قالت له نفسه: لن تجد سوى الفراغ، ها هو معك، فلم تبحث عنه؟! افتح الصمت وستجد ماتريده مستقراً في ذاتك,, لكن خاطره شعر بالذعر حين تصور السلال المعبأة بالاساطير وبالاغماءات المتتالية تهرول الىنجاته وتفرقع اصابع الخوف في دماغه,
اصبح وعيه دامياً، يتحسس جسده بيديه، فترتعش اصابعه وكأنه يلمس الحذر، كانت الحمى تعصف في اطرافه، تمدد لها وتركها تكمل انبساطها على اعضائه، لقد كمدت جسده بنبضات منعشة، وحين استرخى ابتسم برضا وهو يرى يداً تمر على قلبه فتهدهده بالنعومة وبالايقاعات الساخنة,, انصت بقوة ليسمع وجيف قلبه يهاجم تلك اليد، احس بلذة تحترق في داخله، فاستكان لها دون ان يسأل,, لقد كف عن الأحلام واستسلم للتسامح الشامل مع نفسه,
انه يحب الرسم منذ الصغر، وقد تخصص في الرسم التشكيلي واهتم بدراسته في كلية التربية الفنية، وظل يطور فنه حتى اصبحت لوحاته تدخل المعارض الفنية ويشتري اكثرها ، لن ينسى هذه اللوحة التي ابدعها العام الماضي, لقد رسم صورة صبي مشرق الوجه، على ثغره ابتسامة حزينة، عيناه تنبضان بنور سري مدهش ،شعره اسود، وعلى رأسه طاقية مائلة نحو اليمين قليلاً، اعجب بهذه الرسمة التي ابدعها، ولم يصدق انه هو الذي رسمها بنفسه،ومالبث ان علقها في غرفته، اراد الاحتفاظ بها، ولاحظ ان في هذه اللوحة جاذبية تدعوه للوقوف عندها وتأملها، صاح حينما امسك اللوحة بين يديه: هذا هو الفضاء الصامت، وهذه هي الريح الدافئة، في فم هذا الطفل الجميل كلمة اراها تختفي وراء شفتيه، ارسلها، قل احبك، نعم انا ابوك,, يضم اللوحة ويمسح دموعه بكفه ويظل مشدوهاً تتماوج صفحات الهالة - التي غمرته- علىدموعه المترقرقة,, حينما يطيل النظر في اللوحة يرى ذلك الجلال الذي يحف بالصورة، ثمة ورد وياسمين وقرنفل ونرجس وزنبق يحيط به نور بعيد، تتناثر علىمحيط يانع بالبهاء، ليس هناك سماء ولا ارض ولابشر، هناك مياه وثمار تبتسم بوداعة، لاتحتوي اللوحة على زمن، زال منها الظلام الذي كان يعشو على اطرافها اثناء الرسم، كل الوانها ساطعة، تحكي الزمن الابدي، انها الخلود ذاته، يسري فيها الوعي بسرعة,, تظهر في اللوحة خلف الطفل تلال خضراء، ويبدو امامه كون مجهول، ما اجمل ان ينشغل المرء بهذا الوجود!,
يود لو يمشي على تلك البقاع، انه يشم رائحتها، فيشعر بالانتعاش في ذاته، يداعب الروائح الطرية التي غمرته ويلتف تحت الغطاء، يحاول جمع نفسه في نفسه ليحفظ تدفق البهجة فيه، ثم ينام,
لقد وجد نفسه اسيراً لهذه اللوحة، لايستطيع مفارقتها، وضع اللوحة بجواره وتخيل هذه الطفل ابناً له، اجل انه ابني الست انا الذي رعيته وانشأته منذ كان لوناً على الفرشاة؟ ما اسعدني ا ذ امتلكه وحدي، سيظل نجماً يضيء حياتي بهدوء، سنعيش معاً في مملكة الفجر، لقد جئت يابني من السنين البعيدة، حضرت من الأزل،وعبرت الطرقات البحرية، وها انت تقف امامي,, انت الذي سيجعلني اكثر نشاطاً وازهى حياة، ستعيد لي قبضة الزمن الهارب، ستتجمع لي الالوان من وجنتيك الرائعتين، سنرسم معاً حقل الحب وانهار الجمال على لوحة البقاء,
انت نهر، هكذا اسمك الذي طلبته مني، سألبي رغبتك دائماً يابني، انني ادركها بالحدس العميق، سأجعلك يانهر صوتاً يسري في حناجر الجمال ويذوب على شفاه العاشقين، اسمح لي يابني ان انتشر حولك كالفراشة,,وحدك القادر علىتبديل ملامح والدك, ها هي ملامحي تشبهك، فتروي لي اسرار الطيور النهرية,
راح يقبله في اللوحة ويشعر ان ابنه يبادله التحية والعطف بحرارة، شرع يقص عليه الحكايات في المساء، ويسأله عن رأيه في الحياة وفي الحب وفي الصدق وفي الناس,, يعطره قبل النوم، وفي الصباح يودعه: عليك بالصبر يا ابني يانهر، لابد ان تصبر على فراقي حتى اعود، لن اخدعك، ستكون مرآتي، ستكون ذاتي، احبك، ولكنني سأفارقك، سأهجرك حتى اتعرف على حبك، ساقف خارجك لأراك، انك انا، انت خزان ذاكرتي، انت ومضة احزاني,, دعني أبن بيننا فاصلاً من الزمن، من النظر، حدق في عيني لترى عينيك,, ستجدني امامك في اللحظة المرتدة من دمائك,
ويظل طوال اليوم مشغولاً بالعودة الى ابنه لايفكر الا به،سأله احدهم: اراك شارد الذهن يا ابانهر، لاتعنى بشيء قط، تغير اسلوب عملك، لم يعد احد يعرفك!! يا اخي لاا ريد ان اكون علامة استفهام تستجدي الفراغ، هكذا قال ابني نهر: ان الحياة لاتستحق منا كل هذا التعب، لماذا نفرط في شيء نعلم زواله، ربما ادى العبث رسالة موحشة للمطر، فلماذا انظر الى النهار الوحيد، دعني انس السيل وار المطر,, لن اطأ التراب وسأبقى في يد الأسف,, انه دخان يسحبني الى الشمس التي تذوب لأجلي، وتصمت لكلامي,, تلتقي الحروف ثم تفترق، لتعيش مع كلمات اخرى في جمل اخرى مع انامل اخرى وعيون مختلفة,, لابأس من الفراق، لانه الحياة، اليس كذلك؟ هكذا قال ابني نهر: ان المحب يعلم انه سيفارق محبوبه من اول يوم يلتقيان،يرى الشفاه تغتسل بالموعد الدامغ، ثم يجزع حينما يتحقق ذلك، اليست الانواء تهتف بالفراق والتشرد؟!,
لم تعد اللوحة جامدة بل صارت رمزاً للحياة والحب والوعي والحلم,, وحينما افتقد اللوحة - التي هي ابنه - لم ييأس، كان متيقناً من الفقدان، اوحت له الليالي بذلك، ربمايكون ابنه قد ودعه، وقد تكون الصورة افشت اليه سراً، لكنه دائماً يستعيد اوراق اليقين، وقد ادرك ان اللوحة تسأل عنه، وان ابنه ينتظره ،يحن الي حديثه، متشوق الى دفنه,, اخذ يسأل عن ابنه في المستشفيات وفي البيوت وفي السجون، بيد ان الناس لايهتمون بأمره مطلقاً، اراد ان يسلي نفسه برسمة جديدة، يريد اعادة رسم نهر، وفي كل مرة يبدأ الرسم يتذكر محياه فيبكي ويتألم، لقد عجز عن اتقان رسمته، وهو يصارع الوساوس العدائية التي تتمثل له كأشباح صامته، ادار لها ظهره وظل يرسم، لكنه فشل,, يطول الأنف قليلاً، تنحرف الشفتان اكثر، تتغير البسمة، لم يستطع العثور عليه حتى في ذهنه: لاجدوى من البحث, قرر عدم التفكير في الرسم ابداً، انزاحت عن نفسه آنية الشهوة، تجلت عنه عواطف الشفاه المصدعة، هدأت روحه وتعودت على الرحابة المتعلقة بعنان السماء، ثمة خدر عاهر يتمرغ على الورق الابيض، يندس في افنية العلم المغلقة, نظر في كفيه المنمقتين، وراح يدق باصابع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، فيوقع لحن الصبر الذي تكون من خمس مقامات، تبدأ كلها بدائرة مرتعشة ترف على رؤوس اصابع يده اليمنى وتضغط على عظام الكف في اليد اليسرى، ثم تتابع الحركات التي تنبعث من الانفاس الخفيفة، ظل يطرز الضوء على اصابعه، ثم خبأ كفيه في جيبه وكأنه يخشى عليهما من الذوبان في الصحو, كان يبتسم قبل ان يستسلم للنعاس، ويشعر بأنه يحمل ابراج المطر الذي سيهطل ذات يوم زهوراً مطوقة بالفرح,,
لم تعد موهبة الرسم ذات رائحة شمسية كعهده بها في السابق، امتزجت بالصمت وبالظلام، يقترب من الالوان في منتصف الليل، ويشعر انها سوف تغويه، لابد ان هذا اللون الاصفر سيجلب لي انعطافات داعرة، لا لايمكن الركون الى صوت اللون الاخضر المتثني على مآقي الصبا، يتفتح البنفسج على ضوء البريد، فاكتنز عواطفي في عيوني، واخشى ان يفضحها هذا اللون الاسود,, لن المس الالوان التي تراود صمتي, تريد ان تثقب رحلتي بالمغامرة، كفاني تيهاً ومنطقاً!!
كان يداعب ذكرياته مع الاحلام العليلة التي تتصرف كظلام عبير الورد الذي يلقي برذاذه على التراب، ويخاتل شمس الاصيل الناعسة، وحينما كان يطوي مسافات الوعود توقف، واصاخ حواسه، لقد عثر على ابنه قبل غروب الشمس في الصيف الماضي، رآه يقطع الطريق، لوح له بيده، فأتاه نهر وقبله وبكى علىصدره, لم تمنحني الدنيا شيئاً، كم احبك, كم احبك, انني افنى فيك يا غرامي! شرب الهواء عشقي جرعات متلاحقة,, فتكسرت اشجاري تحت ضوء النجوم، - يا بني- يا ابي، يا اثمن حساب، ويا الذ قسوة!!, وقف معه ليقطعا الطريق فاختفى الطفل وحالت بينهما السيارات ولم يعد له اثر بعد ذلك المساء, ادمن الرصيف الذي مر عليه ابنه، صار مسكنه ومقهاه، وهو يتمنى لو يمر من هنا ذات يوم,, ظل متأهبا للقاء، يسمع منادياً يأمره بالالتفات، يتساءل في داخله عن خطابات الصحراء التي تمحوها التذكارات، يبحث في اعماقه عن اساليب الانتظار التي تستعلمها المسرات,,ثمة هواتف تلاحق انكساراته مع زخات المطر التي تحط على رأسه وهو يستند الى عمود الكهرباء المحاذي للرصيف: الظن نقي لم يثبت شكه، انني شك متدفق بدون صفقة تغذية,, لن افرط في ابني، في كياني، في جزئي، في كلي،سأرفع الامر اليه حين تزورني الزنابق، سأحملها كل هذه السحب المتراكمة فوق المحيط، تكتسي عيناه عذوبة ودهشة عندما يحدق في البعيد، تترقرق في مآقيه مباهج مكبوتة، يتذوق الوحدة في تواضع لاينتهي,,
قرر اليوم ان يعود الى المنزل، سيراقب مسرح ولادة ابنه كالنجمة التي هوت في البحر، سيتذكر الفضائل التي حققها والتي سعى اليها,, ولما عاد للمنزل تولاه شعور غامض بانه مغبون الى درجة هائلة، تطارده صور تتوسل بذاكرته، تصعد الى مسكن ابنه,, وطن نفسه على التسامح واقنعها بالاغتباط بنهر,, لكن دموعه لم تتوقف, ظلت تنسل جروح الحياة من خلال الدموع الحارة التي تتدحرج على خديه، لم يلبث ان خرج بعد الغروب، كان يفكر في ابنه المفقود ويردد العبارات التي لقنها له ابنه: الألم يحررنامن الألم، واللذة لاتفارق الحزن، ستهبط السعادة من الورق، ويطلع الربيع من الفراغ,, قلب الليل واسع للحلم، وبطن السماء ينتظر البوح,, تيارات الحرمان هي وجه الحقيقة التي تظهر في مسام الصادقين الاوفياء,,الجهل ركن بعيد ينقذ الروح المنتفخة، يمتص الانفجار بالرعشة المفاجئة، ويدفن العذاب بالسهر المرير في مزرعة الامطار النائمة, كان ابنه يقف امامه قادما الى المنزل، انه ابنه نهر حقاً، كان يستنجد به، راح يجري نحوه وقد بهت من الزمن المورق,طوق ابنه بذراعيه النحيلتين، وضمه الىصدره والابن يبكي وقلبه يخفق، صرخ الاب وهويضم ابنه بكل قوة حياته الباقية، وراح يجري وسط الشارع، كان المطر ينهمر بغزارة، ورأس الطفل يتدلى فوق كتف ابيه وقد فارق الحياة، ولايزال ابوه يجري وهو يغوص في اعماق الانهار المتفجرة وسط الظلام,
ناصر الحجيلان