اغماض العينين بتعمد كوسيلة للتهرب من شيء ما قد يكون مريحاً احيانا حينما لا تريد ان ترى حقائق مزعجة ومؤلمة واشياء تضايقك تفقدك الثقة في نفسك وفي من
حولك وتخلخل الكثير من مفاهيمك للحياة بشكل قد يفقدك توازنك لفترة ما ويجعلك في حيرة من امرك وتزداد تساؤلاتك المحيرة عن الحياة، تلك التساؤلات التي لا
تجد لها إجابات مقنعة او شافية ومرضية، كل ذلك لانك تكاد تعيش حالة من الصراع النفسي، حالة من الصراع في التضارب بين المفاهيم والمبادىء والقيم الانسانية
التي تشربتها منذ نعومة اظفارك، وبين الحقائق المؤلمة التي لا تريد رؤيتها وحتى مجرد تصورها في هذه الحياة!
ولعل أهم تلك الحقائق المؤلمة في وقتنا هذا هي سيطرة الماديات على الحياة بشكل عام والانسان بشكل خاص بصورة افقدت الحياة معناها الجميل وكادت ان تسلب
الانسان انسانيته التي ينتمي اليها وتخليه عن مبادئه التي يؤمن بها خصوصا إذا كنت انسانا بكل ما تحمله معنى الانسانية من معنى,
ونحن لاننكر ان هناك اشخاصا يمثلون تلك الإنسانية بأجمل صورها وأروع معانيها,, لا ننكر ذلك، ولكن كم نسبة هؤلاء امام هذا الطوفان من الاشخاص الذين اصبحت
المادة هي كل شيء بالنسبة لهم؟ كم نسبة هؤلاء من اولئك الذين لا يقدمون اي خدمة أو مساعدة الا بعد ان يضمنوا استردادها بشكل مباشر أو غير مباشر رغم ان بعض
هؤلاء يفترض ان يقوم بتلك الخدمة للآخرين لانها واجب من واجباته التي سوف يحاسب عليها أمام الله سبحانه وتعالى قبل اي شخص آخر!
شيء مؤلم حقاً ان تغمض عينيك فتفتحهما لتكتشف انك تعيش عالما ماديا قائما على المصالح المادية والاعتبارات الشخصية، عالم قائم على ان كل شيء له ثمن مهما
كان بسيطاً! ثمن المهم ان يدفع الآن او لاحقاً! ثمن المهم ان تعرف انك مطالب برده في يوم من الايام بشكل أو بآخر! ثمن سوف يؤثر على علاقاتك بالآخرين
وتواصلك معهم اذا لم ترده لهم وبالصورة التي ترضيهم هم وليس انت! اما المشاعر والاعتبارات الانسانية السامية فتكتشف انها بضاعة كاسدة ليس لها سوق تعبر فيه
عن نفسها سوى لديك انت يامن تشعر بوحدتك مع مرور الوقت رغم عيشك وسط جمع كبير من البشر! وهذه حقيقة مرة عليك ان تتشربها وتتجرع مرارتها!
شيء مؤلم ان تدرك انك من دون مجاملات مبالغ فيها مع الغير، ومن دون علاقات مع الآخرين - وليس اي آخرين!- من دون ذلك كله لا تساوي شيئاً مهما كان لديك من
مواهب خلاقة او شهادات علمية مقبولة,, مجتمعيا او مهما كان لديك من قدرات وامكانات لا يختلف عليها اثنان ولا يختلف عليها احد! أحيانا انت لا تريد ان تعترف
بذلك امام نفسك لانك مؤمن بقدراتك وواثق من نفسك وتريد ان تصل على مهلك وتعتمد على جهودك الذاتية - وياعيني على تلك الجهود-!
نعم قد يكون هذا هو تفكيرك ولكن حينما تكتشف ان قطار الزمن وعجلاته تجري بسرعة رهيبة وانت تحاول اللحاق بآخر عربة فيه، حينما تكتشف ان عجلة الزمن ماضية
قدماً لا تلتفت للوراء لمن فاتهم ركوبها، حينما ترى من حولك يتقدمونك بسرعة بينما انت )مكانك سر(، رغم انك لا تقل مقدرة وموهبة وكفاءة عنهم، هذا ان لم
تتفوق عليهم! حينما تشعر بأنه لا مكان اليوم للنوايا الحسنة والطيبة وحينما تدرك انها قد استبدلت بمفهوم آخر هو السذاجة ، حينما تشعر بذلك كله؛ حينئذ ربما
هونت الأمر على نفسك ايضا وحاولت تبريره و لنفسك ايضا بحكم الانسانية الكبيرة التي لديك والطيبة المتناهية التي هي سجية من سجاياك, ولكن حينما يصارحك
إنسان تثق به، إنسان يعرفك معرفتك بنفسك، حينما يصارحك بتلك الحقائق ويطالبك - محبةً لك - بان تصحو من حلمك لتفيق على الواقع لتنتبه لنفسك قبل ان يفوتك
القطار حينئذ يبدأ واقع آخر!
حينئذ تتكشف لك الحقائق وتبدأ مرحلة التساؤلات واتخاذ القرارات الصعبة التي سوف تغير من مجرى حياتك!
وحينما تحاصرك مثل تلك التساؤلات الواقعية، حينئذ تدرك ان الحياة - ومن دون مبالغة - هي سباق من أجل المادة، سباق من أجل الحصول على أكبر رصيد مالي ممكن،
سباق لا يقل عن سباق الدول من أجل التسلح العسكري والسباق من اجل زيادة مساحة الترسانة النووية على الأقل لتشعر الدول الاخرى بهيبتها وقدرتها على الدفاع
عن نفسها وفرض وجودها والاستماع لكلمتها، وعدم تهميش دورها وتناسي كيانها السياسي كما هو الحال عندما يتناسى الآخرون كيانك الانساني وحقك في التعبير عن
مشاعرك الانسانية كإنسان والتي هي فوق اي اعتبار آخر وأهم من اي مصالح شخصية دنيوية زائلة!
أتمنى من كل قلبي الا ينظر لهذا الكلام على انه ضرب من المبالغة والافراط في تصوير واقع، فقد تكون نسبة تلك المبالغة قليلة؛ ولكن من يقرر ذلك؟ انت يا من
تملك كل شيء؟ يامن لا يعوزك شيء يا من انت بعيد عن هموم الناس ومعاناتهم؟ يامن تحاول تقديم النصح والتقليل من اهمية المشاكل التي يعانيها غيرك وانت في
برجك العاجي دون ان تحاول النزول قليلا لرؤية الواقع على حقيقته؟
والله انه لشيء محزن فعلاً ان تسيطر تلك الماديات على الانسان بحيث ينسى اقرب الناس اليه! ينسى اهله! ينسى والديه واخوته واخواته! يعاملهم كما لو كان
يتعامل مع مادة مجردة! يحاسبهم على اتفه الاشياء بينما هم يعطونه كل الاشياء! يطلب منهم اكثر مما يطيقون، اكثر مما يتحملون بينما يتجاهل ابسط حقوقهم!
وليته فوق كل ذلك يشعرهم بإنسانيتهم ومشاعرهم كبشر! ليته يعطيهم الفرصة في التعبير عما يريدون قوله او فعله! بل ليته يشعر ويدرك ويعي انه ما كان ليصل لما
وصل اليه الا بمجهودهم ومساعدتهم هم بعد الله وليس بمجهوده! ليته يدرك انه في حاجة لرضا والديه واهله عنه بعد رضا الله عنه! ليته يشعر ان قمة السعادة ان
يدخل المنزل فيجد من يستقبله بابتسامة حقيقية لا ابتسامة باهتة، ليته يعلم ان قمة السعادة ان يجد فيه اخوته واخواته، أن يجد الاخ والاب والصديق الذين
يجلسون معه ويتناقشون معه ويبثونه همومهم ومشاكلهم,, ليته يدرك كم هو جميل ان يغادر المنزل محاطاً بدعوات اهله له بالتوفيق بدلاً من ان يدخل الى المنزل
ويخرج منه ودون أن يشعر به أحد لان المنزل بمثابة محطة استراحة بالنسبة له ليس الا! ولانه لا يعني لاهله شيئاً لانه لم يشعرهم يوما ما بحبه الحقيقي لهم
وتلمس احتياجاتهم,
وانت امام هذا الواقع المؤلم ماذا يمكنك ان تفعل؟ قد لا تستطيع فعل شيء ولكن تستطيع ان تتمنى احيانا، والتمني يصبح عزاء وسلوة في كثير من الاوقات، ولكن
السؤال ماذا تتمنى في ذلك الوقت؟
اعتقد انك في كل الوقت تتمنى لو كنت مازلت في سباتٍ عميق كي لا تواجه تلك الحقائق المؤلمة,, تتمنى لو كنت في حلم طويل لا تفيق منه كي لا ترى ذلك الواقع
المحبط وتعايش ذلك المجتمع المادي البحت الذي سرق من الانسانية ابسط نواحي جمالها وبساطتها,
في هذه اللحظة بالذات تتمنى لو وضعت رأسك في حضن انسان تثق به، انسان تشعر انه نفسك، إنسان طالما شعرت معه بالأمان حتى وهو بعيد عنك، إنسان طالما شعرت معه
بالراحة النفسية بمجرد التفكير به، إنسان تريد ان تغمض عينيك على صدره الحنون فتسمع دقات قلبه ترحب بك، تفتح لك ابوابه تدعوك ان تغمض عينيك فتنام في هدوء
وأمان دون ضجيج الحياة الصاخبة، دون خوف من مجهول قادم او مستقبل لا تعرف ماذا يخبئه لك او حتى دون ان تشعر بمن يشعرك بعدم وجود مكان لك في الاعراب رغم
انك الإعراب كله!
ترى اين ذلك الحضن الدافئ الذي يستقبلك بالأحضان دون هدف مادي او غرض شخصي؟ اين ذلك الصدر الحنون الذي يرحب بك بصدق؟ اين ذلك القلب الكبير الذي يحتويك
بحبه وعطفه؟ بل اين ذلك الانسان الذي يقربك من الله سبحانه وتعالى ويزيد من ارتباطك به؟ ذلك الانسان الذي ينسيك هموم الدنيا بعد الله ولا يريك من الحياة
سوى الصور الجميلة والخصال الرائعة؟ اين هو؟ من المؤكد انه موجود لكن ينبغي علينا البحث عنه,
قد تكون نظرتنا للحياة تلك نظرة تشاؤمية، لا ننكر ذلك، ولكن لنتأكد اننا لا نستطيع ان نعرف قيمة التفاؤل او ان نتذوق طعمه اللذيذ دون ان نعرف طعم التشاؤم
وشدة مرارته وقسوة تأثيراته الجانبية على حياتنا وحياة من هم كل شيء في حياتنا وهذا لا يعني ان نبحث عن التشاؤم بأنفسنا او ان نعيشه ابداً بل على الاقل ان
نتفهم من يعيشه ونقدر الظروف التي مروا بها حتى وصلوا لمرحلة التشاؤم وحينئذ سوف نعرف طعم التفاؤل تماماً كالصحة لا نعرف قيمتها الحقيقية الا عندما نمرض
،- لا قدر الله - او نرى مريضاً نال منه المرض ما نال,
وامام كل ذلك لا يبقى لنا احياناً سوى ان نتمنى ونتمنى ونتمنى لعل وعسى! ولكن حتى هذا الحلم وحتى العيش مع الأماني يستكثرها عليك الآخرون وهم يعرفون انها
مجرد أمان وأحلام! يعرفون انك حينما تطلبها وتسعى اليها فلن يقلل هذا من رصيدهم المالي ولن يؤثر سلباً على استثماراتهم المتنوعة والتي ربما كنت انت سبباً
فيها بعد الله واللهم لا حسد,,
،* همسة *يكفي ان تكون شمعة مضيئة,,
وسط تلك الشموع الباهتة,
وسط تلك الدروب المظلمة,,
،***
يكفي ان تكون ذلك الود المنشود,,
حيث الصفاء الذي يعني كل شيء,,
حيث الحياة بطعمها الحقيقي,,
،***
يكفي أن أشعر بأنني لست وحدي,,
وسط عالم مادي لم أعهده,,
وسط سباق محموم لا استطيع مجاراته,,
،***
يكفي أن أشعر بك معي,,
لأجد نفسي,, لأشعر بقيمتي,,
لأحس أنني مازلت إنسانا,,
،***