خمس دقائق
الذاكرة والحفظ
يجادل طلاب الجامعات والمدارس الثانوية في هذا الزمان بما يسمونه مشكلة الحفظ واذا طلب منهم الاساتذة أن يحفظوا قصيدة أو نصاً من القرآن والحديث، أو نص مثلٍ نثري أو قانوناً حقوقياً تبرموا بحفظه، وتذرعوا بأن مناهج التربية الحديثة لا تميل إلى الحفظ، بل تعتبره نوعاً من إرهاق الدماغ بحشو الذاكرة بمعلومات قد لا تفيد حاملها، ثم طلعت على الناس التقنية الحديثة كالحاسبات الآلية التي اضطلعت بأعباء كثيرة كانت تتحملها الذاكرة البشرية فراح الطالب أو غير الطالب يخفف عن ذاكرته بتحميل ذاكرة الحاسبات ا لآلية أعباء من المعلومات والأرقام ما تنوء به العصبة أولو القوة، لدرجة أن الطالب الجامعي تخفف من حفظ جدول الضرب الذي هو ألفباء الأعمال الرياضية والهندسية، وأناط ذلك بالاضافة الى الأعمال الأربعة الأساسية، بالحاسب الآلي، والساعات الرقمية وأشباهها من تقنية العصر، وتجاوز تخزين الأرقام الى تخزين المعلومات العامة أو الخاصة والتاريخ والتوقيت وأرقام الهواتف وكل ما يخطر ببالك، مماكان مكانه في الذاكرة البشرية، وهذه التقنيات أراحت الذاكرة من جهة ولكنها عوّدت العقل الانسانيَّ على الكسل من جهة أخرى، فالانسان مدينٌ لهذه التقنيات بكثير من الفضل، ولكنها عطّلت في دماغه الكثير من الملكات الفكرية، وسلبتها الكثير من فاعلياتها، وأنا، من خلال تجربتي طالباً ومعلماً،أدعو الى العودة الى الحفظ، وأدعو الى الحفظ في سن مبكرة، لأن ذاكرة الطفل واليافع مزودة بقدرةٍ فطريةٍ ليست كذاكرة الكهل أو الشيخ التي توزعتها هموم الحياة ومشاكل الأيام فلنستغلَّ في الطفل أوالشاب ذاكرته التي فيها من الطفولة براءتها ونقاؤها، ومن الشباب قوته وعنفوانه، لأن الشابَّ مُقدم على عمر تتوازعه تكاليف الحياة، وتتناهبه هموم الدهر، فتغدو فيه الذاكرة كليلة عاجزة عن استيعاب معطيات الحاضر، رافضة للاستجابات التي تتطلبها الأوضاع الراهنة، إن أكثر الأسماء اللامعة،وأكثر أعلام الفكر، والرجال الذين برزوا في ميادين متعددة هم الذين استغلوا ذواكرهم في الصغر، واستفادوا من مخزوناتهم المعلوماتية في الكبر فوظفوها بمهارة في العمليات العقلية فساعدتهم على حلولٍ بارعة لمشاكل الحياة ومقتضياتها
يتأفف طلاب هذا الزمان من الحفظ، ولو قُيّض لهم ان يتصفحوا سير السلف من علماء هذه الأمة لوجدوا أمثلة كثيرة تؤيد ما نذهب اليه، فالمثقفون يعرفون ان الشعر الجاهلي نقل إلينا شفاهاً لا كتابة، وهذا يعني ان الراوية لم يكن يحفظ قصيدة طويلة فحسب بل كان يحفظ ديوان شاعر ان لم يكن أكثر، وان الشاعر لا يصبح شاعراً الا اذا حفظ آلاف الأبيات، فقد روي عن أبي تمام انه كان يحفظ 14 الف أرجوزة، ومثل ذلك يُقال عن بشار، وبعض الشعراء كان يتمتع بذاكرة غاية في القوة، فالمتنبي قيل إنه ذهب ليشتري كتاباً من دكان وراق فناوله اياه الوراق فقلّبه وأطال النظر فيه، فلما حاول الوراق استعادة الكتاب كان المتنبي قد حفظه، فلما امتحنه الوراق تأكد من شدة حفظه فأعطاه الكتاب جائزة لحفظه، وأما أبو العلاء المعري فقد صار في قوة ذاكرته مضرب المثل وليس هذا مقصوراً على الشعراء، فالأصمعيُّ قيل إنه يحفظ 12 الف أرجوزة وأنه ما قرأ كتاباً قطّ فاحتاج الى أن يعود اليه ثانية، ويروى عنه انه كان يحفظ القصيدة الطويلة بمجرد سماعها مرة واحدة، وهذه الأمثلة ليست فرائد في الحضارة العربية، بل سجلت لنا هذه الحضارة أمثلة اخرى كذاكرة بديع الزمان الهمذاني، والخوارزمي، والفيروز آبادي وغيرهم من عمالقة الثقافة والحفظ، كزرياب المغني الذي قيل انه كان يحفط الف قصيدة بكلمها ولحنها وايقاعاتها
لقد صار من المُسلّم به في زماننا هذا ان سلطان العلم واتساع المعرفة لا يضاهيه شيء آخر، وتظل الحكمة المشهورة، آفة العلم النسيان، وتظل أيضاً كلمة علماء النفس خالدة وهي قولهم: ما رزق المرء العبقري موهبة أعظم من الذاكرة القوية
الدكتور محمود الربداوي


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved