تدقيق المصطلحات المسرحية
أ,د, كمال الدين عيد
في عام 1991م أشرفتُ مع الاستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي أستاذ النقد المسرحي ونائب رئيس جامعة الاسكندرية على رسالة ماجستير للطالب الأردني منور غياض الربيعات عنوانها الأسس النظرية للمعامل المسرحية - تطبيقا على مختبر جامعة اليرموك,
وكعادة البحث العلمي يضطر له للولوج من نقطة صغيرة إلى عالم ممتد الاتساع، خاصة إذا كان الموضوع جديدا، وليس له مصادر علمية سابقة مباشرة او غير مباشرة, وكان لابد من تدقيق بعض المصطلحات المنثورة على مسارح العالم عربية وأوروبية وأمريكية قبل الدخول في معمعة الرسالة، والتي كان النصف الثاني من القرن العشرين ارضا صالحة لانتشار هذه المصطلحات، والاختلاف والاتفاق على معنى مصطلحاتها, وأذكر انني وجهتُ الباحث الى ضرورة الفصل في المصطلحات على أساس خصائص المصطلح وطبيعة العمل، وكان أمامنا أربعة مصطلحات سائدة عالميا وفي الوطن العربي، وهي المعمل المسرحي، المختبر المسرحي، الورشة المسرحية، الاستوديو المسرحي, وأمام خاصية المصطلح، وطبيعته كان لابد ان تبرز لنا الفروق لتدقيق المصطلح حتى ولو كانت هذه الفروق طفيفة في بعض الاحيان,
وقد اتضح لنا في مسار البحث تحليل الاتجاهات للرواد المسرحيين الذين اسهموا في تطوير فن المسرح, وكانت الاتجاهات تحديدا في المحاور التالية:
1- رواد مسرحيون عكفوا على تطبيقات المهنة، ولم تتهيأ لهم الفرصة للتنظير، كما لم تشغل بالهم الاحكام والقواعد,
2- رواد آخرون شغلوا بوضع القواعد والمقاييس النظرية، ولكن لم يوافق او يصاحب ذلك تطبيق لنظرياتهم,
3- رواد مسرحيون جمعوا بين النظرية والتطبيق, حددوا القواعد وسمحت لهم ظروف اعمالهم بتطبيق ما قدموه من نظريات في فنون المسرح,
4- رواد اشتغلوا بالتطبيقات العملية في المعامل المسرحية، ثم نظّروا بعد ذلك لتطبيقاتهم, وهذا المحور الرابع هو الذي فتح الباب على مصراعيه لتجارب المختبرات والمعامل بل وللاستوديوهات المسرحية، لاجراء التجارب العملية ونقلها - عبر الاستوديو - إلى الجماهير,
* المعمل المسرحي Laboratory Theatre
ولفظة المعمل في اللغة هي من فعل عمل عملا,, أي فعل فعلا عن قصد, أما معناها اصطلاحا فهو مكان يُجمع فيه العمال وآلات العمل، وهو المختبر الذي تجرى فيه التجارب العملية، جمع معامل 1 أما تعريف المعمل عند د, إبراهيم حمادة، فهو دار للمسرح او ما يعادلها تتخذ كمعهد معملي لتدريب الممثلين والحرفيين, كما تجرى فيها تجارب واختبارات وبحوث تتصل بتطوير وسائل المعارف المسرحية المختلفة التي تضمها المهنة كالديكور والتمثيل والاخراج والاضاءة والمهمات المسرحية الاكسسوار, واذن تتحدد معالم المعمل في مكان للاختبارات والتجريب، ليس من اجل القيام بالعروض المسرحية، بل للغور في تحليل اللعبة المسرحية بحثا عن مكامن الطاقة عند مجموعة الممثلين الذين يتعلمون منهج التدريبات المعملية لتخليصهم من الأساليب المحفوظة المكررة، وتمكينهم من كشف ذواتهم، وتوظيف امكانياتهم الجسدية والنفسية,
* المختبر المسرحي Theatre Lap.
المختبر لغة مأخوذ من الفعل خبر وخبر الشيء أي فحصه وتأكد منه, أما اصطلاحا فهو المكان الذي تجرى فيه التجارب العملية 2 , واذن يطلق لفظ المختبر على المكان الذي يتواجد فيه مسرحيون يجرون بعض التجارب الصوتية والجسدية، وقد تجمع تجارب في الديكور او المناظر او الاضاءة، دون سابق معرفة بالنتائج المستقبلية, ثم تتبع المرحلة الثانية في عمل المختبر، وهي حذف ما غير مطلوب، واضافة ما هو جديد أو جدير بالدراسة والفائدة, ولعل لفظة مختبر تكشف لنا عن طبيعة العمل, فهو ليس مسرحا بالمعنى المألوف, بل لعله أقرب ما يكون إلى معهد باحث في المجال المسرحي خاصة فن الممثل, ويمكن اعتباره مكانا يهدف إلى الجمع بين المعلومة الفنية والعرض, مفيدا بذلك رجل المسرح والعاملين في مجالاته المختلفة ولا يقدم المختبر عروضا مسرحية إذ ان ذلك ليس من اهدافه, ان اهم اهدافه يكمن في اكتشاف عناصر العرض المسرحي ثم دراستها واختبارها والبحث عن طرق تطويرها عن طريق التجربة العملية او التجريب المسرحي,
* الورشة المسرحية Workshop
وهي المكان الذي يتم فيه تجهيز واعداد الديكور المسرحي, وقد استخدم المصطلح تجاوزا في مجال التطبيق العملي في الفنون 3 بمعنى مجموعة من الاشخاص يكونون فرقة مسرحية يقومون من خلالها بالتأليف الجماعي، والتمثيل الجماعي، والاخراج الجماعي أيضا,, أي ورشة عمل مسرحية تقوم من اجل هدف معين، ولمدة محدودة تنتهي بانتهاء الوصول الى الهدف, يقوم منهج الورشة على التجريب بالدرجة الاولى,, تجريب في اكتشاف الصدق، وآخر في السيطرة على الذاكرة الشعورية، وتجريب ثالث بتخيل اماكن عدة, وكلها مناهج عالمية في التمرين تنطق بديمقراطية العمل في الورش المسرحية,
إن اشهر ورشة في المسرح الحديث هي ورشة المخرجة الانجليزية جوان ليتلوود Joan Little wood من مواليد 1914م, أقامت الورشة عام 1945م متجهة بها إلى الريف الانجليزي، وفي عام 1953م استأجرت مسرح رويال Royal في العاصمة لندن بأحد الاحياء العمالية, وعرضت ورشتها مؤخرا عام 1955م بمسرح الامم في باريس, تميزت ورشتها مؤخرا عام 1955م بمسرح الامم في باريس, تميزت ورشتها المسرحية بالتدريب على التعامل مع فن الارتجال، ثم مع كوميديا الفن الكوميديا دى لارتي، وجربت في اعمال المسرح الملحمي عند برتولت برخت، ودربت مشتركي ورشتها على منهج التمثيل عند استانسلا فسكي,
وعبر البحث العلمي في المعامل المسرحية عالميا اكتشفت ان الاستوديوهات التي قامت تحت اسم وتعبير اللفظة استوديو
Studio تخصصت في اعداد الناشئين والمتدربين الجدد في التمثيل والاخراج على اسلوب تدريبي محدد وفق خطة تمارين عملية ونظرية مسبقة بهدف تنمية القدرات الابداعية وتنقيتها حركيا ونطقاً، بعيدا عن العروض المسرحية العامة, وهو ما قامت به استوديوهات تاروف، فاختنجوف، مايرهولد
A. Tairov, J. Vahtangov, V. Meyerhold لكنه من المؤكد ان هذه القلاع الفنية مختلفة المناهج والاهداف - حتى وان تقاربت او تشابهت احيانا - قد قامت بفضل ما قدمه مطورون عمليا ونظريا مثل أندريا انطوان، ساكس مايننجن، أدولف آبيا، ماكس راينهاردت، جوردون كريج، أنتونين، آرتو، برتولت برخت
A. Antoine, S. Meiningen, A. Appia, M. Reingardt, G.Craig, A.Artaud, B.Brecht.
أما الاستوديوهات المسرحية فهي عديدة في روسيا والولايات المتحدة عند مايرهولد، فانتنجوف، إليا كازان، ايرفين بيسكانور، يوري زافادسكي، لي استراسبورج V.Meyerhold, J.vahtangov, E.Kazan, I.Piscator, J.Zavadski, L.Strasberg.
وفي فن التدريب المعملي نعثر على معامل مسرحية عند ستانسلافسكي، جاك كوبو، بيتر بروك، جرسى جروتفسكي K. Stanslavski, J.
Copeau, P. Brook, J. Grotovski ثم نصل إلى الفروق الدقيقة التالية:
1- المعملية تعني اعداد فريق مسرحي، وتأهيله جسديا وذهنيا وفنيا بتدريبات فنية محددة يخضع لها الممثلون داخل المعمل المسرحي,
2- ان المعملية لاتعني التجريب بالضرورة لكن قد يكون التجريب جزءا من تدريبات المعمل او المختبر او الاستوديو,
3- ان الفرق بين المعمل والاستوديو، هو ان الاخير يعد ممثلين لديهم خبرة سابقة بفنون المسرح، وعملهم في الاستوديو لزيادة الخبرة وتعميق القدرة الابداعية الخلاقة, هذا بينما يركز المعمل على اعداد الناشئين الهواة ممن لم يسبق لهم العمل في المسرح,
4- يفصل المعمل بين التدريب المعملي الموجه للممثل الناشئ وبين التدريب التجريبي المخصص لاعداد العرض المسرحي,
5- يخلط المعمل مجموعة تمارين تستوعب كثيرا من الاتجاهات والمدارس المسرحية المختلفة بغية التدريب للوصول الى طريقة محددة تفيد الممثلين من خلال التمارين, اما الاستوديو فيلتزم بتدريب منهج واحد لصاحبه,
ومع كل ما تقدم, فان كل تلك الخصائص لا تمثل قاعدة ثابتة، بل هي عرضة للكسر او الخلل في المعمل او الاستوديو, الدليل على ما نقول ذلك الخلط الذي يحدثه معمل جروتفسكي بين تدريبات الممثل المخصصة لجسده وذهنه وبين التدريبات التجريبية على عروضه امام الجماهير، حيث يصبح الجمهور طرفا في تلك الاختبارات المعملية,
هوامش
1 د, إبراهيم أنيس وآخرون, المعجم الوسيط ج1 ط2، 1973م,
2 نفس المرجع السابق ص215,
3 د, إبراهيم حمادة، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية, القاهرة 1971م,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved