القصيدة ورموز الخصب الفرعونية
نذير العظمة
لم يحتفل العقاد في قصيدة ·أنس الوجود بأوزوريس الأسطورة بقدر ما احتفل بالأوابد والمجسمات بما توحيه من تأمل في الحياة والموت، فتمثال أوزوريس لا اسطورته هو الذي كان يحرض قريحته
ورغم اشاراته المتعددة الى هذا الرمز المركزي في الأسطورة المصرية القديمة في مقطع متسع من القصيدة إلا أنه اكتفى بالفعل المتأمل عن الحسن ودهشة الأسطورة وما تحمل من إلهامات ومآلات وإبهار فالتأمل غلب على صورة الأثر الحسية للقصيدة وحلّ محلها الأفكار التي يثيرها في الذهن
فامتزج التقرير الذي لا يهز الوجدان باللمح الذي يعبّر عن تعاطف مكبوت ولم يكشف عن استمرار الفطرة ووحدة الرؤية الانسانية للخالق الواحد ولو بشكل نسبي كما عبّر عنه شوقي في كبار الحوادث لوادي النيل 1894م
رب شقت العباد أيام
لا كتب بها يهتدى ولا أنبياء
ذهبوا في الهوى مذاهب شتى
جمعتها الحقيقة الزهراء
رؤية شوقي الشعرية هنا لا تقرب دينا عن دين ولا جنسا عن جنس، وتحل الادراك الجزئي للتوحيد في الحضارات البدائية محله من استمرار الكشف ومجيء الوحي بالحقيقة الزهراء موحدة كاملة في الديانات التوحيدية، بينما يقرر العقاد حقيقة الصراع التاريخي بينها وبين الحضارات الوثنية الأولى وغلبتها عليها ولجوئها الى الصخر أثرا بعد عين رغم اعتقاده ان الدين واحد
يقول العقاد في تماثيل مصر الفرعونية و أوابدها
تعددت الأرباب والدين واحد
فآمن به طراً أو اكفر به طرا
دعوها فإن ضاقت صدور بأهلها
تجد مستجارا في الصخور ومستذرى
فرؤية العقاد تقارب رؤية شوقي في وحدة الايمان عند بني الانسان وان اختلفت العبارة
وعباس محمود العقاد الذي يؤصل للأسطورة الأوروبية في الهوامش ويمنحها صياغة عربية ويحولها من مصادرها الاغريقية الأوروبية لتلائم الذائقة العربية وقيمها النفسية والفنية، لم يجد في الاسطورة المصرية القديمة ما يثير قريحته بقدر ما يثير تأمله وفكره، ويبعث فيه اعتزازا خفيا كاعتزاز شوقي بإيزيس في قصيدة ·كبار الحوادث
وبينما يحتفظ أمير الشعراء احمد شوقي لإيزيس بخصائصها الأساسية من جمال وخصوبة وهداية ويجعلها من مفاخر مصر، إلا انه يقطعها عن جدل الأسطورة الثنائي فيغيب أوزوريس وظيفيا مع انه يذكره في سياق الأبيات العشرة التي يحول فيها إيزيس الى صورة كلاسيكية واضحة
ومن المعلوم ان الأسطورة الفرعونية القديمة لا تشذ عن الحقل الدلالي لأساطير الخصب في المنطقة كما حددها جيمس فريزر في موسوعة ·الغصن الذهبي
فهي تعبير عن ظاهرة كونية ، وحقيقة طبيعية في عالم الانسان والحيوان والطبيعة التي تحكمها دورة الحياة والموت، وتعاقب الفصول بين جفاف وخصب وعوامل الانجاب والولادة والعقم في النبات والحيوان والانسان متمثلة بالثنائي ايزيس وأوزوريس اللذين يكمل واحدهما الآخر اذا ما غيّبه الموت، لكن أحمد شوقي يغيّب الجدل الأسطوري ويستبقي الصورة الواحدة لإيزيس وايحاءاتها معنى لا جدلا أو حبكة
وتجري أبيات شوقي كما يلي
سعدت مصر في الزمان بايزيس الندى من لها اليد البيضاء
إن تل البر فالبلاد نضار أو تل البحر فالرياح رخاء
أو تل النفس فهي في كل عضو أو تل الأفق فهي فيه ذكاء
لك آييس والمحبب أوزيريس وابناه كلهم أولياء
مثلت للعيون ذاتك والتمثيل يدني من لا له أدناء
وادعاك اليونان من بعد مصر وتلاه في حبك القدماء
فإذا قيل ما مفاخر مصر؟ قيل منها ايزيسها الغراء
أما عباس محمود العقاد فيأتي على أوابد وادي الملوك ويخص أوزوريس بأبيات مقاربة لأبيات شوقي عن إيزيس لكنه يمحو كليا طرف الأسطورة الآخر التي لا يستوحيها بقدر ما يستوحي المجسم المنحوت في الصخر وعظمته - فلا يغيب الجدل الأسطوري وحبكته فحسب بل يكتفي بفكرة العتمة والضوء، فتحل الفكرة العامة الملهمة محل الأسطورة الأصل وخلفياتها النفسية والفكرية ويقف الانسان الشاعر في ظل عظمة الأثر مفكرا متأملا دون ان يفطن الى دلالاته الأصلية وايمانه الأسطوري وهكذا تحل العبرة الأخلاقية مكان الفهم الكلي لظاهرة الحياة والكون ويصبح أوزوريس وصحبه في وادي الملوك طريقا الى التذكر والاعتبار
ويارب أرباب قضى الموت حكمه
عليها فسوّاها بعبادها الحيرى
تعوذ بأبراج هناك حصينة
وما أمنت زحفا من الدهر أو غدرا
فيا عابديها قد ذهبتم بسرها
فقوموا فافشوا الآن ذيالك السرا
وينتقل العقاد بعد ذلك ليخص أوزوريس بأبيات تسع تتمحور حول النور الذي كان يغمر به المخلصين مغيبا هكذا معنى الأسطورة الأصلي كليا ومحتفظا لأوزوريس بالوجه المضيء الذي ينير عتمة الوجود
صوامع أوزوريس شيدن للضحى
وفيهن ليل لا يماط ولا يُسرى
يطير بها الخفاش ظهراً ولم يكن
يطير بها الخفاش لو عرف الظهر
ترى ألف عام بعد أخرى ولا ترى
نهارا عليها آخر الدهر مقترا
ومما يؤيد انزياح العقاد في أبياته هذه عن معنى الأسطورة الأصل الى مصاحباتها من الإجلال أنه نوّة في الهامش بأن ·لبث كهان هذا الهيكل هيكل اوزوريس يعبدون اوزوريس وايزيس الى ما بعد ميلاد السيد المسيح بأربعمائة وثلاث وخمسين سنة وكانت معظم البلاد المصرية قد دانت بالنصرانية
وهكذا تحرك سياق القصيدة ·أنس الوجود في مسارين الأول وصف الأوابد لا من خلال الصورة الحسية بل من خلال ما تلهمه من أفكار عن تقلب الزمان وصروف القدر والحياة والموتوالثاني سياق العبرة والدرس الأخلاقي الذي تقدمه هذه الأوابد وهو من غايات القصيدة الأولى لأهميته التعليمية وحاجة النهضة الى المثال والقدوة اللذين يقدمهما الشعر في حضرة التاريخ والحضارة
أما فلسفة الأسطورة وأبعادها الكونية وايماءاتها المعرفية فهي جميعا غائبة لصالح أسطورة أخرى لا تتفق مع الأسطورة الأصل إلا بالشكل والاسم
ولم يشذ احمد زكي ابوشادي عن أحمد شوقي وعباس محمود العقاد في تلقّيه لأسطورة الخصب الفرعونية، ومع انه نظم ما ينوف على عشر قصائد في الأسطورة مجملها من خارج التراث المصري ومن إلهام المصادر الاغريقية الأوروبية إلا أنه فرّغ الأسطورة من جدلها وحوّلها في أغلب الأحيان الى حكاية سردية لا حبكة ملغزة عن تصارع الأقطاب الثنائية وعناصر التضاد المتقابلة من حياة وموت
ورغم ان أبا شادي وضع يده على نبض الأسطورة في قصيدته ·أوزوريس والتابوت تحولت الأسطورة من جدلها المدهش والملغز الى حكاية سردية لا تنم عن حيوية أو حركة
وترك أوزوريس ثاوياً في التابوت مع أنه الأسطورة ينهض من موته بمعونة إيزيس لتكتمل دورة الحياة ضد الموت، فينهض البطل الممزق أشلاء ومزقا من تابوته ليواجه الشر من جديد وتنتصر الحياة والخيروهكذا أخذت الذاكرة الحضارية منذ اكتشاف ·حجر رشيد وتفسير النصوص الهيروغليفية من قبل المستشرق الفرنسي شامبليون، أخذت ترفد الوجدان الشعري الحديث برموز ومضامين جديدة تعطي للقصيدة العربية الحديثة بعداً آخر ومع أن أوابد الحضارة الفرعونية ورموزها كانت ماثلة لأعين القدماء إلا أنها لم تشكل عندهم وحياً شعريا كما رأينا في نصوص أحمد شوقي وعباس محمود العقاد واحمد زكي أبي شادي مما يومىء الى الصلة الخفية التي تربط الإلهام الشعري ببعد الحضارة المعرفي فالالهام على ما يبدو يصبح أكثر عمقا واتساعا حين ترفده ذاكرة حضارية واسعة وخصبة وان عراقة الانسان في الماضي إن هي جزء من صمود الانسان في الحاضر وتألق الوجدان متصل بخيط خفي بغنى الذاكرة


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved