المشرف على تراث الجزيرة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,
إشارة إلى ما كتبه الزميل الأستاذ/ سليمان بن محمد النقيدان في تراث الجزيرة يوم الجمعة 23/6/1418ه في العدد 9157 حول موضوع القصيدتين اللتين مطلع احداهما:
واعسى السيل دايم ما يروح
ما يفارق جفار الصايغية
ومطلع الثانية:
يا حمام على الغابة ينوح
ساجع بالطرب لا واهنيه
ونسب الأولى إلى غنيمان الغنيمان، ونسب الثانية إلى ابراهيم بن منصور الكنعان، ورأى أنه عزل بين القصيدتين، أو فصل بينهما، ومع إيماني بمقدرة الأستاذ النقيدان على البحث والتقصي، إلا أن لي وجهة نظر حول الموضوع ومع إيماني بطريقة الاقتباس حين يأخذ الشاعر بيتاً أو شطر بيت أو يقتبس معنى فيضعه في قصيدته، وبطريقة التضمين وهي أن يأخذ الشاعر بيتاً أو أكثر ويضمنه قصيدته إلى جانب التشطير والتخميس وغير ذلك من الفنون الشائعة في الشعر العربي قديمه وحديثه، عربيه وعاميه,
إلا أن هذا يحتم على الشاعر عند كتابة القصيدة أن يشير إلى ذلك أو أن يحجز ذلك بين قوسين ليعلم القارىء أن هذا البيت أو الأبيات مقتبسة أو مضمنة للقصيدة وهي لشاعر غيره، وعند ذلك يحتفظ لكل ذي حق بحقه,
ومع اعتبار امكانية توارد الخواطر بين شاعر وآخر لكن ذلك لا يتوقع أن يكون بالنص ذاته سوى تغيير طفيف أو بدون تغيير البتة وإذا أمعنا النظر في مطلع القصيدة الأولى:
واعسى السيل دايم ما يروحي
ما يفارق جفار الصايغية
نجد هذا البيت بكامله بيتا من قصيدة العم الشاعر موسى بن زيد السويداء من أهل مدينة الروضة بمنطقة حائل وهو قوله:
واعسى السيل دايم ما يروحي
ما يفارق جفار الصايعية
والفرق بين البيتين أن الأول بالغين والثاني بالعين، والصايعية تلعة بجبل أجأ مقابل مدينة قفار وسيأتي تبيان ذلك لاحقا,
اما مطلع القصيدة الثانية الذي يقول:
يا حمام على الغابة ينوحي
ساجع بالطرب لا واهنية
فهذا البيت ليس فيه أي تغيير يذكر وهو من القصيدة آنفة الذكر التي سأوردها بعد ذلك فالشاعر موسى بن زيد السويداء عاش ببلدة الروضة في منطقة حائل التي أصبحت الآن المدينة الثانية في المنطقة في الفترة من 1270-1351ه حيث توفي رحمه الله بعد أن تجاوز الثمانين من عمره وقال هذه القصيدة في شبابه وكان يحب فتاة اسمها سلمى تعيش عند أهلها بالروضة وأخوالها في قفار، وسلمى هذه توفيت نحو عام 1369ه رحمها الله بعد أن كبرت وأسنت ولا يزال لها أحفاد ولولا الحرج لاتيت باسمها كاملاً، علم موسى أن سلمى سوف تسافر مع أمها إلى أخوالها في قفار الذين تواجه فلاحتهم ومساكنهم تلك التلعة التي يدعو لها الشاعر بالسقيا وهي مغاليهم ومراتع مواشيهم فقال هذه القصيدة التي طار صيتها وغناها السمار في الروضة وحائل في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن القصيدة إذا كان لها جرس معين وإيقاع مميز وأبيات عذبة يغرم بها الشعراء ويبنون على منوالها وانتشرت في أنحاء متعددة، أما القصيدة الأصلية فهي:
عز يا بارق دلا يلوحي
بالوقم ما طره ديرة رقية
أستخيله وانا بلش بروحي
أستخيله وأنا مابي شكية
واعسى السيل دايم ما يروحي
ما يفارق جفار الصايعية
يا حمام على الغابة ينوحي
ساجع بالطرب لا واهنيه
قلت حيه ولاكنه بيوحي
مر عجل ولا سلم عليه
يا حسن قل لسلمى لا تروحي
لا تغرب ديار الأجنبية
جعل زمل تبي سلمى تروحي
تنكسر في شعيب الحامرية
جيت أبا اشرب ليامسك يفوحي
غاسل فيه مجلي الثنية
روح روحي بغت روحي تروحي
يوم قيل الفضي فيه جدرية
وربما سقط منها بيت أو أبيات لم ينقلها الرواة وعندما ظهرت القصيدة قال الشاعر فرج بن مبارك الغريس من أهل الروضة - حائل بيتاً لقب على أثره الشاعر موسى بالكلمة التي وردت فيه حين قال فرج:
يا وليد العرب واثرك نذوخي
قاعد في طريق العسوجية
