عبقريات العقاد بين المتن والإسناد
صالح بن سعد اللحيدان
من أسس التحليل للعلوم والاخبار وآثار السلف الفهم المستوعب وطول النفس والخلفية الأمينة الجادة دع عنك النية والشعور بالمسؤولية تجاه العلم والادب والتاريخ وما يلزم نحو هذه مع ما تقدم من تمام التجرد وصدق العطاء وحب الخير للغير على اساس حاجة الامة الى هذا كله في مثل هذا الحين
ومؤلف العبقريات مهتم جدا فيما بين يديه وحريص الحرص كله على بذل الوسع لتدوين مايراه تجاه هؤلاء الكرام الاخيار لكن ماكل مجتهد يصيب ويكفي المجتهد بذله ولو اخطأ دون تعمد لذلك الخطأ،
الا ان المشكلة ولا ريب تكمن في قصور الفهم او فقدان المثل الاعلى او الفراغ العقلي او حب الظهور ولو على حساب الاسلام، خذ مثلا الفصل بين الدين والدولة - ودفاعية الجهاد - والعولمة وغائية الحياة الخ
هنا تكمن المشكلة في الخطابات الاستشراقية ومن دار معهم ولو زعم التجديد، تمهل اعد القراءة تعمق فيما يطرح من نقد وتحليل وكيل الاعجاب للمذاهب المادية والايدلوجيات المختلفة الذاتية الصنع ثم انظر وأعد النظر لا تجد سوى اثارة وخلط وتمزق ومحاولة لقول شيء ما ويذهب العمر وسنة الله هي هي والكون هو هو ويموت هذا وذاك والشياطين تلعب بكل فارغ مجنون معجب بنفسه لا يحتجب عنها بذكر ووضوح رؤية ولجوء الى الله ليهتدي أفرأيت من اتخذ إلهه هواه فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون
لكن هذا كله يسير والمرء يتخبط في لجة هو فيها سادر وامامه الخلاص كل الخلاص الفاتحة/ وهود
يقول المصنف في عبقرية الصديق ص96
: ·قلنا في عبقرية عمر: ان الدولة الاسلامية تأسست في خلافة ابي بكر رضي الله عنه لانه وطد العقيدة وسير البحوث فشرع السنة الصالحة، في توطيد العقيدة بين العرب بما صنعه في حرب الردة، وشرع السنة الصالحة في تأمين الدولة من اعدائها بتسيير البعوث وفتح الفتوح فكان له السبق على خلفاء الاسلام في هذين العملين الجليلين
ثم هو يستدرك فيقول: ·إلا أننا نسمي عمر مؤسساً للدولة الاسلامية بمعنى آخر غير معنى السبق في اعمال الخلافة
وهذا الفصل في جملته كبير في معناه سليم المأخذ وفيه نقد غير مباشر للذين ينهجون نهجا ماديا للفصل بين الدين والدولة او بين الدين والعلم والمؤلف ذو هدف حسن لكن لم يصب في اجتهاده عن الدولة الاسلامية وابي بكر وعمر لم يصب لانه نظر للواقع من منظور عجول والا لو نظر من جانب الصبر والتمهل وموازنة الاحداث وخبر النصوص لقال غير ما قال في مثل هذا المقام
فقوله ·ان الدولة الاسلامية تاسست في خلافة ابي بكر رضي الله عنه ثم قوله: ·الا اننا نسمي عمر مؤسسا للدولة الاسلامية بمعنى آخر غير معنى السبق في اعمال الخلافة فهو هنا يؤكد: ب·إن الدولة الاسلامية هكذا، وهذا تداخل أو عجلة، أو فقر في نظر النصوص وأجزم جزم يقين انه لم يقرأ سورة محمد ولا الحجرات
ولم يعول على حقيقة الامر ممااراد طرحه والاجتهاد فيه لم يعول على الكتب الستة ولا يقال، كلا، فالنصوص الحديثة لها اهلها انما المؤلف يطرح على اساس التحليل والعرض والاستنتاج نقول: اذاً الاصل الترك لتعلق ما يطرحه امامنا حيث تتعلق به احكام شرعية لانه يؤكد ويقرر شيئا لعل الحق خلافه،
فالكتب الستة بينت نشأة الدولة الاسلامية ومتى؟ وكيف؟ كما اوردت نصوص منهج هذه الدولة في السياسة والادارة والاقتصاد وكافة علوم الانسان بينت هناك ان مؤسس الدولة الاسلامية وواضع منهجها هو: النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى وتدبير وحفظ كما قال سبحانه: مافرطنا في الكتاب من شيء وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله إن هو إلا وحي يوحى رب المشارق والمغارب والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة بينت شيئا عظيما من هذا
فلو انه قال: ان الدولة الاسلامية توسعت او كثرة الفتوح، لقال حقا لكن تأسس الدولة الاسلامية في عهد ابي بكر هذا مالم يذكره لانه رد لحاصل حصل ونص ورد ولانه امر معلوم من الدين بالضرورة فهو صلى الله عليه وسلم قد وضع اسس الدولة ومنهجها ورسم العلاقات الداخلية والخارجية ورسم مسائل المال وسياسة الجهاد والقضاء والفتيا والطب والعلم كافة، وهذا مدون في مثل: زاد المعاد والطب النبوي ومحاسن التجارة والخراج وبدائع الصنائع والاحكام ومجموعة فتاوي ابن تيمية الواسعة، 37/م/ط1/ والحق يقال فان مؤلف العبقريات في عبقرية الصديق في فصل الصديق والدولة الاسلامية قد اجاد عرضا لحاصل الامر في زمن هذا الخليفة القوي الامين بما عالجه من مسائل كثيرة ككرمه وشدته العاقلة الحكيمة وموقفه من حرب الردة بثبات عجيب جليل وكذا انقاذ جيش اسامة بن زيد الذي عاد منصورا، وقد عالج حروب الردة وبين نوع المرتدين وانهم انواع ينحصرون في نوعين نوع ارتد، وآخر لم يؤد الزكاة فبين كيف كانت الحال معهما وانه لم يفرق بين هؤلاء واولئك حتى اذعنوا للحق واقتنعوا به أجمعين إذ غاب عن كثير منهم الحكمة من مشروعية الزكاة وكيف تكون؟ ومتى؟ ولمن؟
وقد عالج المصنف فصلا جدير نظره وتحليله عالجه ما بين ص 125 حتى ص 130 فهول يقول: ·الا ان الصديق كان أول خليفة قام بالحكم الاسلامي بعد عهد النبوة فمن الطبيعي ان نسأل عن نوع الحكم الذي توصف به حكومته وحكومة الخلفاء من بعده وان نعرف وجه المشابهة بين تلك الحكومة وحكومة العصر التي قامت على المبادىء الدستورية الحديثة ثم راح يتساءل عن وجه المشابهة بتحليل حرص فيه على بقاء اصل النظر هنا وهناك ثم عرض عرضا سريعا المقارنة بين الحكم الاسلامي والديمقراطية وكذا: الاوتوقراطية وكذا مبادىء الاليجاركية، ومبادىء حكومة الغوغاء،
وحقيق بهذا الفصل التوسع فيه لو اراد ذلك لكن طرحه عرضا وجلبه نزراً وكتبه لما يغني قليله عن كثيره
لكن ليته طرح: رأي الخوارج فقد كان لهم آراء وحكومة بل حكومات ذاق الناس منها الدمار والتعنت والرأي العجيب الذي لا يقوم لكن يؤخذ من مجمل طرحه انه اشار الى هذا كحكومة الغوغاء فالخوارج غوغاء وان لم يشر اليهم بالاسم
وقد تناول المصنف فصلا حساسا من ناحية النص ففي ص 131 حتى ص 137 اورد نصوصا بعضها لا يتعلق به حكم وبعضها الآخر تتعلق به احكام فلم يحرر النص خاصة النوع الثاني لان من يقرأ مثل هذا الكتاب قد يأخذ به وبما ورد فيه خاصة الذين يتعجلون الكتابة ولا يلتفتون الى ما وراء ذلك او يكتبون وهم يجهلون الفرق بين: العلماء المتخصصين في علوم السنة وبين المثقفين والادباء او لا يلقون بالاً لشيء لابد من تحقيقه وتمحيصه فهم يكتبون وينقلون هكذا وما دام كثير من الناس قلت خلفيتهم وضعفت لديهم المقاييس والبصيرة الناقدة فهم يكتبون ويكتبون والضحية العلم وعقول المتلقين في هذا الحين العجيب
وهذاالفصل تدور نصوصه كما سلف بين الصحة والحسن والضعف ولم اقف فيه على حديث: موضوع، او باطل ويحقق في مسألة مهمة ذات تعلق بمبدأ عظيم يقول: ·اذ ليس من العقل ان يقدح قادح في ولاء الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم بما حرم فاطمة رضى الله عنها من : ميراث ابيها فلئن حرمها لقد حرم عائشة مثلها وهو يشير هنا الى ان الانبياء لا يورثون وهذا ميزان عدل من صديق هذه الامة فقد حرم البنت وحرم الزوجة لانه يسير على هدى كريم وكلاهما له حق، لكنه لم يفعل لان النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من الناس وفي ص 134/135/136 لعله وان أجاد لم يعد الى اصل ما يمكن العودة اليه في قضية الاستخلاف والمشكلة كما هي عند المؤلف فانها عند غيره قد تقع كثيرا لان غالب من يبحثون مثل هذه المسألة: مسألة الاستخلاف يعولون على كتب التاريخ وكتب الاخبار دون نظر بعيد أمين الى حقيقة النص اصله ومعناه وصحته وضعفه،
ولقد كان يكفي جملة، كثيرة من المؤرخين العودة الى أصول النصوص التي تحدثت عن مثل هذا وغيره،
: لكن قل لي بماذا تصف عقل رجل أو امانته وهو يعول على مثل
،1- مروج الذهب
،2- الاغاني
وهذان مثلان تجدهما مرسومان كمرجع اصلي للنصوص خاصة ما حصل زمن الخلفاء الاربعة الكرام لا جرم إما الجهل المطبق او خبث الطوية ولا ثالث لهما بحال، والمصنف نعم عالج في هذا الفصل شيئا جيدا وحلل واستنتج فأجاد اذ لم يتعرض بما يؤاخذ به عليه
وفي فصل ثقافته يقول المصنف تجاوز الله تعالى عني وعنه بفضله واحسانه: ·وتقدير الكلام من أصدق العلامات على ثقافة الصديق سواء نظرنا في وزنه لكلامه او في وزنه لكلام غيره ويقول: ·فالصديق كان احرص الناس على كلام يبدر من لسانه، وكان اعلم الناس بموضع كلام الرجل من مروؤته وشرفه
ويقول: ·فكان قوله نزرا، ووصيته بالاقلال من المقال أسبق وصاياه الى ولاته وعماله
ثم يورد وصفا لكلام الصديق فيقول: ·اما كلامه هو فمن ارجح ما قيل في موازين الكلام ص 138/139
واورد هنا وفي ص 143 الصديق في بيته آثارا متعددة دارت بين: الصحيح والضعيف اما تحليله لشخصية صديق هذه الامة في هذين الفصلين فقد أجاد فيهما ايما اجادة،


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved