عندما تصبح النفس موضوعاً للتأمل 5-5
د, حسن البنا عزالدين
ولكن الفرزدق يعمق هذا الملمح في شعره على نحو خاص في مثل قوله
أفاطم! ما يدريك ما في جوانحي
من الوجد والعين الكثير سجامها
فلو بعتني نفسي التي قد تركتها
تساقط تترى، لافتداها سوامها
لاعطيت منها ما احتكمت ومثله
ولو كان ملء الأرض يُحدى احتكامها
فهل لك في نفسي فتقتحمي بها
عقابا، تدلى للحياة اقتحامها
لقد ضربت، لوأنه كان مبقيا
حياة على اشلاء قلبي سهامها
قد اقتسمت عيناك يوم لقيتنا
حشاشة نفس مايحل اقتسامها
فكيف بمن عيناه في مقلتيهما
شفاء لنفس، فيهما، وسقامها
اذا هي نأت عني حننت، وان دنت
فأبعد من بيض الأنوق كلامها
أفاطم ما من عاشق هو ميت
من الناس ان لم يرد نفسي حسامها
ولجتِ بعينيك الصيودين مولجا
من النفس ان لم يوق نفسي حمامها
فهو، مثل ذي الرمة، يستخدم مفردات الوجد والعين الى جانب النفس, ولكن الفرزدق هنا يكشف، في قصيدة واحدة، عن ولع بحضور النفس في حواره مع الآخر/فاطم؛ فيما يشبه المعجم الخاص به الذي ترتبط فيه النفس دلاليا بالموت والمعاناة، ويصرح الفرزدق في مثل آخر بانقسام النفس الى نفسين؛ قال
لكل امرىء نفسان: نفس كريمة،
وأخرى يعاصيها الفتى أو يطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى
اذا قل من أحرارهن شفيعها
ولا شك ان النفس هناتأخذ أبعادا من التصور القرآني ومعجمه للنفس، ولكن المهم أن الفرزدق وكثير عزة ومجنون ليلى وذا الرمة جميعا اعطوا لهذا التصور الديني والفلسفي ضمنيا بعدا شعريايتكامل معهما، ويضيف لمسته الخاصة التي لايهتم بها عادة كل من النص الديني أو الفلسفي الخالص,
فإذا انتهينا الى ذي الرمة، آخذين هذا الملمح من تنامي الوعي الكتابي لدى شعراء عصره من خلال استخدام مفردة نفس في الحسبان وجدنا بروزا واضحا للوعي بالذات وهو الذي نصفه بأنه وعي كتابي في شعره، يتمثل في استخدامه مفردات شعرية بعينها بالاضافة الى مفردة النفس مثل العين والوجد والتشبيه بالكتابة في منظر الاطلال، وكل هذا يشكل في النهاية الوعي الكتابي لدى ذي الرمة في مقابل الشعراء السابقين له، وفي مواجهة الشعراء المعاصرين له كذلك، كما يشكل رؤية ذي الرمة للعالم, وهي رؤية تظهر في قصائده مجتمعة،ومنفردة، على السواء من خلال التفسير, والتفسير، كما يقول ريكور،كما أشرنا في فصل سابق، عملية ينكشف عنها أنماط جديدة من الوجود، أو أشكال جديدة من الحياة، وهي اشكال تعطي الذات الفاعلة مقدرة جديدة على معرفة نفسها، واذا كانت مرجعية النص هي مشروع عالم ما، فليس القارىءاذن هو الذي يعطي فكرة صحيحة عن نفسه مبدئيا،بل توسع مقدرته على توضيح نفسه من خلال تلقي نمط جديد من الوجود من النص نفسه,
تدخل النفس في شعر ذي الرمة في سياقات مختلفة؛ فالحمار الوحشي ينازعه من نفسه مورد بعينه للماء، وتحول كبرياء النفس بين الحمار الوحشي والهرب في موضع آخر،كما أن النفس تعصي الشاعر بسبب من دعوة الهوى التي لا تقاوم،ويمكنأن نعطي هذا مثالا مكثفا منه؛ قال
فمازال عن نفسي هلاع مراجع
من الشوق حتى كاد يبدو ضميرها
عشية لولا لحيتي لتهتكت
من الوجد عن أسرار نفسي ستورها
فما ثنيُ نفسي عن هواها فإنه
طويل على آثار مي زفيرها
فما أيأستني النفسن حتى أريتها
بحومانة الرزق احزألت خدورها
الهلاع: أن تخفَّ وتجزع, والخفة - هاهنا - من الدهش، كأنه مدهوش من الجزع, ويروى من الوجد وستور: أي ستور الأسرار, ماثني نفسي: ما رد نفسي عن هواها؟ والزفير: أن يزفر وينحط أي: يرد النفس الى داخل,رأيتها، أي الأظعان الحومانة: القطعة من الأرض الغليظة والزرق: أكثبهة بالدهناء أحزألت خدورها: استقلت وشخصت, الخدور: الهوادج,
كما أن ذا الرمة يستحضر النفس في موقف الاطلال وموقف الظعائن في القصيدة نفسها: مرة يحدثها، وأخرى تكاد تنخلع خوفا؛ قال
أقول لنفسي واقفا عند مشرف
على عرصات كالرسوم النواطق
كأن فؤادي قلب جاني مخافة
على النفس اذ يكسين وشي النمارق
كذلك يجتمع عنده موقف جيشان النفس وتمنيتها اتصالا بالاطلال وصاحبتها في القصيدة نفسها كذلك؛ قال
تجيش الي النفس في كل منزل
لمي ويرتاع الفؤاد المشوّق
عداة أمنّي النفس أن تسعف النوى
بمي وقد كادت من الوجد تزهق
وعلى الرغم من أن الشعراء الآخرين اتخذوا من النفس استعارة بديلة للخليلين التقليديين في موقف الاطلال، وفي غيره من شعر الغزل الاموي قد نرى ذا الرمة يحتفظ بهذين الخليلين مع ذكر النفس في الوقت نفسه؛ قال
خليلي عدا حاجتي من هواكما
ومن ذا يواسي لنفس الا خليلها
كما قال ايضا مناظرا بين حديث نفسه وحديث مي له
خليلي لماخفت أن يستفزني
أحاديث نفسي بالهوى واحتمامها
تداويت من مي بتكليمة لها
فما زاد الا ضعف دائي كلامها
كما أن مي تصبح موضوع حديث النفس في وجود الأصحاب كذلك؛ قال
وان لا يني يامي من دون صحبتي
لك الدهر من احدوثة النفس ذاكر
وقد يكون من الطريف ان نذكران ذا الرمة بدأ شعره، كما ورد في تاريخه، بقوله في أول هذا الرجز وآخره
،- قلت لنفسي شبه التفنيد
هل تعرف الأطلال بالوحيد
،- والموت يلقي أنفس الشهود
وأنهاه أي شعره بقوله:
ياربِّ قد اشرفت نفسي وقد علمت
علما يقينا لقد احصيت آثاري
يامخرج الروح من جسمي اذا احتضرت
وفارج الكرب زحزحني عن النار
فكنه بدأ من النقطة نفسها التي انتهى اليها: نقطة حديث النفس للنفس، نقطة النفس الروح الموت الكتاب المؤجل، وفيه كل آثار المرء محصية,وبينهما كان جمثانه في الركب ونفسه رهينة ؛ قال
وفي الركب جثماني ونفسي رهينة
بزينب لم أذهب بها حيث أذهب
وبطيعة الحال تحتاج كل هذه الامثلة مرة أخرى الى مزيد من التحليل، واعطاء ملاحظات حول تمايز الشعراء في استخدامهم مفردة النفس، على نحو ما لا حظ الصديق الدكتور سعيد بحيري، فقد ذهب مثلاالى أن ذا الرمة يبدو قريبا في استخدامه النفس من امرىء القيس، كما ن الفرزدق قريب من الحس القرآني للمادة نفسها، في حين ان العذريين بعيدون عن هذالحس، وبالطبع يمكن ان تتضمن هذه الملاحظات نتائج بعينها مهمة، ولكني أردت أن أطرح هنا الموضوع واعيد النظر فيه، من منظور الوعي الكتابي، أو الذات الكتابية في الشعر قبل الاسلام وبعده، تمهيدا لفتح آفاق للموضوع في جوانب أخرى من الشعر العربي نفسه، من جهة، وادخاله في مجال البحث المعاصر حول النفس والكتابة,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved