يتأفف طلاب هذا الزمان من الحفظ، ولو قُيّض لهم ان يتصفحوا سير السلف من علماء هذه الأمة لوجدوا أمثلة كثيرة تؤيد ما نذهب اليه، فالمثقفون يعرفون ان الشعر الجاهلي نقل إلينا شفاهاً لا كتابة، وهذا يعني ان الراوية لم يكن يحفظ قصيدة طويلة فحسب بل كان يحفظ ديوان شاعر ان لم يكن أكثر، وان الشاعر لا يصبح شاعراً الا اذا حفظ آلاف الأبيات، فقد روي عن أبي تمام انه كان يحفظ 14 الف أرجوزة، ومثل ذلك يُقال عن بشار، وبعض الشعراء كان يتمتع بذاكرة غاية في القوة، فالمتنبي قيل إنه ذهب ليشتري كتاباً من دكان وراق فناوله اياه الوراق فقلّبه وأطال النظر فيه، فلما حاول الوراق استعادة الكتاب كان المتنبي قد حفظه، فلما امتحنه الوراق تأكد من شدة حفظه فأعطاه الكتاب جائزة لحفظه، وأما أبو العلاء المعري فقد صار في قوة ذاكرته مضرب المثل وليس هذا مقصوراً على الشعراء، فالأصمعيُّ قيل إنه يحفظ 12 الف أرجوزة وأنه ما قرأ كتاباً قطّ فاحتاج الى أن يعود اليه ثانية، ويروى عنه انه كان يحفظ القصيدة الطويلة بمجرد سماعها مرة واحدة، وهذه الأمثلة ليست فرائد في الحضارة العربية، بل سجلت لنا هذه الحضارة أمثلة اخرى كذاكرة بديع الزمان الهمذاني، والخوارزمي، والفيروز آبادي وغيرهم من عمالقة الثقافة والحفظ، كزرياب المغني الذي قيل انه كان يحفط الف قصيدة بكلمها ولحنها وايقاعاتها
لقد صار من المُسلّم به في زماننا هذا ان سلطان العلم واتساع المعرفة لا يضاهيه شيء آخر، وتظل الحكمة المشهورة، آفة العلم النسيان، وتظل أيضاً كلمة علماء النفس خالدة وهي قولهم: ما رزق المرء العبقري موهبة أعظم من الذاكرة القوية
الدكتور محمود الربداوي