كلمات وقراءات
يكتبه/ محمد بن أحمد الشدي
خيول إبليس!!
إن تاريخ منطقتنا الخليجية لايزال أغلبه يحتاج الى الكثير من البحث والتنقيب والمتابعة,, وما رغبت شيئا احب لي من هذه المهمة لو ساعدتني الظروف، ولعل في
عثوري على مثل هذا الكتاب بين آونة واخرى هو ما يمنحني بهجة الاطلاع التي لا يحسها الا كل شغوف بها وبالتاريخ,, فما اجمل ان تتخيل رجاله وعظماءه وهم
يتحركون امامك على صفحات التاريخ - وغباره يجللهم,, وهم يتراكضون في مفاوز الار ض وسهولها,,
واليوم - هذا الكتاب يتحدث عن شريحة معينة من تاريخ هذه المنطقة,, ولا يقدم عظماء بل أبالسة,,!! وقد اجاد الاستاذ/ خالد البسام - معد هذا الكتاب ومترجمه:
قوافل رحلات الارسالية الامريكية في مدن الخليج والجزيرة العربية 1901 - 1906م,, اذ يقول:
،- قبل مائة عام وبالتحديد في 7 ديسمبر 1892م، وصل مبشر امريكي متحمس الى ميناء المنامة بالبحرين قادما من البصرة بواسطة سفينة بخارية,
ويومها كان مجيء القس صموئيل زويمرالى البحرين تعد مسألة خطيرة خاصة وانه يعرف مسبقا ان الاوضاع لم تكن مشجعة كما كان هناك شك كبير في السماح له بالبقاء
بعد مغادرة السفينة,
،- وبسبب هذا الشكوك قام زويمربايداع صندوق الكتب الذي يحوي نسخا من الانجيل والكراريس المسيحية الاخرى اضافة الى حقيبته الطبية عند البريد الانجليزي في
البحرين,, ويقول ايضا المترجم، فقد حافظت قدر الامكان على نص الرحلات نفسها فجاءت معظم الكتابات كما هي بالضبط مع بعض التعديلات الصغيرة هنا وهناك،
وبالطبع الحذف الضروري منعا للاساءة للدين الاسلامي، وفيما عدا ذلك جاءت هذه الرحلات كما كتبها روادها انفسهم بقيادة صموئيل زويمر الذي تجول بخيوله
المتعددة في الكثير من مناطق الخليج العربي وبقيت مع ذلك بعض المغالطات والتشويهات عن المنطقة تركتها لفطنة القارىء حتى لا تؤثر على سياق هذه الرحلات،
وهكذا يبدو ان صموئيل زويمرومعه رفاقه الذين تجولوا في جميع انحاء الخليج بالسفن والجمال والحمير سيجدون مكانا في روزنامة تاريخ الخليج والجزيرة العربية
المهمل لتحكي حقائبهم واوراقهم ومشارطهم حكايات خيل ابليس سندباد البحر والبر الجديد!!,,
،- لقد صدر هذا الكتاب القوافل في البحرين عام 1993م ومادته الاصلية هي عبارة عن حكايات وملاحظات متناثرة في مفكرات عدد من المنصرين والاطباء الامريكيين
الذين قاموا برحلاتهم التي سماها المترجم تبشيرية في منطقة الخليج العربي مع بداية القرن العشرين,
،- وقد قام الاستاذ البسام - بجهد كبير ومشكور من حيث جمع نصوص تلك الحكايات والترجمة والملاحظات المكتوبة باللغة الانجليزية ومن ثم صياغتها باللغة
العربية
باسلوب قصصي شيق، ونشرها في كتاب خاص بعنوان القوافل,
،- ويقع الكتاب في 202 صفحة من القطع الصغير, ومزود بصور ولقطات فوتوغرافية بالابيض والاسود لمن كتبوا تلك النصوص من المنصرين ولعدد من المراكز الطبية
والمستشفيات التي أقامتها ومولتها الارساليات الامريكية في بعض مدن الخليج والجزيرة العربية,
،- يضم كتاب القوافل خمسا وعشرين رحلة مختارة وضع لشخصياتها عنوانات صحفية جذابة نوعا ما واطلقوا عليها مسمى رحلات تجاوزا، ولكنها في الحقيقة كما ذكر
المؤلف في مقدمتها لضافية، هي مجرد تقارير وحكايات وملاحظات وانطباعات سريعة تبدو فيها البساطة والضحالة من ناحية العمق والاستقصاء وهي وان مست معنى
الرحلات مسا خفيفا الا انها تفتقر الى المتعة والاثارة والمعلومات الفنية المهمة التي يبحث عنها كل من تستهويه كتب الرحلات,
،- ولا يمكننا بالطبع ان نلوم الاستاذ خالد البسام - على ذلك فهو قد نقل النصوص بأمانة,, بل يجب ان نشكره على ما بذله من جهد في الترجمة والصياغة والتصرف
في حذف بعض العبارات التي تسيء الى المسلمين والعرب بشكل مقصود كما ذكر وكل ذلك كان لمصلحة تلك المذكرات او العجالات التي كتبها اولئك المبشرون!!,,
،- وهذه النصوص لا ينطبق عليها اسم رحلات بالمعنى الدقيق فكتاب الرحلات يحرصون دائما على اثراء القراء بالمعلومات الكثيرة عن المواقع والاماكن والمدن
وتجسيدها للقارىء - وكأنه يشاهدها - كما يحرصون على اعطاء فكرة واضحة وحقيقية عن اهل البلاد التي يزورونها كأسلوب حياتهم وطبائعهم وتقاليدهم ولباسهم
وفنونهم وطرق تفكيرهم ومصادر معاشهم بشكل مكثف علاوة على التجارب والمفاجآت والمفارقات التي تمتع القارىء وتزيد من حصيلته الثقافية ومثل هذه الامور لا
نجدها في مقالات المبشرين المنصرين الامريكيين الا لماما, فليس من المعقول ان تغطي هذه المقالات القصيرة كل ما يشبع نهم القارىء الى المعرفة والاطلاع
خصوصا وان وقت كل رحلة لم يكن يزيد عن اسبوع واحد ان لم يكن اقل من ذلك,,!!,,
،- ومن هنا لا يمكن ابدا عقد مقارنة بين هذه الرحلات، او الزيارات وبين رحلات ابن خلدون - مثلا في البلاد التي زارها,
،- حيث تحدث في مقدمته الرائعة عن اشياء وامور غريبة ومدهشة وكانت له آراء عظيمة في التاريخ والجغرافية والاجتماع والعمران وعادات وتقاليد وحياة الشعوب
وغير ذلك من الجوانب التي تدرس حتى الان في مختلف جامعات العالم,
،- غير انه يجب عدم تجاهل الجهود التي بذلها هؤلاء الزمرة من الاطباء الامريكيين وكذلك المشاق والمتاعب التي تحملوها خلال زياراتهم وتنقلاتهم البحرية
والبرية على ظهور الحمير مما يدل على حماسهم ومغامراتهم واخلاصهم لتحقيق اهدافهم الشيطانية وطموحاتهم المخربة,,
،- لقد كان عددهم كبيرا ومن اشهرهم صموئيل زويمر، وجيمس مويديك، وشارون توماس، وجيمس كانتين وزوجته البرابيث، وستانلي ميلري، وتايرا جوسلين، وآرثر بينت،
واودوين كاليفيري، وهول فان، وبول هاريسون، ولويس ديم، والمبشرات اليانور، وكورنيو وغيرهم,
،- وقد استهدفت رحلات، او زيارات التنصير الامريكية البحرين حيث كانت المنامة المنطلق الرئيسي لتلك الرحلات في المنطقة خلال ربع قرن من الزمن اي خلال
الفترة 1910 - 1929م - حيث توقفت قوافل التبشير بعد ان واجهت اخفاقا ذريعا في مهماتها المريبة!,, ولقد زاروا جدة والاحساء إذ يقول زويمر:
بعكس كل الرحلات التي قمت بها الى الجزيرة العربية من قبل بدت رحلتي الى الهفوف هذه المرة رحلة كل امتعتها وحقائبها هي الخوف والقلق بل وحتى الارتعاش,
،- وبرغم ان جميع الامور لم تبد كذلك بالنسبة للسيدة زويمر وبائع الكتب اللذين رافقاني في الرحلة الا ان القلق من الرجوع خائبين ظل هو التفكير المسيطر على
عقلي ومشاعري طوال الوقت وبالطبع سرعان ما عرفت ان السبب الوحيد لهذه المشاعر والافكار القلقة هو ما حدث في اول زيارة للقطيف قبل 14 عاما تقريبا عندما
قوبلنا بالصد والرفض في كل شيء وكنا عمليا سجناء للسلطات التركية الحاكمة التي وضعتنا في موضع اشتباه طوال الوقت ومنعتنا من القيام بأي نوع من انواع
التبشير,
،- وعندما اقترب موعد رحلتنا لم أتمكن من نسيان هذا القلق وطرد تلك الافكار المتشائمة الا بصعوبة شديدة,
،- وهكذا أبحرنا من المنامة في صباح يوم الاثنين 24 ابريل 1911م على ظهر سفينة محلية صغيرة متوجهين الى القطيف,
،- وبعد يوم واحد تقريبا من ابحارنا ومع رياح ليست مواتية كثيرا وصلنا الى القطيف عصر يوم الثلاثاء,
،- وبعد انتظار بسيط نزلنا من السفينة الى قرب الشاطىء وهناك كانت الحمير بانتظارنا لتحملنا مع جميع امتعتنا الى البر,
،- ولم تمض دقائق قليلة حتى اخذتنا حمير اخرى الى شاكر افندي - احد المسؤولين الاتراك في القطيف والذي يحمل لقبا رفيعا هو أمير البحر لكي نسلمه رسائل تعرف
بنا,
،- وبجانب المقابلة القصيرة الودية مع شاكر افندي - فلم تعترضنا اية مشاكل بخصوص جوازاتنا او طبيعة مهمتنا بل مضت الساعات الاولى من اليوم الاول بشكل غير
متوقع,
،- ومع انتهاء هذه الساعات والاستقبال الجيد الذي قوبلنا به راحت مشاعر القلق تختفي لتحل مكانها مشاعر جديدة مملوءة بالتفاؤل والثقة وبالطبع لم يكن من
الممكن ان يتغير كل ذلك بسهولة لولا اننا فوجئنا حقيقة ومنذ اللحظات الاولى بأن جميع الابواب مفتوحة لنا بشكل واسع وان هناك تغيرا واضحا في موقف السلطات
التركية هنا تجاهنا وتأكدت ان احد اهم اسباب ذلك يرجع الى زيارة الدكتور وورال احد اعضا ءالارسالية الامريكية في البحرين الى القطيف قبل سنتين,
وبعد انتهاء جميع الاجراءات في مسكن صغير في المدينة خصص لاقامتنا ورحنا نرتب هذا المسكن العتيق ونفتح صناديقنا ثم نأخذ قسطا من الراحة التي لم تدم طويلا
حتى قرع الباب احد الجنود الاتراك واعطانا حصصنا من الطعام لعدة ايام والمتكون من الارز والسكر والطحين وغير ذلك,
،- وفي صباح اليوم التالي خرجت أتجول في القطيف وقد بدت المدينة هي نفسها لا يغيرها الزمن الا بصعوبة,
،- فالقطيف ليست هي الافضل! وسط عرب الاحساء فموقعها منخفض ومعظم سكانها ذو اجساد ضعيفة وطبيعتهم شاحبة ويعانون باستمرار من الملاريا والمدينة نفسها
بناؤها
سيىء وبائس وقذر والرطوبة البشعة هي المسيطرة على الطقس ومع ذلك فان لديها عددا معقولا من السكان وتجارة نشطة,
،- والموقع الحالي للقطيف,, يماثل مستعمرة قديمة جدا اكتشفها الجغرافيون اليونانيون قبل مدة ولكنهم لم يجدوا اية اثار تدل على ذلك,
،- والمياه متوفرة بكثرة حيث تنفجر في القطيف عيون دافئة تروي بساتين النخيل التي تبعد 50 ميلا تقريبا عن سواحل المدينة ولكن هذه المياه مملوءة بالجراثيم
والدود ولذلك فان الناس هنا يعانون بسبب ذلك من الكثير من الامراض المزمنة والتي يعود معظمها لنمط معيشتهم غير الصحية اما الطبقة الحاكمة والقليل من
التجار فهم الوحيدون الذي يعيشون حياة جيدة وصحية نوعا ما,
،- وبينما انشغلت السيدة زويمر في الايام الاولى بعلاج اعداد كبيرة من المرضى قمت ومعي بائع الكتب المرافق واسمه احمد، في محاولة توزيع بعض الكتب!
،- ويقول هذا الابليس زويمر عن زيارته لمدينة جدة,, في بداية اكتوبر 1917م، وجدت بعد محاولات عديدة ان افضل وسيلة للتسلية وقضاء وقت الفراغ الطويل بجانب
القراءة طبعا هو تبادل الحديث وربما الثرثرة احيانا مع قبطان باخرة البريد الفرنسية العائدة من الصين والذاهبة بنا الى مصر,
،- وفي احدى المرات حركني فضولي المتزايد من مواصلة هذه التسلية والثرثرة التي تكون مفيدة في بعض الاحيان فوقتها اخبرني القبطان بأن الباخرة ستكون مضطرة
الى التوقف في مدينة جدة وهي الميناء الغربي للجزيرة العربية لعدة ايام لتلبية طلب شخصيات مسلمة من شمال افريقية وهم عائدون من موسم الحج وسيواصلون الرحلة
الى مصر,
،- وعندما قفز اسم - جدة - الى ذهني وجدت نفسي مستريحا على احد المقاعد في الباخرة تاركا العنان لخيالي ان بالاحرى لذاكرتي من تذكر تلك المدينة لعلها:
زرتها التي زارها مرتين,
،- كانت زيارتي الاولى لجدة في يناير 1891م عندما سافرت الى الجزيرة العربية لاول مرة بعد ان درست قسما من اللغة العربية في سورية ومصر وكان القس الفرنسي
توماس فلبي - وهو اول قس تقريبا من الارسالية التبشيرية يزور الجزيرة العربية هو مرشدنا في السفر عبر السفينة التي ابحرت بنا من السويس بمصر ووصلت الى
ميناء جدة بعد رحلة استمرت ثلاثة ايام، وهكذا كانت جدة هي اول ما وقع نظري في الجزيرة العربية وقد رأيتها من الميناء فبدت المدينة في منظر بديع يروق للعين,
،- وعند رسو السفينة كان مبنى الجمارك هو أول مكان تطؤه اقدامنا في جدة، وبالرغم من مصادرة سلطات الجمارك جميع نسخ كتب الانجيل والكتب المسيحية الاخرى
التي
احضرناها معنا الا اننا لم نجد في الواقع اية صعوبة في الحصول على ترخيص لزيارة المدينة والبقاء فيها عدة ايام,
،- وعبر حقائق معروفة يمكن ان تعرف ان جدة هي الميناء الرئيسي للحجاز وميناء مشهور لمكة المقدسة التي تبعد عنها حوالي سبعة وثلاثين ميلا وهي لكل هذه
الاعتبارات تعد موقعا مهما لكن المدينة منذ تأسيسها في عام 597 ميلادية لم تحظ اطلاقا بأهمية تجارية ولعل سبب ذلك يرجع الى عيوبها الطبيعية من جهة اهميتها
الموسمية التي لا تعين سوى كونها طريقا الى الحج من جهة اخرى!!,,
،- وفي اول جولة لنا في المدينة كانت البيوت العالية والمبنية معظمها على اربعة او خمسة طوابق والمصنوعة من الحجارة المستخرجة من الشعاب المرجانية بالبحر
هي اول ما يستوقف الزائر اليها,
،- لكن جمال هذه البيوت يظهر بشكل واضح في شكل نوافذ مشربياتها النادرة والجميلة المصنوعة من الخشب ذي اللون الغامق والمرتبة بشكل متناسق على جدران البيوت
المبنية من الصخور المرجانية البيضاء,
وعلى عكس جمال البيوت بدت الشوارع داكنة وضيقة كما كان يمكن مشاهدة القاذورات وهي موضوعة امام البيوت او مدفونة بقربها,
،- وبعد بضع جولات في الاسواق ومشاهدة بعض القصور الفخمة ذهبنا الى خارج سور المدينة لزيارة ام البشرية جمعاء حواء والتي سميت جدة للدلالة على هذا الاسم,
،- ومن المدن التي زارها اولئك الأبالسة ايضا مسقط ونزوة في عمان وكذلك الكويت وقطر وكذلك دبي والشارقة وابو ظبي - اضافة الى شقراء وعنيزة,
،- ويقول الطبيب: كان الطريق المؤدي من الرياض الى شقراء يدل على وجود عدد كبير من المدن السابقة التي لا يوجد منها الآن سوى الاطلال والخرائب كما لا يوجد
في هذه المناطق التي مررنا بها اية اشارات لمدن جديدة على الاطلاق,
،- وبعد رحلة استمرت خمسة ايام تخللتها بعض الوقفات القصيرة في الصحراء، وصلنا شقراء في صباح /30 ديسمبر,
،- وعند وصولنا الى المدينة تم استقبالنا استقبالا جيدا وذهبنا مباشرة الى بيت المال,
،- ومنذ الايام الاولى في شقراء وجدنا الاهالي هنا متعصبين بشكل كبير وبسبب ذلك واجهنا الكثير من المناقشات الدينية الطاحنة في اماكن متفرقة من المدينة
وبرغم هذا التعصب الديني عند الاهالي، الا ان شيخ شقراء المعروف بالشيخ ابراهيم كان في مقدمة الذين اعطيتهم كل الاحترام والتقدير من بين مئات الناس الذين
قابلتهم اثناء رحلاتي في الجزيرة العربية,
،- فالشيخ ابراهيم - الذي اجريت له ولابنه عملية فتاق ناجحة - رجل ورع وتقي جدا ومسلم حقيقي وصادق وكان يبدي دائما قلقا حقيقيا على ايماني،
،- وقد حاول بكل ما استطاع طيلة فترة وجودي في شقراء تحويل عقيدتي الى الاسلام ودعاني اكثر من مرة الى الاستماع الى القرآن والامتثال الى كلمة الله الحقة،
وبالرغم من عدم استطاعة - اي منا - انا والشيخ ابراهيم,, اقناع الآخر بتغيير دينه الا ان الشيخ استمر يحاول، حتى اولاده حاولوا معي ذلك!,, ليس ذلك بغريب
على اهلنا في شقراء!
،- ثم اتجهنا الى عنيزة في نجد - لكنها ظهرت مختلفة فبسبب محدودية اراضيها تعد منطقة كثيفة السكان وبيوتها الطينية تتكون معظمها من ثلاثة الى أربعة طوابق
وبجانب البيوت وجدنا ان بساتين عنيزة وهي من اجمل البساتين التي رأيتها في الجزيرة العربية تقع على حافة المدينة وليست بعيدة عنها,
،- واكثر من هذا, فعنيزة تشكل نسيجا خاصا وتشكيلة متميزة في الجزيرة العربية فبيوتها هي الاحسن، والناس فيها الاكثر ذكاء وافضل معرفة واكثر انسانية وودية،
بل حتى البساتين فيها هي الافضل وتجار عنيزة لديهم شهرة واسعة وسط جميع العرب فهم يعملون في اشغال واسعة ومتفرقة في مكة وجدة ودمشق والبصرة وبغداد ومصر
والبحرين والكويت وبومباي ومناطق اخرى من الهند وبالرغم من ذلك فانهم يفضلون العودة دائما الى مدينتهم عنيزة,
،- وعنيزة بجانب كل ذلك تحتفظ باعتزاز وكبرياء وطني وسط باقي المدن العربية واكثر ما يوضح هذه الكبرياء هي تلك الحادثة الصغيرة لكنها الكبيرة في دلالتها
التي وقعت في مدرسة الارسالية الامريكية في البحرين قبل سنوات قليلة,
،- فقد كان المدرس وقتها يعطي التلاميذ درسا في الجغرافية باللغة العربية وكان المدرس يشير على الخارطة الى بعض المدن وكان من ضمنها عنيزة اثناء الدرس,
وبعد انتهاء الدرس قام ولد صغير وهو ابن تاجر من عنيزة لديه تجارة في البحرين وجاء الى المدرس وطلب منه ان يريه عنيزة على الخارطة مرة ثانية وعندما شاهدها
التلميذ في موضعها على الخارطة بالضبط قام وبتبجيل عظيم وانحنى على عنيزة في الخارطة وقبلها قائلا: ذلك هو وطني نجد,
،- وبجانب هذه الحكاية قابلت عند عودتي عددا من اهالي عنيزة في البحرين وكان سؤالهم الاول لي هو: كيف وجدت بلادنا؟
،- وفي عنيزة جرى الترحيب بنا بشكل كبير وحار لم يحصل في اي مكان في الجزيرة العربية كما كنا طيلة اقامتنا ضيوفا عند الكثير من العائلات المعروفة، ففي كل
مساء كنا نضطر لتلبية اكثر من ثلاث زيارات في الليلة الواحدة، وكنا نعتذر عن غيرها كثيرا جدا وكانت جميع ليالينا في الواقع محجوزة مقدما قبل اسبوع، ثم ان
المناقشات الدينية كانت تتخلل هذه الزيارات,
،- ومع ان هذه الرحلات تستحق ان يطلع عليهاالقارىء بنفسه، الا ان تسجيل بعض الملاحظات حولها وحول نظرة كاتبيها الى العرب والمسلمين سلبا وايجابا سوف يغري
القارىء بقراءتها وتكوين انطباعه ورأيه الخاص عنها وفيها ومن هذه الملاحظات,
اولا: اخفاء الاهداف الحقيقية لتلك الرحلات,, لقد حاول المبشرون الامريكان,, كما حاول المستشرقون الالمان والفرنسيون والبريطانيون والهولنديون من قبل - ان
يثبتوا في كتبهم ومذكراتهم ومقالاتهم ان مهمة الاستشراق والتبشير هي مهمة انسانية وثقافية وحضارية سواء في البلاد العربية والاسلامية او في جميع البلدان
النامية او المختلفة الاخرى,
،- واذا كنا سنحفظ لبعض المستشرقين ما قدموه من خدمات في مجال الدراسات التاريخية والادبية والجغرافية والاجتماعية الا ان الكثير منهم قد اساء بشكل مباشر
او غير مباشر للعرب والمسلمين وساهم في ارساء جذور الاستعمار الذي لاتزال بعض البلدان العربية والاسلامية تعاني من آثاره حتى الآن,,!!,,
،- وما يقال عن المستشرقين يقال عن المنصّرين - الذين ربما قدموا بعض الخدمات الانسانية في مجال الطب والعلاج للفقراء والمرضى البائسين الا انهم حاولوا عن
طريق هذه الخدمات تنصير المسلمين اضافة الى انهم كانوا عيونا للاستعمار ومقدمة للحملات العسكرية الاستعمارية فهذا المبشر صموئيل زويمر يقول: ان من بين
الدوافع في المنطقة يعني منطقة الخليج العربيالاسباب التاريخية فللمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية التي اكدت الدلائل التي تجمعت لدينا في الخمسين
سنة الاخيرة على ان المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في بداية عهدها - قاتله الله ان هذا لوهم كبير!!,, ومع هذه المطامع الواضحة فهو يقول,, اننا سفراء
ولسنا سياسيين,,, وإنهم جاءوا للتنصير والانبعاث والاحياء,,!!,,
،- وفي ص 10,, من كتاب القوافل يضيف زويمر متباهيا بمهمته,, ومع هذه البدايات الجديدة للتنصير, التي جاءت هذه المرة بخطط مدروسة وبطموحات تتجاوز مجرد بيع
الانجيل في الاسواق بكثير, شهدت منطقة الخليج تحديا حضاريا لم تألفه من قبل وصراعا فكريا ودينيا وثقافيا اجتماعيا خطيرا بين مبشرين اطباء وخريجي اعرق
الجامعات الامريكية تقف من ورائهم مؤسسات دينية تدعمهم ماديا ومعنويا وبين شعوب بسيطة لم يكن معظمهم يعرفون حتى القراءة والكتابة لكنهم كانوا يقدسون
معتقداتهم الدينية ويعيشون في تواضع لا يعرف ضجيج الآلات الحديثة,
،- وهنا نعلق على ما ذكره زويمر ونقول: اين هي اخلاق الفروسية؟,, كيف يستطيع الاطباء خريجو اعرق الجامعات الامريكية الذين اقسموا على الصدق الدخول في صراع
فكري وثقافي واجتماعي خطير مع شعوب لا تعرف حتى القراءة والكتابة -
،- لكن زويمر,, سرعان ما يعترف بالهزيمة فيقول: ورغم عدم التكافؤ في هذا الصراع الا ان التبشير وجد مقاومة كبيرة غير متوقعة وبأساليب بسيطة,
،- واذا كان زويمر واضحا في مذكراته وفي اعترافه بالاخفاق والهزيمة الا ان بعضا من المنصرين اصروا على نجاحهم في مهمتهم، ثم عادوا وتراجعوا بكل بساطة
واعلنوا الاخفاق,,!!,,
ثانيا: اخفاق ذريع للمبشرين الامريكان في منطقة الخليج,
،- لم تستطع حبوب الدواء وعلاج الرمد وحتى العمليات الجراحية التي قام بها المبشرون الاطباء لمرضى منطقة الخليج ان تجذب المسلمين الى الدين المسيحي بل
ظلوا
متمسكين بدينهم الاسلامي الحنيف,
،- يقول المبشر جيمس مويرديك: ومع مرور الايام ازدادت طموحاتنا فكنا نرغب في تأجير دكان في الشارقة او دبي لنتمكن من نشر وبيع كتبنا في السوق والاهم من
ذلك
التحدث الى الناس ولكن هذه المحاولة اخفقت!! ص 18,
،- ويقول ايضا: وبينما كنا مشغولين بعرض الكتب ومحادثة الزوار والجمهور لم ننتبه الى احد الرجال الذين جاء بالقرب من كوخنا والقى خطبة على الناس لكسب
تعاطفهم والتشهير بنا ص 16,
ويقول ايضا: وفي مدينة الحمرية دعانا شيخها لرؤيته وبعد التحيات والسلام المعتاد والضيافة العربية طلبت منه ان يعاين كتبنا لكن الشيخ رفض ذلك بشكل قاطع
وقال لنا: اننا نعترف بان المسيح عليه السلام كان رسولا صادقا لله,, ولكن هل انتم تعترفون بان محمدا صلى الله عليه وسلم كان رسولا صادقا لله؟,, وبالطبع لم
نقم بذلك!,, بعدها قام الشيخ وخرج من مجلسه وطلب من الاهالي الذهاب الى بيوتهم وان يقاطعوا كتبنا وكراريسنا,
ويقول جيمس مويرديك اخيرا,, وعلاوة على هؤلاء واجهنا الكثير من المسلمين وتعرضنا لرجال مؤذين!! ملخص دعواتهم هي اننا على باطل وان الاسلام هو دين الحق,, ص
،19 - هذا هو الواقع!!,,
،- وهناك من المبشرين من اعترف بأنه لم يستطع بيع نسخة واحدة من الانجيل,
،- ولكن يجب ان نعترف بان اولئك المبشرين قد نجحوا في بعض المهام التي يخفونها وفي ذلك: عوض كبير عن فشلهم في مهمتهم التبشيرية,
ثالثا: دس السم في الدسم والسخرية والاساءة الى العرب والمسلمين,
فبالرغم من ان كتاب هذه الرحلات اطباء ومبشرون ومثقفون الا انهم قد غلب عليهم الطبع في الاساءة الى العرب والمسلمين حتى في مذكراتهم,
،- صحيح انهم احيانا اعترفوا بالكرم العربي ولكنهم لم ينسوا ان يدسوا السم في الدسم,, يقول المبشر آرثر بينت: والعربي ايضا يمكن ان تجده يساوم طوال اليوم
لتوفير قطع نقدية بسيطة لكنه يقوم بذبح آخر خروف عنده اذا جئت الى خيمته او بيته ضيفا,
شيء عجيب, اراد آرثر بينت - ان يذكر فضيلة الكرم عند العربي فوصفه بالبخل بقوله: يساوم طوال اليوم ص 75,
وفي الوقت الذي يرى فيه هؤلاء ان بعض البقاع في الجزيرة العربية جميلة، نجد احدهم يطلق عليها في المجلة الدورية للارسالية الامريكية اسم الجزيرة العربية
المنسية,
وفي ص 70 من كتاب القوافل يصف آرثر بينت مناطق الخليج العربي بالجحيم,
،- بل انت يا آرثر الى الجحيم ان شاء الله,
،- وبالعودة الى ما كتبه القس صموئيل زويمر - في مذكراته نجده يقرن العرب بالكلاب حين يقول: وحتى تجمعات العرب وكلاب الطريق,, كل هذه الاشياء بدت مألوفة
جدا بالنسبة لي,, ص 42,, قبحه الله!!,,
وفي ص 80تقول المبشرة اليانور تيلور: في نفس الوقت كان هناك بعض الرجال العرب قرب بيوتهم وبالقرب منهم نساء محجبات واطفال يلبسون ملابس مضحكة وكانت هذه
اللوحة المملوءة بالناس وحركاتهم كافية لاثارة الابتسامة عندنا,,!!,,
،- اما الطبيب شارون توماس, فلم يبخل على المسلمين بوصف ذبحهم للحيوانات بأنهوحشية,, سبحان الله - وانتم كيف - تذبحون البشر!!
،- وهكذا نرى ان برجيت باردو,, التي وصفت طريقة ذبح الحيوانات عند المسلمين بأنه عمل وحشي ليس اكتشافا جديدا ولا غريبا ولم يأت من فراغ,, فمثل هذه
الاساءات
الى الاسلام والمسلمين قديمة عند القساوسة والممثلات الساقطات على حد سواء,,!!,,
،- واما المبشرة كورنيلا, فتعرض بعرب البحرين الذين فروا جبنا من دبابة المستر فورد - التي ازعجت هدوء القرى!!,,
وعلى اي حال ليقل المنصرون الامريكان ماشاءوا فالحقيقة ان رحلاتهم توقفت واخفقت اخفاقا ذريعا في تنصير المسلمين في مدن الخليج والجزيرة العربية وهذا
يكفي!!,,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved