:عن طاش ما طاش وحلقة شويمطة
يبقى صميم المجتمع خارج إطار النقد
طالعت ما كتبه الأخ الكريم عبد الكريم الفائز في العدد 11/ رمضان 1418ه من هذه الجريدة حول مسلسل طاش ما طاش ولأن الملاحظات قيمة ومفيدة وتستحق النظر فقد رأيت ان أعلق عليها تعليقاً سريعاً خصوصاً فيما يتعلق بحلقة شويمطة التي عرض مساء الأربعاء 9/9/1418ه، وقدر لي ان أكتبها, وسيأتي تعليقي في اطار السياق الذي طرحه الأخ الكريم,
رغم تنوع الآراء والافكار التي طرحها الاخ الكريم الا ان النقطة المركزية في مقالته حسب وجهة نظري ترتكز في مفهوم الغرض والدور الذي يلعبه الفن في حياة الناس, فقد قال بالنص تابعت الحلقة من ألفها الى يائها، ومع اعترافي انها ممتعة لكنني لم اتبين الهدف الاسمى الذي تسعى لتحقيقه وهذه النقطة التي يطرحها القارىء الكريم ستبقى دائماً موضع خلاف بين الناس، ولولا هذا الخلاف لفقد الفن قيمته ومغزاه، فلكل كاتب دوافعه ومنطلقاته في الكتابة, لذا فإن قول الأخ الكريم ان حلقة شويمطة تفتقر للهدف، اي تفتقر للتوجيه او الرسالة، وفي نفس الوقت ممتعة فهذا القول سرني تماماً لانه حقق بالضبط مفهومي للفن والقصة تحديداً, فعندما اكتب قصة او أقرأ قصة فان محرضي في هذا الامر هو المتعة, فليس لدي رسالة ايدلوجية او تربوية او سياسية أبعث بها للناس, ولا اظن بان علاقة الكاتب بالناس علاقة تراتبية كما يرى الايديولوجيون والثوريون وانما هي علاقة أفقية، اي ان الكاتب القاص او الشاعر مثله مثل الطبيب والمهندس والمدير والضابط والصحفي,, والتربوي والواعظ, والاخيران هما اللذان تؤهلهما مهنتاهما لتوجيه الناس وارشادهم, فاذا كان الصحفي يقدم المعلومة للناس والضابط يقدم الامن، والطبيب يقدم العلاج,, فان الكاتب الفنان يقدم المتعة، اما اذا جاء في ثنايا نصه نصيحة او معلومة فهي منتج غير مقصود وغير مخطط له,
بعيداً عن احداث هذه المتعة في نفوس الناس فالكاتب هو انسان عادي ليس بالضرورة ان يتمتع بالحكمة، ومن هنا لا اجد اي سبب يدعو المتلقي ان ينتظر الخروج بموعظة او توجيه او نصيحة او حتى معلومة من النص القصصي, والدليل اننا نستمتع في بعض الاحيان بقصص كتبت قبل آلاف السنين كما نستمتع بقصص كتبت في بلدان اخرى لا علاقة لها بثقافتنا او مشاكلنا, ولا اظن ابدا ان نجيب محفوظ كتب ثلاثيته الشهيرة ليقول لنا ان سلوك سي السيد محمود او مرذول,
ان اختيار موضوع القصة تمليه الظروف الموضوعية التي عاشها الكاتب او يعيشها, فالكاتب السعودي ستكون مادته سعودية والكاتب الياباني مادة قصته يابانية فاستخدام الكاتب لظاهرة اجتماعية او علاقات اجتماعية لا يعني هذا انه يؤيد هذه الظاهرة او يعارضها او ينتقدها، وانما هي مادة صماء كالحجر في يد النحات يعيد خلقها وتشكيلها وفقا لرؤياه حتى يقدم عملا على امل ان يمتع القارىء, فنجاح القصة لا تقع مسئوليته على مادة القصة المنتقاة وانما على التكنيك المنجز, كلنا لا بد اننا لاحظنا ان هناك قصصا تروى نستمتع بها من افواه بعض الناس ونراها تافهة عندما يقصها آخرون, فالفرق بين قاص وآخر ليس موضوع القصة وانما التكنيك وقدرة الكاتب نفسه على انجاز هذا التكنيك,كما ان هناك عائقاً مهما في هذا الجانب يكمن في فهم بعض الناس للفن او بعبارة اكثر دقة يعود الى التثقيف الذي تلقاه الناس عن الفن، وهو ان الفن اداة للنقد والتوجيه حتى تحول مفهوم التمثيليات والقصص الى شكل من اشكال الكتابة الصحفية، وبالفعل بدأت الناس تأخذ طاش ما طاش وكأنه زاوية صحفية لكاتب ناجح ينتظرون منه ان يعالج في كل حلقة مشكلة من المشاكل التي تلم بهم, بل وانطلاقا من المبادىء التي سنتها الصحافة فالنقد المعني هنا هو نقد الخدمات التلفزيون، الهاتف، المياه، التعليم بمعنى آخر الخوض فيما هو خارج او على حافة المجتمع، أي الخوض فيما يمكن حله بالفلوس لا بالوعي, فصميم المجتمع والعلاقات الجوانية التي تنتظمه تبقى دائما خارج اطار هذا النقد,مع الأسف هناك ضغط متواصل من الناس ومن الصحافة على الفنانين للمضي قدما في هذا الاتجاه، وأرجو ألا يعزى نجاح طاش ما طاش الى هذه الخدمة الصحفية التي يقدمها للناس, فطاش ما طاش بالاضافة الى المتعة الكبيرة التي يوفرها من خلال ممثلين متميزين يعد بلا تردد ظاهرة فنية كبيرة وتحولا في مفهوم الفن السعودي، فقد اصبح لدينا الآن نموذج فني كخط فاصل بين مرحلة ومرحلة اخرى، وهذا يشبه الى حد كبير الدور الذي لعبه مسلسل درب الزلق الكويتي الشهير,لقد تحدثت مع الاستاذ ناصر القصبي كثيرا حول المدى الذي يمكن ان يذهب فيه طاش ما طاش، فلاحظت ان هناك مخططا جاداً للمضي قدما لاقتحام مناطق مجهولة وممنوعة على ان تكون هذه المحاولات في اطار من الفهم الموضوعي والمرحلي للواقع القائم حتى لا تكون الخسائر اكبر من الارباح, ومن الواضح من خلال النجاحات المستمرة ان فريق طاش ما طاش التزم هذا المنهج البناء وحقق به نجاحاً كبيراً، والأهم من هذا النجاح الجماهيري هو التقدم النوعي في اداء هذا المسلسل اي الارتقاء المستمر سنة بعد اخرى, ولا ابيح سراً عندما اقول: إن الاخوة في طاش ما طاش فكروا كثيرا في ايقافه وقد كنت من المعترضين على خطوة مثل هذه,اما عن الدعم اللامحدود الذي يلقاه هذا المسلسل فمن ملاحظة التطور النوعي سنلاحظ ان الحقوق ومساحات المناورة في الفن تكتسب ولا تعطى, فالروح الفنية والاصرار والحكمة في ادارة الامور هي التي أوصلت هذا المسلسل الى هذا النجاح,
عبد الله بن بخيت


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved