شاء عبد الله الزيد أم أبى
يتيمة ابن زريق من عيون الشعر العربي الفريدة
كنت قد كتبت في جريدة الجزيرة الغراء في تاريخ 22/3/1416ه عن قصيدة ابن زريق البغدادي المسماة باليتيمة وتحدثت كذلك في مقالتي تلك عن جوانب من قصة حياة هذا الشاعر ومناسبة قصيدته هذه وحينها قال المحرر معلقا على المقالة بقوله: مشروع دراسة بسيط لقصيدة عظيمة هلا استطاع الأخ أن يتلمس الجوانب الفنية في قصيدة ابن زريق فيبرزها للقارىء لذلك ندعو الكاتب الى اختيار قصيدة وتقديم دراسة مبسطة لها من خلال ابراز الجوانب الفنية
وكنت اعتقد جازما ان جميع متذوقي الشعر العربي يعجبون أيما اعجاب بهذه القصيدة الرائعة ولكني فوجئت بالكاتب/ عبدالله الزيد يستهجن هذه القصيدة ويصف متذوقيها بالعوام والمسطحين وذوي الأذواق المتردية في مقالة له بعنوان من أفق الكتابة الى فضاء الرؤية الأخرى ويصفها بالتشكيل العامي والسياق البليد
وأنا أقول ماذا يريد الزيد من شعرنا العربي؟ فبعد أن استقبح نونية ابن زيدون عاد ليستقبح يتيمة ابن زريق البغدادي ثم لماذا يجعل الزيد نفسه مقياسا للناس؟ وهل طلب منه أن يكون وصيا على ذوق المتذوقين يستحسن ويستقبح متى شاء وكيف شاء؟ ثم لماذا لا يرينا الزيد ما يستحسنه من الشعر حتى نحكم على ذوقه كما حكم على أذواقنا؟
ولقد تكفل الاخ/ جاسم محمد الجاسم بمناقشة هذه المقالة والرد على الزيد وأنا لا أريد أن أعيد ما قال حيث ناقش مقالة الزيد ولكنه لم يتطرق للجوانب الفنية في هذه القصيدة لهذا السبب ونزولا عند رغبة محرر صفحة العطاءات الواعدة عند تعليقه على مقالتي السابقة التي اسلفت الذكر عنها سأقوم بتحليل فني لقصيدة ابن زريق المسماة باليتيمة ولكن يجب مراعاة ما يلي قبل الخوض في التحليل:
أولا: هذا تحليل فني مختصر لا يشتمل علىنقد للنص
ثانيا: في هذاالتحليل ابراز لبعض الجوانب الفنية في القصيدة وليس جميعها
ثالثا: التحليل نظرة فنية خاصة ليس بالضرورة أن تكون النظرة النموذجية للنص
رابعا: سأتناول بعض الجوانب الفنية في هذه القصيدة والتي تميزها عن غيرها لعلي أخرجها من مختبر الزيد للتحاليل الأدبية ولعل مختبري يمنحها شهادة براءة مماوصفها به الزيد من العقم والعامية والسياق البليد
1- أولا: هذه القصيدة من عيون الشعر العربي وغرة من غرره الفريدة شاء ذلك الزيد أم أبى ولا أدل على ذلك من بقائها متداولة على ألسنة الناس منذ مئات السنين وهذا البقاء دليل على روعتها وجمالها ولو لم يكن لابن زريق الا هذه القصيدة لكفته فقد انتج لنا نصا شعريا يعكس تجربة انسانية بحتة فماذا أنتج لنا الزيد؟ غير اصدار الاحكام جزافا دون أدلة وبراهين وأسس نقدية معتمدة
والآن اليكم بعض جوانب هذه القصيدة الفنية باختصار شديد:
1- الوزن والقافية:
لقد اختار الشاعر لقصيدته هذه البحر البسيط ربما بعفوية دونما قصد ووزن هذاالبحر مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مع دخول بعض الزحافات والعلل في الشطر الثاني وهذا البحر يناسب الموضوعات الهامسة الحزينة فلم ينظم على بحر الطويل مثلا لأنه بحر يناسب الموضوعات الصعبة الطويلة الجادة وحرف الروي هو الهاء لاشك أنه حرف هامس غير انفجاري مناسب لمثل هذه الموضوعات الرقيقة الحزينة فالقصيدة هائية إذاً
2- الالفاظ والمحسنات:
لاشك أن الناظر في هذه القصيدة يلاحظ مباشرة رقة ألفاظها ورشاقتها وسهولتها وعذوبتها ودقة دلالتها على المعاني في كثير من الأحيان وملاءمتها للموضوع وشيوعها في عصر الشاعر وملاءمتها ايضا للجو النفسي الذي يعيشه الشاعر ومعبرة أدق تعبير عما يعانيه من القلق والعذاب والمعاناة وتكالب الهموم والاحزان فقد جعل الغربة تحيط به وتشمله من كل جانب
أما المحسنات فمنها:
أ- الجناس في قوله: تعذيله، العذل لومة، اللوم ضلعت، أضلعه سفر، سفر حل، ومرتحل ودعته، يودعني والجناس ينتشر في معظم اجزاء هذه القصيدة وهو قد اضفى عليها شيئا من الموسيقا الداخلية الجميلة
ب- الطباق كما في قوله واصلة، تقطعه منخرق، ارقعه أمضت، ترجعه والمحسنات كثيرة مستحسنة لكننا نكتفي بهذين المحسنين البديعين الظاهرين في القصيدة
3- الخيال والتصوير:
الخيال وليد العاطفة وهو الذي انتج الصور التي اضفت روعة على هذه القصيدة فالصور هنا تتلون بلون العاطفة وهي في هذه القصيدة حزينة متألمة ولذلك جاءت الصور في معظمها فياضة بالألم النفسي فبدأ ابن زريق قصيدته بتصوير العذل في شكل انسان يولع ويضر وينفع وكذلك الزمان في قوله ان الزمان أراه في الرحيل غنى ومن الابيات التي تدل علىحسن التصوير وجمال الرسم الفني قوله:
وكم تشبث بي خوف الفراق ضحى
وأدمعي مستهلات وأدمعه
ففي هذا البيت تتجلى لنا تجربة الشاعر تصور لنا مدى وقع المعاناة عليه
كذلك شبه النعيم بثوب يلبس في قوله:
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا
شكر عليه فإن الله ينزعه
كذلك تشبيه الفراق بإنسان له يد عسرى تمنع وتعطي وهذا تشبيه بليغ في قوله:
حتى جرى البين فيما بيننا بيد
عسراه تمنعني حظي وتمنعه
وتشبيه منزل محبوبته أو زوجته بإنسان على سبيل الاستعارة في قوله:
بلغه يامنزل العيش الذي درست
آثاره وعنت مذ بنت أربعه
ونلاحظ ان الشاعر اعتمد في قصيدته هذه على الصور الشعرية اعتمادا كبيرا، لابراز عواطفه وتصوير أحساسيه، ولقد كان اختياره لألفاظها دليلا على قدرته في اظهار عاطفته الملتهبة ومشاعره المحترقة ولو أنني رحت أتتبع الصورة في هذه القصيدة لطال بنا المقام ولكني أكتفي بما أشرت اليه
4- العاطفة:
تبدت لنا عاطفة الشاعر في هذه القصيدةعاطفة مهتاجة ملتهبة حزينة محترقة احرقتها نيران الغربة والبعد والحرمان ويالها من مأساة هزت وجدان الشاعر هزا عنيفا فجادت قريحته بهذه اليتيمة وهي يتيمة كما هي
ثم ان عاطفة الشاعر عاطفة انسانية فقد استطاع أن ينقلها لنا ويصورها بكل قسماتها وأبعادها وجوانبها في دقة وصدق مما يجعلنا نحس بما يحس به بل نحس بكل نبضاته الحزينة كذلك استطاع ابن زريق البغدادي بصدق تجربته ومرارة عاطفته أن يوظف ملكته الشعرية في اختيار القوالب الفنية من الفاظ وعبارات وصور وأخيلة وموسيقا تظهر لنا حالة الشاعر بعد رحيله وبعد أن خاب ظنه وتبلغ ذروتها عند انهمار دموعه
5- الموسيقا:
الموسيقا ظاهرة في هذه القصيدة في التزام الوزن ووحدة القافية والتصريع ولقد اختار الشاعر - كما سبق وأشرنا - بحر البسيط وهو مناسب لموضوع القصيدة كذلك شكلت قافية القصيدة الهائية الساكنة تصويرا صادقا لحالة الشاعر الحزينة وماساته ومعاناته أما الموسيقا الداخلية فتتجلى في تكرار بعض الكلمات والحروف والتنوين وهويشكل ايقاعا موسيقيا ونغما مؤثرا يشعر به القارىء والسامع
6- الحكمة في النص:
من أبيات الحكمة في النص قول ابن زريق مع ملاحظة أن الأبيات غير مرتبة
1- وما مجاهدة الانسان واصلة
رزقا ولا دعة الانسان تقطعه
2- والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت
بغي الا ان بغي المرء يصرعه
3- رزقت ملكا فلم احسن سياسته
وكل من لا يسوس الملك يخلعه
4- ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
شكر عليه فإن الله ينزعه
5- علما بأن اصطباري معقب فرجا
فاضيق الأمر ان فكرت أوسعه
وأظن أن التعليق على هذه الابيات الزاخرة بالحكمة يفسد جمالها فهي واضحة لا تحتاج لتعليق
وبعد:
فهذه وقفات مختصرة وسريعة تبرز بعض الجوانب الفنية في هذه القصيدة الخالدة على مر السنين وبهذا التحليل تبرز لنا القيمة الفنية لهذا النص الشعري الجميل الذي حلله الكاتب/ عبدالله عبدالرحمن الزيد مبيتا حكمه مسبقا دون ابراز الدليل واظهار البرهان على ما يقول بل حلله دون مذهب معين وبفوضوية تامة كما حلل نونية ابن زيدون من قبل وليعلم الزيد واتباعه ان الحكم على النصوص يحتاج الى أدلة وبراهين وليس اطلاق الكلام على عواهنه دونما منهجية معينة ولا قواعد نقدية معترف بها فكل حكم يحتاج الى حجة حتى نقتنع به
أم أن الزيد يستهجن هذه القصيدة لأنها كلاسيكية قديمة؟ إذا فليأت لنا بمثلها أو ما يفوقها ان كان يستطيع
سليمان بن حمزة محمد الربعي
الرياض


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved