحة الفلسطينية مثل الزعيم الراحل حركة المقاومة الإسلامية المعروفة اختصارا باسم (حماس) أسسها الشيخ أحمد ياسين مع بعض عناصر الإخوان المسلمين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور محمود الزهار وغيرهما.
تم الإعلان عن قيام الحركة عام 1987 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي عرفت باسم انتفاضة الحجارة.
وتنطلق الحركة من الإيمان بحق الفلسطينيين في كامل أراضي فلسطين من نهر الأردن إلى البحر المتوسط على أن يعيش فيها اليهود كمواطنين فلسطينيين وهو ما يعني رفض الاعتراف بإسرائيل. ورغم ذلك لا تمانع في القبول مؤقتا وعلى سبيل الهدنة بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة واستمرار وجود إسرائيل في الأراضي المحتلة عام 1948. وتعتبر حماس صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي (صراع وجود وليس صراع حدود). وتنظر إلى إسرائيل على أنها جزء من مشروع (استعماري غربي صهيوني) يهدف إلى تهجير الفلسطينيين من ديارهم وتمزيق وحدة العالم العربي. وتعتقد بأن الجهاد بأنواعه وأشكاله المختلفة هو السبيل لتحرير التراب الفلسطيني، وكانت تردد باستمرار بأن مفاوضات السلام مع الإسرائيليين هي مضيعة للوقت ووسيلة للتفريط في الحقوق. كما ترفض حماس المسيرة السلمية التي سار فيها العرب بعد مؤتمر مدريد عام 1991، وتعتبر اتفاق أوسلو (عام 1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ومن قبله خطابات الاعتراف المتبادل ثم تغيير ميثاق المنظمة وحذف الجمل والعبارات الداعية إلى القضاء على دولة إسرائيل تفريطا واعترافا لإسرائيل بحقها في الوجود داخل فلسطين لذا وجبت مقاومته.
وضعت الولايات المتحدة الأميركية حماس على قائمتها للإرهاب معتبرة المقاومة الوطنية التي تقوم بها داخل فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي عملا إرهابياً. ومن ثم أعطت بهذه القائمة الضوء الأخضر لرئيس الحكومة الإسرائيلي أرييل شارون للتخلص منها بوسائله الخاصة التي منها الاغتيال والتصفية الجسدية المباشرة لقادتها وكوادرها فقتلت إسرائيل خلال العامين الماضيين الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة ثم خليفته عبد العزيز الرنتيسي وغيرهما من كبار قادتها.

..... الرجوع .....

الطب البديل
الفن السابع
الفن العربي
عالم الاسرة
أنت وطفلك
الملف السياسي
استراحة
حياتنا الفطرية
منتدى الهاتف
متابعة
مجتمعات
روابط اجتماعية
آفاق
شاشات عالمية
تميز بلا حدود
سوق الانترنت
الحديقة الخلفية
الصفحة الرئيسة

ارشيف الاعداد الاسبوعية

ابحث في هذا العدد

للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2002, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved