أرخى الأدب الشعبي سدوله على الساحة الفنية في مدينة صامطة فتشكل في قوالب تختلف اشكالها تبعا لاختلاف الاغراض والمناسبات,
بيد ان جميع اشكال الأدب الشعبي في جازان لم يكتب له الظهور على أرض الواقع لتفهم كلماته وتتضح معالمه ومقاطعه لأنها لم تحظ بالاهتمام الذي حظيت به الألوان الشعبية التي ظهرت في باقي البلاد العربية، فأغلب منظوم هذه المنطقة اندثر وضاع بموت اصحابه ولم يبق إلا أشلاء، كباقي الوشم في ظاهر اليد,
فبرز شعر المناسبات الذي كان له صدى في المهرجانات التي حفلت بها ارض المملكة ففي الاعراس كانت الاشعار البسيطة قريبة المعاني واضحة المغزى وهذه الأبيات عبارة عن مقاطع صغيرة تفوح منها رائحة السرور والغبطة,, ومن ذلك يقولون في ليلة العقد:
محمد عقد وشاهد ربه
حتى امطر نزل فيه عقده
محمد عقد وعقده هوله
هزا مبلا وهز العيلة
ومعنى ذلك ان هذا العريس الذي تم عقد قرانه وهو مشهود له بالصلاح قد بارك الله في ذلك العقد وأنزل خيراته العميمة، وتجمع فيه ابناء بلدته وعائلته,
وقالوا ايضا:
العبوا يا بنات لأختكن
ذا من الله وذا حظكن
العبوا وكبوا أمكلام
وامتكبر على الله حرام
بمعنى:
يا أخوات العروس وياصديقاتها قمن للرقص ابتهاجا بعرسها لأن ذلك كان نصيبها من خالقها ولم يأتي نصيبكن بعد,
وافرحوا العريس واشعروه بالبهجة ولاتذكروه بمكروه ولا تتكبروا على أختكن فذلك حرام,
ليلة النقلة:
وهي الليلة التي تنتقل العروسة من بيت الأهل الى بيت الزوج حيث تتبعها المنشدة للشعر الذي يطلق بنبرة حزينة لفراق الأهل والبيت الذي عاشت وتربت بين حناياه,, فقالوا:
شلها وسرى
وامها ترى
شلها وسرى
والعالم ترى
صندوق سيسم
وارد جيزان
من سباعته
حط راحته
عدها الوف
في ديار الشيوخ
ومعنى هذا أخذ العريس عروسه وذهب ليلا على مرآى من أمها الحزينة لفراق ابنتها والناس الذين حضروا ليفرحوا بها وهذا العريس قد احضر لها صندوق يسمى السيسم وهو من أجود وأبهى أنواع الصناديق الموجودة حيث الزخارف والزينة التي توجد في ظاهر هذا الصندوق الذي كان يجلب النوع الاصلي والجيد منه من مدينة جازان حتى تضع فيه العروس ذهبها ومجوهراتها الثمينة التي حصلت عليها كهدية زواج ومناسبات اخرى,
ولقد نال هذا العريس راحة البال واطمئنان النفس بزواجه من هذه المرأة المهذبة التي دفع مهرا آلافا مؤلفة بديار العز والشرف,
يقدم الرجل الى بيت زوجته تزفه الفرحة على بساط من ذهب يحس وكأن نسيمات الهواء تهنئه بعرسه وبقطفه لزهرة تفوح بالعبير الجازاني فيقف ليسمع تلك التي تقول:
عمته رحبي به
فرشي له أم شباري
والله ما يشأ امشباري
يشأ امصبية وساري
قد أتى هذا الرجل الى أم العروس عمته فعليها ان ترحب به وان تبسط له السرر الشباري التي مفردها شبرية أو قعادة غير ان هذا العريس لا يريد السرر المزينة وانما يريد العروس الصبية ليذهب بها الى بيته,
لمنطقة جازان عادة رائعة في توديع العروس,, فهم يستقبلونها بالترحيب والمدح ويودعونها بالمدح ايضا مما يبين قيمتها في بيت الأب وبيت الزوج على حد سواء؛ فالمرأة لها تقديرها واحترامها داخل المجتمع الجازاني:
يا عذق كادي
يا عذق كادي
من هو ينور داخل وبادي
يا عذق واله
يا عذق واله
من هو ينور يراوي امعجاله
يا عذق سنبل
يا عذق سنبل
من هو ينور يشهف امبن
أي:
يا شبيهة الكادي في بياضه ورائحته الزكية ستغادرين دار والديك وسيفتقدان دخولك وخروجك وسيذكرانك في كل صباح عندما يظهر النور ويشع على البيت الذي تربيت فيه,
ويا شبيهة عود الواله وهو عود ذو جذور ذات رائحة طيبة يستخرج منه العطور والأطياب، واذا انت ذهبت فمن الذي سيروي العجول الصغيرة التي تعودت عليك,
ويا شبيهة السنابل في البياض والزهو اذا غادرتنا فمن سيحمص لنا البن بعد اليوم,, وهذا جزء من الأعمال التي تقوم بها المرأة النشيطة التي تستيقيظ في الصباح الباكر,
اتودعوها اتودعوها
اتودعوها اتودعوها
بنتي نقيلة من بيت ابوها
اتودعوها اتودعوها
بنتي مع الله بنتي مع الله
بالله زوروني في السنة مرة
***
يا برتكان الشام أخضر وحالي
كبيتني في امبيت وحدي لحالي
وكبت لي تلفون لأجل الضرورة
لهو مشاغلني في أحلى منامي
بمعنى:
يا شيخة برتقال الشام في حلاوته وشكله الرائع لماذا تتركيني في البيت وحدي لا مؤنس ورفيق فاشتد شوقي اليك كثيرا فأحضرت جهاز التلفون فأقلق منامي,,
جنب عليّ امزين موزر بنقشي
استغفر الله احسب امشهر يمشي
أي:
مرت عليّ الجميلة المتزينة بنقش الحنا فأضاف الى جمالها جمالا فخلت القمر أقبل ماشيا على الأرض,
واحنا منقلين بك يا قنا يا زين
واحنا منقلين بك يا كحيل العين
واحنا منقلين بحاشد ويامي
لأجلك يا خيتي قعود وقيامي
واحنا منقلين بسكبة تسمى
من يوم خلقن بين امدغم تغضي
واحنا منقلين بصيدة امدارة
قدام صديقة لي واليوم قديك جارة
واحنا منقلين بحلقة امخبوت
قد شلها محمد ومن ضغى يموت
واحنا منقلين بعلقة امصيفي
وامك توصي بك لمجار وامضيف
واحنا منقلين بعلقة امخريف
وامك وتوصي بك لمجار وامضعيف
أي:
ان هذه العروس التي سيتم ايصالها الى بيت زوجها تمتاز بصفات جعلتها تظهر أمام زوجها كالرماح الطويلة الى جانب كونها كحلاء العين وهذا ما يتغنى به الناس في القديم والحديث,
أتى الناس من كل القبائل لأجلك فهم قعود وقيام أضف الى ذلك كله انها تجمع بين الصفات التي جاءت في الحديث الشريف تنكح المرأة لأربع، لدينها ولجمالها ولمالها ولحسبها ويفسره قولهم بين أمدغم تغضى والدغم هي البقر حيث كان مقياس الغنى عند العرب تتمثل في كثرة الماشية والابقار,
ثم ترجع الأبيات للحنها الحزين عندما تتذكر الأم ان ابنتها التي عاشت معها كبرت على مرآى من عينيها سوف تغادرها وتسكن في منزل آخر مجاور لها,, فهي في بيتها وفي البراري كغزال شارد,
وقد شبهت ايضا بعلقة الصيف والخريف وهي أنواع من الشجيرات العطرية التي توضع بشكل مميز على رأس العروس لتتزين به,
إن مما يقال عند وضع الطيب على رأس العروس:
سلام يغشاك ويا حيدر
سلام اربع مية وكسور
ومحجبة داخل قصور
لا ريح يلحك ولا غابور
ومن هذين البيتين يتضح المعنى المضمر وراء كواليس المنظوم يدلل على ان المرأة الجازانية داخل القصور والخدور ومحتجبة محتشمة موقرة لدرجة ان الرياح والغبار لا يصلان اليها,
ياغصن موز حركه ساكن الريح
لا خوخ ولا رمان ولا هم تفافيح
وخدوها مثل فنجان صينا
بالله عطين الصدق بالله عطينا
لاما عطيتي الصدق والله لأصيح
صيحة من قد غدى له جنينا
شبهت المرأة بغصن الموز في نضارته ولينه لاسيما اذا حركته نسائم الرياح,, كذا شبهت خدودها بالفناجين الصينية التي يتميز ببياضه ونعومة ملمسه,, وما دامت هذه صفاتك يا ذات الحسن والجمال فابدي شعورك اتجاهي بصدق واذا لم تصدقي معي فإنني سأطلق صيحة مدوية كصيحة المجنون حتى يعلم الناس أني مجنونك,
وهكذا تبدو الاعراس في صامطة وباقي منطقة جازان على الوجه التقريبي,, الذي تنبض كلمات منظومه بالمعاني الدافئة والأحاسيس المرهفة تجاه العروسين,
هذا وللحديث بقية