وعلى ذات النهج الذي خطه اسلافه، جيل ما قبل السبعينات الميلادية في سودان الثورة الفكرية : فارس الكلمة الجسور، صلاح احمد ابراهيم في ديوانه البهيج السابق غابة الأبنوس وديوانه المثير اللاحق غضبة الهبباي ، بكل ما زخرا به من تجسيد وتمثيل لمدرسة الغابة والصحراء,, ومحمد المكي ابراهيم الذي أحيا موات الأرض بغانية عصرها بعض الرحيق أنا,, والبرتقالة أنت ,, وعبدالهادي الصديق في وقفته النبيلة، مشنفا آذان الخلائق برائعته الماتعة نقوش على قبر الخليل ,, وكوكبة أخرى يضيق عن تناولها المجال,, على ذاك النهج،ووفق تلك الخطىيشق طريقه اللاحب شاعرنا فضل محمد فضل على سفينة بالغة البهاء،وهي تمخر به عباب بحر لجّي يتيه فيه الملاح طورا,, ويهتدي ,
يبدأفضل محمد قصيدته انت وصمت الأمنيات موجها سؤالا، بل تساؤلا،ربما ظل حبيس جوانحه بضع سنين، الى تلك التي لها في نفسه مكانة سامقة,, يسائلها عن سورة الغرام اذا تأجج أواره نارا حراقة تكوي الضلوع كيا، بينما أصل الاسى ثابت في أعماق جوفه كشجرة فارعة الجذع مسترسلة الجذور في باطن الثرى,, ثم انظر الى الصورة البديعة المتمثلةفي استخدام الشاعر الاستعارة، فيما يخلفه استزراع الاسى في الجوف,, لهيبا لاينام فهو أي الأسى في استعار دائم لايتمتع حتى بمجرد الغفوة العابرة، ناهيك عن الهجوع الذي قد يطول مداه:
هل حدثوك عن الغرام إذا تأجج في الضلوع؟
,, وعن الأسى المزروع في جوفي لهيباً لا ينام؟
,, لا يعرف الغفو الممهد,, والهجوع,,
ثم يعرج الشاعر بعد حديثه الآنف مع المخاطبة الى ناحية أخرى من حواريته المموسقة:
لو حدثوك تأرجح الحلم الطفولي الجميل,,
على مشارف عرسك المخبوء في جوف الخيال,,
,, وتفتحت أزهار سرك,,تبتغي ألق الهروب الى السهاد,,
فهو يخلص الى النتائج، ويصل الى المعطيات التي تتمخض عن التساؤلات المطروحة في مستهل الحوارية ,,
ثم ان شاعرنا بعد توكيده الجازم لمخاطبته، بأن حالها اذا حدثوها، ستتبدل، وستفاجأ بما لا يخطر لها على بال، الى درجة ستفضل معها الهروب، لاجئة الى السهاد، يمعن في المساءلة:
هل حدثوك عن السهاد؟
وهو لا يكتفي بالمساءلة فحسب، بل إنه يجتاز الفيافي والحزون وصولا الى الغاية المرجوة التي تتمثل في:
لو حدثوك عشقت رائحة الدموع
وشربت كأس الحزن من وجع اليتامى
أدمنت ذاك الحزن حتى أنه,,
,, في وجدك المحموم يبدو كالنعيم
مشاهد من الجمال الأخاذ والأخيلة الواسعة والمعاني النبيلة، يجسدها الشاعر في بوتقة من الصور غير المألوفة في حياة الناس,, فهو يجعل للدموع رائحة تعشقهامخاطبته ويتخذ من الحزن مجسّما رائع الجمال، عذب المذاق، تدمن حبه تلك المخاطبة، ولايلفت ناظريها شيء سواه، حتى أنهالترى الحزن بعقلهاونبض احساسها، وكأنه النعيم المقيم,,
وأسوقك قارئي العزيز الى واحدة من أبهى الصور الفنية التي ما يفتأ يتحفنابها الشاعر المحلق في سماوات الابداع الوريف:
لو مات فينا الحزن أجدبت الحياة,,
,, وتأفف الوجد المنمق أن يغازل مقلتيك,,
أصبحت مثل السرو في قلب الصحارى,,
يعيش ذكرى الماء,, والمزن المطير,,
أيامه عطشى يؤرقها الحنين الى المحال,,
فهو يجعل الحزن سبباقويا للحياة، هو لها بمثابة الماء والغذاء والهواء,, ثم تأمل تارة أخرى أن تكون احدى نتائج موت الحزن أن يتأفف الوجد المنمق ويستنكف من أن يغازل مقلتي المخاطبة,, وأن يبلغ الأمر مداه فيصبح الشاعر ذاته مثل شجرة سرو واقفة في قلب صحراء بلقع,, غير أن وقوفها - كما يبدو للشاعر - ليس وقوفا ممتلئا بالحياة وما تتطلبه من حركة واضطراب يسود جوانبها، بل وقوف متجرد من ذلك، يعيش على ذكريات ماض تليد، على بقايا من حياة كانت رغدة الجانب سهلة القطاف,, فأيامه عطشى تتحرق تلهفا الى معانقة المحال
ثم يمضي الشاعر في اصراره اللطيف، الشفيف، وفي مسعاه الدائب اللاهب، لمعرفة الحقيقة:
هل حدثوك عن المحال؟
فما تلبث أن تأتي الاجابة في أقل من لمح البصر:
أنت المحال,,
يختال في الأفق البعيد
لايطاوله الخيال,,
ويمضي شاعرنا في انسيابيته الحوارية،مثبّتا في ذاكرة المتلقين بعض حقائق لا يصح نكرانها، فهي بمثابة النقش في حجر صلدٍ:
أن أقارب رمش عينيك المحال
أن يرتوي المخبوء من وهج الشعاع هو المحال,,
أن يسلم القلب المعنّى من وميض أسيل خديك,, المحال,,
,,وكل هذه المحالات هي في أصل وجودها، وفي حقيقة تكوينها تجسيد لذات المخاطبة كما جاء في أبيات سبقت,,
وفيما يشبه ثورة عارمة على الأوضاع البالية، ينطلق صوت شاعرنا عاليا:
المستحيل,,أن يكتفي مفتاح جوفي؛
من لظى هذا اللهيب,,
اذا تطاولت الأماني المترعات,, حيث روح الأقحوان,,
حيث تصطرع الحروف,
أن تجرؤ الكلمات بالبوح المؤزر بعد هذا الأحمر المجنون,,
عين المستحيل,
,, وليس لي فيما يتعلق بالأبيات المتأخرة الا المقولة المأثورة: المعنى في بطن الشاعر , تاركا لشخصي والآخرين، المجال مفتوحا للاجتهاد في معرفة الحقائق المبعثرة وغوامض الطبيعة المطروحة في بوتقة الكمون والرقاد والعمل على ابرازها وادخالها دائرة الضوء,
وأخيرا، تكاد حقيقة الأمر حول هوية المخاطبة التي ظللنا نجهل كنهها طيلة مسار الحوارية ، تكاد تنجلي أمام أنظارنا,, فهو في ظني المتواضع يخاطب من هو أقرب اليه عقلا ووجدانا من فلذات كبده، وهو بالقطع ليس أمه أو أباه,, ومما يحسن، لكي يكتمل للصورة بهاؤها ورواؤها، ويتم للحدث وقعه الجميل، ترك الحبل على الغارب فيما يتعلق بكينونة المخاطبة,,
يقول الشاعر:
أنا لا أريدك حادثا,, في عمري الفاني القصير,,
مسربلا بالبؤس,, والحزن المعتق,, والأصيل,,
حيث تنتحر الدقائق والثواني,,
وتموت ساعات الشقاء,, تموت أفراح الطفولة,,
ما أجملها صورة، تتجلىفيها روح شاعرنا المؤمنة بحقيقة رب العباد، وحقيقة كونه سبحانه الباقي الأوحد بينما اعمارنا نحن البشر اقصر من ان تحد بحدود زمكانية، ثم النظر في هذا العمر الفاني وقد تسربل بالبؤس، ولفه الحزن، وفرد الأصيل جناحيه على جسده الواهي، صورة بهية من البيان الساحر,, والاستعارات الباعثة في الأرواح جوا من الهدوء والسكينة,
ثم ان لي ملحظاً على البيت:
وتموت ساعات الشقاء وتموت افراح الطفولة,,
,, فليت الشاعر يقوم بتعديل البيت ليكون على سبيل المثال:
وتموت ساعات الشقاء,, تموت أفراح الصغير
فوجود الواو في قولنا وتموت مما يخل بوزن البيت,, ونكون بالتالي قد خدمنا البيت السابق له وزنا وقافية,
ويمضي الشاعر فيقول:
أنالا أريدك نبتة مزروعة,, في بهومنزلنا العتيق
بل زرعها من قبل آلاف السنين,,
وتحت ظلالها لعب الجدود,, وهم صغار,,
وتشربوا المجد التليد,,
أو زرعها في مقبل الأعوام,,
لايطول ثمارها الا الأماني الحالمات,,
في هجعة الثلث الأخير,,
ولي بعض ملاحظات على الأبيات المتأخر ذكرها احصرها في:
قول الشاعر:
أنا لا أريدك نبتة مزروعة في بهومنزلنا العتيق
فالنبتة الواحدة لا تزرع، وانما تغرس غرسا، بينماالزراعة عندي تكون للشيء الكثير الوفير,,
أما البيت: بل زرعها من قبل آلاف السنين
فأتصوره أكثر جمالا، وأقرب للكمال صورةً اذا عُدل ليصير على وجه التمثيل:
ولربما غرست على أيدي الحفاة الغابرين ,,
ثم يقول الشاعر:
وتحت ظلالها لعب الجدود,, وهم صغار,,
والذي أرى أن عبارة وهم صغار انماهي من قبيل فضول الكلام وتحصيل الحاصل, اذ إن المعنى بدون هذه العبارة يكون أكثر اكتمالا,, وأقرب للمنطق السليم,, وبأقل المفردات,,
ثم تأمل أخي القارىء، ذلك التغيير الطفيف في التصوير الشعوري عبر الرؤية التي طرحنا:
وتحت ظلالها لعب الجدود,,
وتشربوا المجد التليد,,
افلا يكون الكلام بهذه الكيفية أوقع في القلب وأخف لدى الخواطر وأقرب للذائقة السليمة,,
وأخيرا، يلقي الشاعر عصا التسيار، وتأتي خاتمة المطاف متناسقة، متساوقة مع منطوق العقل والعدل في مسألة الثواب والعقاب، مستخدما ذات الاداة التي استخدمها في جل مراحل تكوين الحوارية الا وهي الاستعارة المكنية,, فانظر مليا أخي القارىء واطلق لخيالك العنان في تصور الحقيقة وهي تسعى برجلين قويتين وتعانق, بيدين ممتدتين بكل ضروب الخير، مضفية على نجمة شاعرنا شيئا من دفء صدرها الحاني، ثم ازدد تخيلا واعجب لرؤية الأماني وهي تراود النجمة إياها,, كل ذلك يتحقق في حال نزولها أرض الشاعرالرحيبة,,
يانجمة الليل الحزين,,
,, لو تنزلي أرضي تعانقك الحقيقة:
الموت خير!!
,,أو تنزلي أرضي تراودك الأماني:
الصمت خير!!
لكنني أنا لوصمت
من يسكت القلب الموشح بالأسى
من مغازلة العذاب؟!
هذا، ولا يخفى على صاحب الحاسة الشعرية الصادقة، الصبغة العامية الواضحة في لغة الشاعر التعبيرية في ختام حواريته,,
وأخيراً
ليعذرني الشاعر، وليعذرني القارىء الكريم، وقد أمعنت في اقحام نفسي اقحاما، وأنا أدور في حركة حرة وأعبر أجواء مدار يخصه وحده وحسب، أن أشطط في ممارسةهوايتي الجامحة، مختتما اجتهاداتي التي تحتمل الخطأ بقدر درجات احتمالها الصواب، باجراء بعض تعديل في آخر كلمات الشاعر,, فأقول ليستقيم الوضع حسب ظني:
لكنني إما صمت
,, فمن ترى يانجمتي,,
,, من يسكت القلب الموشح بالأسى
,, من مغازلة الضنى!!
وفي نهاية المطاف، عذرا للإطالة على القارىء الكريم,, ولكنه التصميم على إبراز اللفتات الجميلات، واللمحات المشرقات لعزيز، رفيع قدره عندي، عرفته ناثرا لماحاً قبل معرفتي إياه شاعرا صداحا,, وعلى الله قصد السبيل,