تعلق لقب النذوخ بالشاعر موسى إلى أن توفاه الله وقد قال فيه أحد الشعراء:
مريت أنا يا خليف موسى النذوخي
والشايب اللي طايحات ثناياه
والنذخ هو التجمل من الرجل ليلفت أنظار النساء إليه ومن المرأة لتلفت أنظار الرجال إليها يقال نذخ الرجل ينذخ نذخاً فهو نذوخ ونذاخ وهذه الكلمة شائعة في منطقة حائل واستكمالا للموضوع فإنه عنى ب·ديرة رقية قفار ورقية هذه هي رقية التميمية الكريمة المشهورة في ذلك الوقت رحمها الله وقفار التي سمع الشاعر أن المعنية سوف تتوجه إلهيا مع أمها إلى أخوالها هناك والذين يقابل مسكنهم تلعة الصايعية المعروفة حتى يومنا هذا وقد دعا لها الشاعر بالسقيا، وحسن الوارد ذكره في القصيدة هو حسن بن علي الخطيب صديق الشاعر الذي يسند عليه، والحامرية المذكورة التي يطلب أن تتكسر الإبل التي ستنقل سلمى ضمن قافلتها هي مورد يقع على مرحلة واحدة شمال الروضة بنحو 35 كيلا على طريق القوافل القديم بين الروضة وحائل وقفار، هذا المورد كانت تمر به القوافل فيروون إبلهم ودوابهم ويملأون قربهم وقد يستريحون حول الماء يتغدون أو يتعشون وقد أصبح يقرب هذا المورد الآن بلدة الحامرية وسبب حرص الشاعر على عدم ذهاب سلمى لغرض في نفسه إلى جانب سماعه أن قفار قد انتشر فيها مرض الجدري، فتصور أنها ستصاب بهذا المرض، هذا عن القصيدة الشائعة التي قد يكون الشعراء أخذوا من أبياتها وركبوا عليها كما يقال, وقد اعتمد الزميل الأستاذ سليمان النقيدان في عزو القصيدة للشاعر ابراهيم بن منصور الكنعان على ما جاء في كتاب الفنون الشعبية في الجزيرة العربية لمؤلفه محمد بن أحمد الثميري والصادر عام 1392ه ص 61 وبعد اطلاعي على الكتاب عقبت على ذلك في مجلة اليمامة ص 70 في العدد 736 وتاريخ 12/4/1403ه مصححاً النسبة ونشرت كامل القصيدة وقد ورد في الكتاب من القصيدة المشار إليها ثلاثة أبيات هي:
يا حمام على الغابة ينوحي
ساجع بالطرب لا وهنيه
قلت حيه ولا كنه بيوحي
مر عجل ولا سلم عليه
قل عسى السيل دايم ما يروحي
ما يفارق جفار الصايغية
ولا اعتراض لي على جفار الصايغية بالغين لا بالعين غير أن الثميري نفسه عاد وفي نفس الكتاب ص 163 عاد وأورد قصة عبدالله الحبيشي ورؤيته نساء يغتسلن في غدير قريب من نخل الصايغية في سدير وقصة العجوز التي باغتته وهو في ذلك الموقف فقال:
قل عسى السيل دايم ما يروحي
ما يفارق جفار الصايغية
حيث تنصاه خطوات الطموحي
كل عذرا هنوف عسوجية
تنقض الراس لاجت بي تروحي
تنقضه لية من فوق لية
هذه الأبيات الثلاثة التي جعلها الأستاذ سليمان النقيدان للشاعر غنيمان الغنيمان ثم يأتي ببيت من القصيدة آنفة الذكر مع بعض التحريف,
هو:
ريحة الما مثل مسك يفوحي
غاسل فيه وضاح الثنيه
لم اكتف بالتعقيب بمجلة اليمامة وإنما أثبت القصيدة في كتابي ·القهوة العربية وما قيل فيها من الشعر الصادر عام 1410 ص 337 عند ذكر الحامرية في هوامش الكتاب وأثبتها مشروحة وموثقة في كتابي ·درر الشعر الشعبي الذي سيرى النور قريباً في ثلاثة أجزاء يضم شعر 340 شاعراً وشاعرة من مختلف أنحاء الجزيرة العربية والدول المجاورة,
وما دام الزميل الأستاذ سليمان لا يزال كتابه الجزء الثاني من شعراء بريدة لا يزال مخطوطا أحببت أن يكون في الصورة وما إخاله إلا من المنصفين في اعطاء كل ذي حق حقه,
مع أنني لا اعترض على أي شاعر أن يقول ما يشاء على نمط قصيدة معينة وهذا ما يثري الموضوع لكن ألا يمس حقوق الآخرين والجامع للأشعار من أفواه الناس عرضة أن يوقعه الرواة في بعض الخلط غير المقصود وليست هذه القصيدة أول أو آخر قصيدة يقع فيها الخلط والذي يميز قصيدة عن أخرى هي المعامل التي ترد في القصيدة أو الأشخاص أو الكلمات أو لجهة القصيدة أردت إيراد ذلك وايضاحه ,
والله من وراء القصد,
عبدالرحمن بن زيد السويداء