ولدت فكرة الفيلم اثناء زيارة الممثل الامريكي ميل جيبسون لاسكتلندا تلبية لدعوة صديقه السيناريست راندل والاس الاسكتلندي الاصل وحفيد وليم والاس الذي قاد حرب تحرير اسكتلندا في القرن الثالث عشر، بل واستطاع تهديد عرش الملك الانجليزي ادوارد لونجشانكس ,, واستغرقت كتابة الفيلم الذي تناول حياة وليم والاس والاعداد له وتصويره حوالي ثلاث سنوات, وواجه خلالها ميل جيبسون الكثير من الصعوبات اهمها ان الجميع كانوا يسألونه, ولماذا قصة اسكتلندية؟ وهل تتوقع نجاحها؟! ولكن ادارة شركة فوكس من جانبها قررت دخول المغامرة وخصصت للفيلم ميزانية ضخمة, الصعوبة الثانية التي واجهت بطل الفيلم ومخرجه جيبسون هي اختلاط الاساطير بالحقائق في كتب التاريخ التي تم الرجوع إليها,, ولكن المخرج اصر على تقديم الحقائق بقدر الامكان، وساعده على ذلك ان المؤلف حفيد للبطل، ساعده ايضا احفاد وليم والاس الذين مازالوا يعيشون حتى الآن في اسكتلندا وقدموا له معلومات ممتازة، بالاضافة الى مشاركتهم في اختيار اماكن التصوير وأخذوا رأيهم في كل صغيرة وكبيرة في الفيلم, الصعوبة الاكبر كانت في المعارك الحربية الضخمة، وهو ما دعا جيبسون الى الاستعانة بمتخصصين واستغرقت وقتا طويلا في التصوير، فعلى سبيل المثال معركة شير لينج استغرق تصويرها 6 أسابيع رغم استعانة جيبسون بالكمبيوتر في المونتاج والتصوير,
ولا تكمن عظمة الفيلم فقط في رأي الناقد د, احمد يوسف في الاتقان الحرفي والفني المذهل، ولكن في توقيته، حيث عرض في أواخر عام 1994 حيث الكلام المستمر حتى الآن عما يسمى بالنظام العالمي الجديد والذي يرغب اصحابه في تذويب الشعوب واختراع انتماءات بديلة تحددها القوى الاستعمارية والشركات متعددة الجنسيات, وفي رأي أحمد يوسف ان النجاح الهائل الجماهيري والفني الذي حققه الفيلم في أوروبا وأمريكا والعالم كله ابلغ رد على هذه الدعاوي,
الفيلم يبدأ بعودة وليم والاس من ايطاليا حيث كان يعيش منفيا بعد ان قتل الانجليز والديه وأخيه,, ويقرر وليم ان يعيش في هدوء يزرع ارضه ويكون اسرة دافئة,, ولكنه يضطر للزواج سرا من حبيبته حتى لايتركها ليلة عرسهما للحاكم الانجليزي كما كان متبعا في ذلك الوقت,, ولكن عندما يعلم الانجليز يقتلون حبيبته,, ويتحول المحب العظيم الى ثائر عظيم يقود شعبه ويهزم المستعمر الانجليزي ويحقق انتصارات اشبه بالمعجزات، بل ويهدد عرش الملك الانجليزي,, ولكن السادة النبلاء يخدعونه بعد ان وعدهم الملك الانجليزي باقطاعيات، ويتركونه وحيدا في ميدان القتال فيهزمه الانجليز، بل ويخدعون الفارس الرومانسي مرة اخرى وينجحون في تسليمه للانجليز ليعدموه وهو يصرخ الحرية ,
ويؤكد د, أحمد يوسف ان الميزانيات الضخمة التي وفرتها شركة فوكس الهوليودية اعطت للفيلم مصداقية حقيقية، وخاصة المعارك التي تنقل المشاهد فورا الى قلب الاحداث، الحشود الضخمة والاهتمام بكل التفاصيل مثل الملابس ونوع الاسلحة وغيرها,, بالاضافة الى تكاتف العناصر الفنية, فالموسيقى تم اختيارها من التراث الشعبي الاسكتلندي وهو ما وفر مناخا ملائما للاحداث,
كما ان المونتاج في رأي د, أحمد يوسف كان بطلا رئيسيا في المشاهد الرومانسية مثل القطع المتبادل بين والاس وحبيبته، واستخدام الاظلام بحرفية عالية كما لعب المونتاج دورا هاما في المعارك، فكثير من المشاهد تم تصويرها بالحركة البطيئة لتعميق الاحساس لدى المشاهد, وكذلك التنويع في اللقطات حتى يشعر المتفرج وكأنه يشارك في المعركة,
والطريف ان الذين وقفوا ضد وليم والاس محرر اسكتلندا في القرن الثالث عشر، هم أنفسهم الذين هاجموا فيلم القلب الشجاع الذي يحكي حياته في القرن العشرين,
فالنبلاء القدامى خذلوا المحرر العظيم وسلموه للانجليز، والنبلاء الجدد أصحاب المصالح مع بريطانيا يرفضون استقلال اسكتلندا وهاجموا بشراسة الفيلم,
وعندما عرض الفيلم في اسكتلندا يوم 3 سبتمبر عام 1995 أثار غليانا سياسيا هائلا وتظاهر الآلاف مطالبين بالاستقلال والتفوا حول النصب التذكاري للبطل وكأنه يعيش بينهم اليوم, وقام الحزب القومي الاسكتلندي بطبع وتوزيع اكثر من 140 ألف منشور على الذين شاهدوا الفيلم في اسابيعه الاولى وقالوا في المنشور الآن وقد شاهدتم الفيلم عليكم مواجهة الحقيقة,, كما انضم للحزب القومي في الاسابيع الثلاثة الاولى الآلاف من مواطني اسكتلندا,
ولم يقف التأثير عند حدود اسكتلندا بل امتد إلى دول اوروبا وأمريكا، حتى ان الكثير من السياسيين البريطانيين المعروفين بعدائهم للاستقلال قالوا: علينا اخذ فكرة الاستقلال بجدية اكثر, بل واثبت اقتراع للرأي ان 64% من الاسكتلنديين يعتبرون انفسهم غير بريطانيين,
بل وتفاءل قائد الحزب القومي الاسكتلندي الكس سالموند وقال: التغييرات التي تحدث الان عقب عرض الفيلم يمكن ان تكون بداية للشروع في تحقيق الاستقلال,, وهو ما أصاب اعداء الاستقلال بالذعر حتى ان أحد أعضاء حزب العمل سرب معلومات مغلوطة للربط بين قادة الحزب القومي واثنين من النصابين,
أما الاكثر ذكاء في الذين هاجموا الفيلم والاستقلال، فقد تحدثوا بلغة الاقتصاد، حيث قال بعض المعارضين ان بريطانيا تمد الاسكتلنديين بالمال، كما ان هناك مصالح مشتركة في الصناعة والتجارة وكافة المجالات, ولكن رئيس الحزب القومي وهو خبير اقتصادي رد قائلا: هذا الكلام مردود عليه بعشرات الاسانيد والارقام، ولكن يكفي ان اقول انه إذا حدث الاستقلال فسيعود بترول بحر الشمال الى اصحابه الاسكتلنديين فلن نواجه اي مشاكل,
ومن الصعب أن ننهي هذا الموضوع قبل ان نشير الى تساؤل د, أحمد يوسف: متى نرى ملاحمنا الشعبية على الشاشة الفضية؟ ومتى يصبح لدينا عشرات الافلام بوزن فيلم صلاح الدين الأيوبي,
سعيد إبراهيم