حول ديوان ابن المقرب
محمد ابراهيم أبوسنّة
كثيرا ما تجيء الحظوظ الأدبية جارية على طريقتها في شئون الحياة كلها من عدم الانصاف وشيوع الظلم وعدم التقدير لمن يستحق التقدير وقد عانى كثير من الشعراء وغير الشعراء من المبدعين طوال التاريخ من انحراف اقدارهم وسوء تقدير عصرهم لمواهبهم ولكن الذاكرة الأدبية تظل منطوية على اسرارها حتى تبوح بها في الوقت الملائم
وابن المقرب شاعر من هؤلاء الذين لا تتردداشعارهم كثيرا لدى جامعي المختارات أو دارسي الحقب الأدبية ربما بسبب نقص المصادر حول حياته وقد قام الاستاذ عبدالفتاح محمد الحلو بتحقيق وشرح ديوان ابن المقرب وصدرت طبعته الأولى في عام 1963 وقد جاء الديوان في مجلد ضخم يصل الى سبعمائة صفحة من القطع الكبير ويضم عددا هائلا من القصائد في اغراض متنوعة ولدالأمير جمال الدين علي بن المقرب العيوني سنة 572ه بالاحساء وهو ينتسب الى امراء البحرين من الاسرة العيونية كان كما يقول محقق ديوانه ·عزيز النفس، شديد البأس، صلب القناة، حاد الطبع وهبه الله جنانا ثابتا، وفؤاداً يقظا ونفسا طامحة الى معالي الأمور ومن الطبيعي أن مثل هذه الصفات بالاضافة الىشاعريته الرصينة المتميزة يمكن أن تدفع الحاقدين والحاسدين الى النيل منه فقد خشي أمراء الاسرة العيونية أن يتطلع الى الملك فاضطهده الحكام وصادروا امواله مما دفعه الى التنقل والسفر من بلدالى بلد فخرج الى القطيف ثم الى البصرة والموصل وبغداد ووصل الى ديار بكر ليلحق بالملك الاشرف وقد افادته رحلاته كثيرا من الخبرات وتمرس بالمعرفة الادبية واللغوية مما قربه الى قلوب العلماء والادباء وظل ابن المقرب يضرب في الأرض حتى وافته المنية سنة 630ه في البحرين ذكره ابن الشعار الموصلي في كتابه ·قلائد الجمان في شعراء الزمان وقال عنه انه كان شاعرا مجودا منتجعا كثير المرح، قليل الهجاء، جيد القول متينه، قوي اللفظ رصينه أما مذهبه في الشعر فهو مذهب الشعراء المتقدمين: في جزالة الألفاظ، وابداع المعاني رحل الى الملوك ومدحهم وذكره الحافظ المنذري في كتابه ·التكملة لوفيات النقلة فقال عنه :كان شاعرا مجيدا مليح الشعر وقيل انه من بكر بن وائل ومن الطبيعي أن يلجأ الشاعر في شعره وقد عانى من سوء الحظ ونكد الدنيا الى عزيمته الماضية يعتمد عليها والى الايمان بفكرة القوة والى الاستناد الى الكرامة وربما سوء الظن بالناس ونراه يدور حول هذه المعاني في قصيدته التي قالها في سنة 620ه بالقطيف وكأنه يناجي نفسه وسط : الحيرة التي اعترته والنفي الذي يراه قدرا والنوازل المحدقة به
أما حان للعضب اليماني أن يُرى
بيمناك كالمخراق في كف لاعب
لعلّك خلت الذل حتما أو العلى
حراما وأن الشر ضربة لازب
فقم قام ناعى من يقيم بمنزل
يضام به والأرض شتى المذاهب
ولا عاش من يغضي على الضيم جفنه
وفي قائم الهندي فضل لضارب
ورح واغد في كيد العدو ولا تنم
على ضمد فالعمر كسوة سالب
أتظمى لديك المشرفية والقنا
وفي قلل الباغين وردٌ لشارب
فشمر وأوردها فقد زاد ظمؤها
على العشر أوردها بعزم المؤارب
ولاتوردنها ورد سعد وعلها
اذا نهلت علّ الهجان الحلايب
فإن بها ترقى الدماء كما بها
تراق وفيها عاليات المراتب
ومن لم يرو السيف تظم ومن يهن
يهن ومحاريب العلا للمحارب
ومن لم تخوفه العدى في بلادها
تخفه وعقبى الذل شر العواقب
أرى الناس مذ كانوا عبيداً لغاشم
وخصما لمغلوب وجندا لغالب
والشاعر يبدأ قصيدته بمناجاة نفسه يحدثها لائما لها في شغلها بالأوهام البعيدة والظنون الكاذبة وكأنه وقد رأى الظلم الذي لحق به اراد أن ينتقم لهذاالظلم، فهو يستحث نفسه على التفكير في السيف بدلا من انتظار مالا يجيء وكأنه نظر في هذا الى بيت ابي تمام الشهير
السيف أصدق إنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
ثم هو يحدث نفسه بأن الذل ليس قدرا محتوما عليه وان العزم والارادة انما يقدران على تغيير ما يراه حتماً مقضيا وكذلك الشر ليس هو الآخر قدرا محتوما، فهو يدفع بالمقاومة انه يرى أن مصير الذليل الى الموت المعنوي فالناعي هنا وهو الذي يعلن ·الموت هو شخصية معنوية ولماذا الاقامة على الضيم وفي الأرض متسع للمذاهب ثم هو يدعو بالفناء على من قبل الهوان وما زال يستحث نفسه في عبارات قصيرة عصبها فعل الأمر ·رح ·واغد ·لاتنم ثم يتساءل أو يسأل نفسه كيف تظمأ ولديك الرماح والسيوف ودماء الباغين ورد للشارب ويعود الى فعل الامر مرة أخرى فشمر، وأوردها ثم يكرر اوردها مرة أخرى مقرونة بكلمة ·العزم المؤارب وهويشير هنا الى تكامل الشجاعة مع الحكمة ازاء الملمات فهويقول لمن يخاطبه وصد نفسه التي يجرد منها شخصا آخر لا توردها ورد سعد، مشيرا الى المثل العربي الشهير ·ما هكذا تورد ياسعد الابل لمن يأتي الأمر على غير وجهه الصحيح والعزم المؤارب أي العزم المسلح بالدهاء والذكاء أي عليه وهو يعتزم مواجهة الظالمين أن يأخذ بالنظر الصحيح الى الأمور وهو ما يعني أن هذا الشاعر لم يكن مجرد شاعر بدوي، فهو شاعر أمير قريب من بلاط الملوك وهو يذكرنا بشاعر عباسي أبو الطيب المتنبي حين يقول
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
ولكن الشاعر يصل الى ذروة فهمه للحياة رغم قسوة هذا الفهم حين يقول
أرى الناس مذ كانوا عبيداً لغاشم
وخصما لمغلوب وجنداً لغالب
ثم ينتقل الشاعر الى مرحلة أخرى من القصيدة حين يقول
وما بلغ العلياء الا ابن حرة
قليل افتكارٍ في أمور العواقب
ومن لم يعض الدهر من قبل عضه
بنابيه أضحى مضغة للنوائب
ولاتتوهم ان اكرامك العدى
سخاء وان العز ضيم الاقارب
لعمرك ماعز امرؤ ذل قومه
ولا جاد من أعطى عطية راهب
أي أن الذي يعطي عن خوف ليس كريما
خليلي عن دار الهوان فقوضا
خيامي وزما لارتحال نجائبي
ولا تذكرا عندي لعل ولا عسى
فما بعسى يقضى نجاح لطالب
هذا شاعر يطالب بالفعل الواضح القوي في مواجهة البغي والظلم ومن أجمل شعره هذه الأبيات التي يقول فيها
عذل المسوق يهيج في برحائه
ويثير نار الوجد في حوبائه
فاترك ملامته ودعه وشأنه
في نوحه وحنينه وبكائه
وإن استطعت على الصبابة والأسى
فأعنه تحظ بوده وإخائه
فالخل من أصفى مودة قلبه
لذوي مودته وأهل صفائه
ياعاذل المشتاق مهلا واتئد
في لومه فهو العليم بدائه
ومتى ترد يوما ملامة عاشق
فاجعل فؤادك تحت ظل حشائه
فإن استقر فلم اخاك وإن نبا
فكن النديم الفرد من ندمائه
أو كيف تعذل هائما ذا صبوة
ذهب الفراق بلبه وعزائه
لم يشو رامي البين حبة قلبه
لما رمى عمدا بقوس عدائه
ثم يقول
وأروم كتمان الهوى فيذيعه
طرفي وطرف الصب من اعدائه
ياعاذلي لا عشت الا أخرسا
اعمى اصم ترى بقلب تائه
هذا هو ابن المقرب الشاعر الفارس الذي واجه حياته بالشجاعة والحكمة كان نفيه خيرا عليه اذا خبر الدنيا واتقن القريض وعرف الناس خفق قلبه بالحب وتألق عقله بالفهم فأبدع هذا الشعر الجميل


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved