ومضات ونبضات من الشعر العربي
صورة الحياة في الشعر العربي 1-2
تأمل الشعراء قديما وحديثا هذه الحياة التي حيرت الكثيرين منهم فهي واضحة غامضة مليئة بالاحزان وقد تبتسم عن بعض الافراح تعطي وتبخل تجمع وتفرق تغني وتفقر وقلما رضي أحد بحظه الذي كتب له فيها فالبائس يشكو بؤسه والسعيد يشكو تحول الايام به لأنه لا دوام لحال ,, ومنذ عرف الانسان الشعر والحياة في صورها الكثيرة تنعكس على مرآة هذا الشعر حتى قال ابوالعلاء المعري:
تعب كلها الحياة فما أعجب
إلا من راغب في ازدياد
رغم ذلك فالجميع محبون لها كارهون لمفارقتها يقول امير الشعراء احمد شوقي: عن الحياة:
حياة ما نود لها زيالا
ودنيا لا نود لها انتقالا
أيام تطير بنا سحابا
وإن خيلت تدب بنا نمالا
نريها في الضمير هوى وحبا
ونسمعها التبرم والملالا
قصار حين نجري اللهو
فيها طوال حين نقطعها فعالا
ولم تضق الحياة بنا ولكن
زحام السوء ضيّقها مجالا
ولم تقتل براحتها بنيها
ولكن سابقوا الموت اقتتالا
ولو زاد الحياة الناس سعيا
واخلاصا لزادتهم جمالا
إذا كان معظم الشعراء في الماضي ينظرون اليها باعتبارها قدرا لا دخل لإرادة الانسان في صنعه او فنائه فإن أبيات شوقي توضح لنا ان صورة الحياة تتشكل في وعي الإنسان وتأتي مطابقة لعمله,, وهذه الصورة المشرقة او المنطقية تفترض استواء الظروف وانصافها لأن الانسان قد يسعى ويخيب سعيه وقد يخلص في العمل ولا يجني الا حصاد الهشيم, وشوقي يصف تمسكنا بالأيام وحرصنا عليها فنحن لا نود للحياة ان تنقضي ولا للدنيا ان تتحول ولكن هذه الدنيا وهذه الحياة التي يتحدث عنها شوقي إنما هي حياة ودنيا السعداء لأن الفقير يود لو تبدلت حاله من البؤس الى النعيم وأيام السجين غير ايام الحر الطليق ولكن شوقي يتحدث في المطلق العام,, هو يرى الحياة أشبه السحب الطائرة التي لا استقرار لها,, نحبها في باطن نفوسنا ونظهر التبرم بها,, أيامها قصيرة اذا قضيناها في اللهو وطويلة اذا قطعناها في الجد,, ولكن شوقي يصل بنا الى ذروة في الحكمة حين يرى ان الحياة لم تضق بنا حين تقتر علينا وانها مليئة بالخير ولكن زحام السوء هو الذي ضيقها وهو يقصد بزحام السوء كثرة الافعال االشريرة كالظلم والطمع والحرص الشديد والتناحر ونفي كل منا للآخر ومحاولة اغتصاب حقوق الآخرين أو نهبهم كل هذا يجعل الحياة ضيقة عسيرة أشد العسر وهو يذكرنا بقول شاعر آخر:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق
وشوقي يلجأ للتعميم حين يتصور الموت لا يأتي كجزء من طبيعة الحياة ولكنه يأتي بفعل الاقتتال, والحقيقة ان المعنى الشريف الذي أراده شوقي سيكون أكثر دقة لو أنه اشار الى ان الاقتتال يقلل فرص الحياة, ويصل شوقي الى درته الحقيقية حين يقول بأن الحياة بنت السعي ولو أن الناس اجتهدوا واخلصوا لزادتهم الحياة جمالا وهناء,, اما المتنبي الذي لم يعرف هناء العيش الذي عرفه شوقي فقد وحد بين الحياة والزمن وكأنه يقصد بهما شيئا واحدا يقول المتنبي:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولوا بغصةٍ كلهم منه
وان سُر بعضهم احيانا
ربما تحسن الصنيع لياليه
ولكن تكدر الاحسانا
اما الشاعر محمد مهدي الجواهري فيراها حسناء هاجرة لاحبابها غير منصفة مقلقة لاصحابها على كل حال يقول الجواهري :
وما الحياة سوى حسناء فاركةٍ
مخطوبة من احباء واعداء
قد تمنح النفس أكفاءً ذوي حسب
وربما وهبتها غير أكفاء
ولا يزال على الحالين صاحبها
معذب النفس فيها بيّن الداء
ويقول المتنبي جريا على عادته من سوء الظن بكل شيء :
إني لأعلم واللبيب خبير
ان الحياة وإن حرصت غرور
ورأيت كلا ما يعلل نفسه
بتعلة والى الفناء يصير
محمد إبراهيم أبوسنة
ويقول الشريف المرتضى:
يقولون أسباب الحياة كثيرة
فقلت وأسباب المنون كثير
ما هذه الايام الا مصايد
واشراك مكروه لنا وغرور
يسارُ بنا في كل يوم وليلة
فكم ذا الى ما لا نريد نسيرُ
وما الدهر إلا فرحة ثم ترحة
وما الناس إلا مطلق وأسير
وقد نفذ بعض الشعراء مكنون هذه الحياة وقلبوا ظهرها لبطنها فوجدوا العناء في الحالين, البؤس والنعيم يقول احد الشعراء:
ومن يحمد الدنيا لعيش يسره
فسوف لعمري عن قليل يلومها
اذا ادبرت كانت على النفس حسرة
وان اقبلت كانت كثيرا همومها
وقد رأى المتنبي حياته في العز والمجد وبهذا نرى ان المتنبي لم يكن يؤمن الا بلون يختاره هو من الحياة يقول متحدثا عن هذه الحياة التي يبتغيها:
لا افتخار الا لمن لا يضام
مدرك او محارب لا ينام
ليس عز ما مرَّض المرء فيه
ليس هما ما عاق عنه الظلام
واحتمال الأذى رؤية جانيه
غذاء تضوى به الاجسام
ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام
اما الحياة التي وجدها فلم تسعده يقول المتنبي:
- فؤاد ما تسليه المدام
وعمر مثلما تهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغار
وان كانت لهم جثث ضخام
وما انا منهم بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام
وهو يرى ان الجميع يعشقون الدنيا ولكنها لا تصل إلا من تحب وتختار,
ومن لم يعش الدنيا قديما
ولكن لا سبيل الى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب
نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالارزاء حتى
فؤادي في غشاء من نبال
فصرت اذا اصابتني سهام
تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالي بالرزايا
لأني ما انتفعت بأن أبالي
اما المعري فقد غلبه يأسه حتى أفضى به الى رفض الحياة بأسرها يقول:
دعا لي بالحياة أخو وداد
رويدك إنما تدعو عليّا
فما كان البقاء لي اختيارا
لو ان الأمر مردود إليّا
ويرى أبوالقاسم الشابي ان الحياة صراع
ان الحياة صراع فيه الضعيف يداس,
وهي نفس الصورة التي يراها إبراهيم الباروني ليست حياة المرء في الدنيا سوى حلم يجر وراءه أحلاما
والعيش في الدنيا جهاد دائم
ظبي يصارع في الوغى ضرغاما
تلك الشريعة في الحياة فلا ترى
إلا نزاعا دائما وصداما
وهكذا نرى ان الحياة في صورة تنطبع في خيال كل شاعر ملتبسة بوضعه في الوجود فشوقي الذي عرف النعمة والاستقرار في ظل السلطان والجاه والثروة قد رأى الحياة اقرب الى الاشراق والتوازن والانصاف والموضوعية والعدل، أما ابوالطيب المتنبي فقد كان على نقيض شوقي لم يعرف الاستقرار في حياته وعاش مطاردا من الآخرين ومن نفسه فقد كلفته نفسه الطموح ان يركب الصعب وان يخاطر بين القفار طالبا للمجد الذي لم يكن يدرك ان شعره سوف يؤمنه له,, وبعض الشعراء صور عصره وما فيه من فتن وشرور اما ابوالعلاء المعري فقد كانت ظروفه القاسية وقعوده حبيس العمى والبيت اكثر الجميع تشاؤما فقد رأى الحياة باطلا في كل احوالها:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شادي
وشبيه صوت النعي اذا
قيس بصوت البشير في كل نادي
محمد إبراهيم أبوسنة


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved