الصورة الفنية في شعر حمد العبداللطيف المغلوث ( 1-2 )،
نعني بالصورة الفنية تلك اللوحات الجمالية الرائعة التي صاغها الشاعر من خياله واخرجها لنا شعرا يموج بالحركة والانفعال والأحاسيس، ولعل الخيال الواسع هو
الذي يستطيع به الشاعر ان يؤلف صوره الفنية، وهو لا يؤلفه من الهواء إنما من احساسات سابقة يختزنها عقله الباطني وتظل كامنة في المخيلة حتى يحين الوقت
فيؤلف منها الصورة التي يريدها،
والخيال عند الأدباء يقوم على شيئين:
اولهما: دعوة المحسات والمدركات ثم بناؤها من جديد، ومن هنا يختلف الخيال عن التفكير وان كان كل منهما يستعير مواده من الواقع، ذلك لأن التفكير انما يتحكم
فيه غرض محدود هو محاولة معرفة الحقيقة واستكشافها، فهو إذن لا يصنع علاقات جديدة بين الاشياء ولا يغيّر في اشكالها وعناصرها،، اما الخيال فلا يقف عند
ذلك بل يعمد الى التغيير، فيضيف الى تلك الحقيقة علاقات جديدة تنزعها من واقعها وتضفي عليها جمالا أخاذا،
وثانيهما ان التفكير موضوعي يحاول فهم الحقائق وبيانها، بينما الخيال ذاتي يغير في هذه الحقائق حسب تصور الاديب إذ يبعث فيها من روحه ما يعيدها خلقا نابضا
بالحياة، وهو على ذلك ينطق الحجارة الصم ويبعث الحياة في الوردة والشجر والجبال فيجعلها تتكلم بلغة شعرية رائعة،
ولعلنا لا نبعد عن الحقيقة اذا قلنا بأن التفكير ورقيه يعوق الخيال، فقد كانت الام في بداية نشأتها اكثر خيالا اذ كانت تعيش معيشة خيالية اسطورية، ورقي
التفكير هو الذي حطم هذه المعيشة،
اما تلك الصورة الفنية التي ينسجها خيال الشاعر، فمنها ما يكون صورا بصرية حسية ومنها ما يكون سمعيا يتمثل في رقة التصوير، وبراعة الاداء بألفاظ لا تحمل
معاني مجردة انما تحمل صورا فنية رائعة من التشبيهات والمجازات والاستعارات، ووظيفة التشبيه هي التصوير عن إحساس في نفسه، وكلما كان الشاعر ابعد واغرب كان
اروع واجمل، ومن هنا فقد يسمي الاشياء بغير اسمائها، فالفتاة عنده ليست الا غزالا شاردا، والوجه بدر طالع، والقد غصن رطيب ميّاس،، وهكذا،
ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائد شاعرنا المغلوث من هذا التصور الفني، الذي يبعث الدفء في النفوس ويحرك العواطف والاشجان، ويثير في نفس القارئ نوعا من اللذة
الحسية والمتعة الفنية لا يمكن للمرء وصفهما،
ومن استقرائنا لشعر الشاعر ونظرنا فيه نستطيع ان نتبين سمتين غالبتين في معظم ما وصل الينا من شعره، وهاتان السمتان هما: مسحة الكآبة والحزن، ودقة تصوير
المرأة الناعمة،،
ولقد صور الشاعر المغلوث ذلك الحزن الدفين في اعماقه في الكثير من قصائده، لعل سبب ذلك يعود إلى غربته الطويلة وفراقه محبوبته التي تقطن في الأحساء ، ولعل
صعوبة التنقل آنذاك وانشغال الشاعر هما اللذان منعاه من المثول الى حيث يهوى قلبه، زد على ذلك إحساسه المرهف وشعوره الرقيق اللذين كانا يزيدان في تأثر
الشاعر وانطوائه على نفسه وتصوير ذلك في شعره، فجاءت اشعاره لوحات حزينة تبعث الاسى في النفس، وتثير في مشاعرنا الإشفاق وتجعلنا نعذر الشاعر في كل ما قال:
الله يصبرني على الهضم والجور
من ها الليالي المزعجات الكلايح
قلت آه من وجدي على سيّد الحور
وجد الغريب اللي دياره نزايح
أبكي وأنوح وخاطري دوم مكسور
واجاوب الورقا بظل الدوايح
وكثير هي تلك الألفاظ التي توحي بالحنين والصبر والتذمر والبكاء والنواح والجور والغربة وصوت الحمام والشكوى الموجودة في قصائد الشاعر والمبثوثة في معظم
ما قال من شعره النسيب والغزل على وجه الخصوص
واذا نظرنا في شعر الشاعر وجدنا تلك الالفاظ الحزينة في كل ما يواجهنا من شعره، انظره يقول:
يا رب صبرني على امرك وبلواك
واجبر عزا من شاف ضيم العزاير
يا عين هلّي ذراف الدمع سفاك
وابكي وهاتي ما خفى من عباير
يا عين لا تبكين هذا ولا ذاك
إلا على فرقا الأهل والعشاير
وقد وضع الشاعر النقاط على الحروف في مطلع هذه القصيدة حين وفر علينا عناء الاستنتاج لذلك الحزن الدائم الذي كان يخيم على الشاعر، فأخبرنا ان بكاءه الدائم
وذرفه الدموع الواجم لم يكن الا على فراق الأهل والعشيرة،
لقد ملأ الألم والفراق قلب شاعرنا فرقت احاسيسه، وجاءت صوره الشعرية مرآة تنعكس عليها نفسيته الأدبية الصافية التي ذاقت من مرارة الحرمان من الاهل
والعشيرة والحبيب، مما أفقده صوابه وجعله دائم النواح كما الورقاء على غصن الأراك، يقول:
تناهت علتي وهموم صدري
وانا في ديرة اجناب غريبي
غريب الدار واحبابي جنوبي
وانا عنهم شمال في مغيبي
زمان دونهم بر مطيلي
مسير الهجن عشر بالخبيبي
ولعل تلك الغربة القاتلة هي التي اورثت الشاعر هذا الحزن الدائم، ورنة الكآبة التي سيطرت على شعره كله، فلا تكاد تظفر بمطلع قصيدة من قصائده إلا وهي تطفح
بهذا اللون الحزين والنغمة المؤلمة، ونظرة سريعة الى قصائد باح العزا، ألا واعزتا لي من نحيبي، يارب صبرني حمام ناح في رؤوس العوالي، آه واعزاه لمن مثلي
دهاه، حمام على رؤوس المراجيب غنى، مضى ما قضى، ويوم الاثنين الضحى، دمعي كساني ،
وغيرها من القصائد ترينا الى اي حد من الكآبة والحزن وصل الشاعر، ولا نستطيع ان نستقصى ما قاله الشاعر في الشكوى والانين فهما مبثوثان في غالبية شعره،
وحسبنا الاشارة الى ذلك ولا بأس من ايراد بعض المقتطفات للدلالة على إجادة الشاعر لفن تصوير حالته النفسية تلك، بما كان فيها من اوجاع الغربة ووحشة السفر
وانقطاع عن الحبيب، مما جعله يعيش وحيدا يغني عن نفسه لنفسه، يقول في احدى قصائده:
ما اطيق انا الفرقا رقاق اجنوبي
قلبي رهيف ودايم الدوم متعوب
مثل الوحيد اللي غريب اعزوبي
مستاجع ما له حد يقضي النوب
او شبه حيد للمسير مغصوبي
حمله ثقيل وضارب الخف شاذوب
والا كما طفل يتيم يحوبي
من قلة الوالي ورا الباب مذبوب
هذي سواتي عقب فرقا الجنوبي
اللي هجرني ما لفا منه مكتوب
وفي هذه المقطوعة يصور الشاعر نفسه اصدق تصوير، فقلبه الرهيف وإحساسه المرهف هما اللذان اتعباه، وجعلاه دائم الشكوى والتذمر ، وصورته تلك كصورة رجل غريب
فقير عزوبي يقضي نهاره وليله وحيدا لا احد يسأل عنه، او هو كالجمل المغصوب على المسير والذي يحمل على ظهره احمالا ثقالا تنوء بها الجبال، وبالرغم من ذلك
فقد اكمل الشاعر الصورة إمعانا في رسم ابعادها الحزينة لكي تكون اكثر تأثيرا في النفس، حيث لم يكتف بهذه الاحمال التي ينوء بحملها الحيد، بل جعله يعرج
عندما ضربته الاشواك الصحراوية (الشاذوب) فأدمت خفه، فاجتمعت الاسباب كلها في إثارة الشفقة والرثاء ولذلك الجمل الحزين الذي اضناه التعب،
ولا يكتفي الشاعر حينما يرسم لنا صورته الحزينة بتشبيه او تشبيهين، بل يعتمد لاستكمال تلك المأساة التي يرزح تحتها بتشبيه حالته كأنه طفل يتيم فقد المعيل
ولم يبق له احد يعينه في هذه الحياة القاسية، فهو يحبو هنا وهناك مذبوبا وراء الباب يبكي من قلة الرعاية والعطف وكثرة الهجر والفراق،
وقد ترك هذا الحزن العميق لدى الشاعر وتلك الشكوى المزمنة عنده اثرا قاسيا على نفسيته يتمثل في القلق وشرود الفكر، فهو دائم التفكير والسهر، فإذا سمعت بعض
اشعاره سيطر عليك الحزن وغطتك سحابة من الكآبة والرثاء على حال الشاعر المعذب، الذي ينوح على فراق حبيبته نواحا أورث قلبه العلل التي لا يقوى الطبيب على
مداواتها، فهو يلوج بعلته كلوج الخلوجي التي ابتعد عنها وليدها فهي دائمة الزفرات اضناها اخذ وليدها فبكت عليه بكاء حارا،
لقد صور الشاعر نفسه في معظم شعره نادبا باكيا والليل عنده طويل، لأنه يبيت مفجوعا على من فقد، يلعي كما يلعي الجميري بالعسيب، وقد قارن الشاعر بين حالته
تلك وبين حالة غيره من الناس الذين يبيتون ليلهم هادئين لا يعكر صفو نومهم كدر ولا همّ، اما هو فإنه يسهر مع النجوم في السماء يطوح الونات ويتفكر ويحن
الى اللقاء:
الا واعزتا لي من نحيبي
ومن نوحي على فرقا حبيبي
ومن جرح صطا باقصى صميري
عجز عنه المداوي والطبيبي
ألوج بعلتي لوج الخلوجي
اللي غدا عنها ضناها في العزيبي
اتل الونة والزفرات وألعي
كما يلعى الجميري بالعسيبي
ابات الليل مفجوع لكني
على القطبين حراس رقيبي
يبيتون الملا في طيب نوم
وانا كني على المنبر خطيبي
اراعي واتفكر في النجومي
واطوّح ونتي مثل الصويبي
نخيت ولا لقيت احد شفاني
من اصحابي فلا لي من يثيبي
وناوحت البكا وهو عويلي
كما ذيب اجويع له طنيبي
وعيوني كنها تغلي بشبة
تهل الدمع هلّ له سكيبي
تناهت علتي وهموم صدري
وانا في ديرة اجناب غريبي
الا واشيب عيني من عناها
من الفرقا ومن عذل القريبي
ولعل هذه القصيدة من اولها الى آخرها تمثل صورة الحزن الجارف الذي كان يعيش فيه الشاعر، حيث كان يتناول من نفسه تلك الصور التي تمثل القلق والنحيب
والوحدة بكل ابعادها، ولذلك تراه دائم التفكير في الليل ينتظر النهار، فإذا جاءه تمنى انقضاءه وتمنى مجيء الليل، واذا حل الظلام زادت العلة وتفاقم الخطب
وتشابكت الاحزان مما يجعله يتمنى طلوع الفجر وهكذا دواليك، وكأن ليله ذلك هو الذي عناه الشاعر الجاهلي حين قال:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف إعجازا وناء بكلكل
الا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
ففي مثل هذا المعنى يقول الشاعر المغلوث:
لي ظواني الليل تمنيت النهار
والنهار اقول ليت الوقت ليل
سابح ببحور فكري داله
في سراهيد الثماني مستطيل
والمدامع هاتفات ذارفات
فوق خديني كما وبل المخيل
آه واعزاه واجرحاه،، آه
للذي مثلي كذا حاله نحيل
لا نديم ولا صديق ولا رفيق
يحتمل شكواي بالعلم الجميل
يبتصر في حالتي ويقوم لي
يفتزع ويقوم بذراع طويل
ما لقيت احد يساعدني أبد
غير ما هو دوم ظني به جميل
وتلك كانت الصورة الفنية الأولى التي استخلصناها من شعر الشاعر المغلوث، اما الصورة الفنية الثانية فتتمثل في تلك الصورة الحسية المجسدة لأوصاف المحبوب،
وهي صور كثيرة متناثرة في معظم قصائده تعتمد على التشبيهات والوصف على نحو ما يقول:
أبليت بحب من غرة جبينه
كما بدر تنحى للمغيبي
تزخرف بالمحاسن والمعاني
أو خد يشبه البان القضيبي
ولحظي غزال ساهيات
بهن الموت والسحر العجيبي
سباني بالتعجرف من دلوله
وبالسجات وبالهرج اللبيبي
وهي هي أوصاف المحبوب، غرة جبينه كالبدر في ساعة المغيب، وهي بلا شك صورة جميلة استقاها الشاعر من البيئة الصحراوية الصافية في ليلها الجميل حين يوشك
البدر على المغيب فيكتمل قرصه ويشوب بياضه صفرة الذب الأخاذ،، أما قدّ المحبوب فهو كقضيب البان في تثنيه وطراوته، والألحاظ هي الألحاظ العربية نفسها التي
تغنى بها شعراء الغزل القدماء، رموش سوداء طويلة وألحاظ منكسرة فيها من الدلال ما يسبي العقول بسحرها القاتل،
المهندس/ خالد احمد داود الأحمد المغلوث


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved