حصاد الأشواك،،يحدث في عالم النفط الآن
عمرو كمال حمودة*
صحيح أن اتفاق اعضاء منظمة الأوبك في اجتماعهم الأخير بالعاصمة النمساوية فيينا يوم 24 يونيو، بتخفيض الانتاج،، قد ادى الى تحسن طفيف في الموقف البترولي
المتردي، الا ان جميع المؤشرات التي برزت خلال الاجتماع لم تكن ايجابية في تقديرنا، بل ان سوق البترول ستشهد خلال الشهور القادمة انخفاضاً جديداً في
الأسعار، ربما تتآكل معه منظمة اوبك ذاتها وتصبح مجرد ذكرى في التاريخ،
فالجو العام الذي انعقد من خلاله اجتماع فيينا كان فاتراً تشوبه عدم الحماسة وانخفاض المعنويات، لان الموقف التفاوضي لأعضاء المنظمة قد تراجع خلال اربعة
اشهر بصورة مقلقة،، لان اجتماع مارس 1998 قد تمخض عن اتفاق ينص على ضرورة خفض الانتاج بنحو 1،25 مليون برميل يومياً،، ولكن الخفض الفعلي للانتاج اقتصر
على 800/700 ألف برميل يومياً،، لان بعض الأعضاء راهنوا على ان المشترين يقومون اثناء فترة الصيف ببناء المخزون وتلك سياسة تقليدية لم تعد قائمة، لان
الاتجاه الهبوطي للسعر لا يشجع على التخزين، وأرقام البورصة كانت دليلاً على ذلك، ولم يلتفت البعض اليها والسبب الآخر هو استمرار سياسة الغش في الحصص
والبيع بواسطة الأبواب الخلفية،، والذي حدث ان اتفاق مارس ذهب مع الريح وكان الاتفاق الجديد في يونيو بتخفيض الانتاج الى 2،625 مليون برميل يوميا من الدول
الاعضاء في المنظمة (أوبك) ويضاف اليها 1،38 مليون برميل من الدول الموجودة خارج اوبك ولكن هل تلتزم بقراراتها المتفق عليها؟! فبسبب عدم احترام اتفاق مارس
تراجع الموقف التفاوضي لدول اوبك الى ضرورة الالتزام بضعف او ربما أكثر مما كان السوق يطالب به ويستطيع ان يستوعبه في مارس الماضي،
وقد انعكس ما تقدم على مواقف وتعبيرات الوزراء الذين حضروا اجتماع فيينا الأخير ، ولاحظنا نبرة انعدام الثقة فيما بينهم، فالوزير الايراني للنفط بيجان
زنقانه اشار الى موافقة بلاده على خفض الانتاج بنسبة 10 بالمائة على شرط ان يقوم الجميع بالالتزام بخفض مماثل، نفس الشيء اشار اليه وزير النفط القطري عبد
الله بن حمد العطية الذي ربط استعداد بلاده لخفض الانتاج اذا فعلت الدول الاخرى المنتجة الشيء نفسه ، اما وزير النفط الفنزويلي فانه استقبل بفتور تصريحات
بعض الوزراء الذين تحدثوا عن ضرورة احداث صدمة بترولية حيث ان الموقف الفنزويلي قد المح لعدم ضرورة هذه الصدمة لان السوق تحول الى يد المشتري وليس
البائع والمطلوب هو دعم الأسعار وليس السيطرة على الأسواق،
تلك التصريحات والمواقف افصحت عن وجود فقدان في الثقة وحالة عدم انسجام بين الاعضاء لا لاتبشر بموقف بترولي قوي مع الايام القادمة ولا تطمئن في امكانية
احترام اتفاق فيينا الأخير والالتزام بما تمخض عنه من قرارات،
،* * *
لا يخفى علينا ونحن نحلل الموقف الحالي لادراك تداعياته المستقبلية،، ضرورة القاء الضوء على اوضاع البيئة النفطية التي يتحرك فيها السعر، هذه البيئة
تعمل في ظل نظام دولي جديد يعمل على تثبيت الاوضاع التي وصلت اليها الرأسمالية العالمية في طورها التقني المتقدم، ومن تداعياته نشوء نظام نفطي دولي تابع
يضغط على حركة العلاقة بين الدول المنتجة للنفط وتلك المستهلكة له،
ملامح النظام النفطي القائم
Paper Oil ،** لقد انتقلت عملية تسعير برميل النفط من يد المنتجين الى السيطرة الكاملة للمستهلكين فتجارة النفط بات التعامل فيها من خلال الأسواق الورقية
تلعب فيها الاحتكارات النفطية والمؤسسات المالية من بنوك وبيوت استثمار، الدور الأكبر في تحديد الاسعار مما يعني ان التقلبات السعرية اصبحت حادة ومفاجئة،
،(نفط Brent ترتكز على مؤشر هو خام برنت Formula Price لم يعد في حقيقة الأمر سوق للنفط يباع فيه البرميل بسعر ثابت انما كافة الصفقات عبارة عن صيغة سعرية
بحر الشمال)، ومن ثم فان الاحتكارات النفطية قد ربطت برميل النفط العربي بحركة سعر النفط المنتج في احدى المراكز الرأسمالية بالرغم من ان الكمية المستخرجة
منه لا تساوي 10/1 من النفط المستخرج من دولة عربية واحدة وهي المملكة العربية السعودية،
ومع انتقال قضية التسعير الى بورصة خام برنت في لندن، انتهت خرافة العرض والطلب لان المتحكم الفعلي هو القادر على تخزين النفط وتسويقه وتمويل صفقاته
والقابض على خفايا البورصة،
،** توسيع حركة البحث والكشف والتنقيب لتشمل كل مناطق العالم من اجل اضعاف تأثير نفط الشرق الاوسط على العالم الصناعي، وامتدت الاكتشافات لتغطي المناطق
المختلفة سواء في الصين او فيتنام وماليزيا الى اليمن والجابون وكوبا،
ولكن اهم منطقة تحتوي على احتياطي ضخم ومؤثر من النفط هي منطقة كومنولث الدول المستقلة (تشمل روسيا الاتحادية والجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى)، وهذه
المنطقة تحتوي على احتياطي مؤكد من النفط قدره 57 بليون برميل، وانتاجها يصل الى 10،5 ملايين برميل/ يومياً، ولا يسبقها بالنسبة للاحتياطي سوى المملكة
العربية السعودية ثم الكويت والجمهورية الايرانية،
وهذه الكتلة الجديدة التي دخلت على الخريطة البترولية العالمية حديثاً، تشكل منطقة تنافس حقيقي لبترول الشرق الأوسط وتساهم في تغيير آلية التسعير الخاصة
به،
،** ضعف منظمة اوبك للدول المصدرة للنفط بنشوب الحرب بين بعض الدول المنتمية اليها (العراق/ ايران ثم العراق الكويت) واتساع رقعة الانقسام بين الاعضاء
وسيادة الغش في الحصص، ومن اهم المؤشرات على ضعف المنظمة عدم القدرة على اتخاذ سياسة او حتى مجرد عدة ترتيبات منظمة لمواجهة التحدي الذي فرضه ميثاق الطاقة
الأوروبي على منتجي النفط، فيما يسمى بضريبة الكاربون،
بمعنى تحويل معظم التعاملات Swaps والمقايضة التبادلية Futures ،** هيكلة السوق النفطية (وتلك نقطة شديدة الأهمية) لتستقر على قاعدتي المضاربة الآجلة
والصفقات الى البورصة الدولية للنفط ومشتقاته كبديل عن الاتفاقات بين الهيئات الوطنية من جانب، والاطراف المشترية للنفط من جانب آخر، ثم ان الاحتكارات
النفطية الدولية مثل شركة شل العالمية وشركة اكسون وشركة كوستال اصبحت تخصص ادارات مستقلة داخل تنظيماتها لترتيب عمليات بيع النفط والمنتجات البترولية في
مقابل سلع استراتيجية تشمل القمح والسكر والأسمدة الكيماوية والمعدات الصناعية الثقيلة، ولقد اتسعت عمليات المقايضة التبادلية بحيث دخلت فيها اطراف متعددة
في الجماعة الأوروبية، وكذلك مكاتب السمسرة المالية في نيويورك وايضا الشركات التجارية الدولية المتخصصة في تجارة Euro Brokers مثل مجموعة اليورو بروكرز
السلع الغذائية بالاضافة لبعض البنوك الكبيرة مثل الكريدي ليونيه والكريدي سويس وبنك سوسيتيه جنرال،
انها المفهوم الجديد المعروف بالاستراتيجيات التنويعية المكملة والتي تعتمد على التوسع في قطاعات غير نفطية مثل التوظيفات المالية في العقارات والفنادق
والمشروعات السياحية،
،** ان جبهة المستهلكين للنفط قد استوعبت منذ اوائل عقد السبعينات مسألة شديدة الخطورة وهي انه يكفي للسيطرة على سوق النفط وتحويله الى احتكار قلة التحكم
في واحدة او اكثر من حلقات الصناعة والسوق ولكن يوجد وجه آخر له خطورته الا وهو السيطرة على الوسائل الاعلامية المؤثرة في صناعة النفط مثل المجلات
والنشرات والتقارير اليومية والاسبوعية التي تبث اتجاهات السوق والاسعار وتقدم الرؤى التحليلية والتقارير اليومية والاسبوعية التي تبث اتجاهات السوق
والاسعار وتقدم الرؤى التحليلية لمصالح الاحتكارات النفطية،، ومن ثم صياغة الوعي النفطي وتشكيله وضمان السيطرة عليه وتوجيهه نحو المسارات التي تضعف الموقف
التفاوضي لمنتجي النفط،
وقد ارتبط بهذه العملية تأسيس ادارات تابعة للادارة العليا في الشركات البترولية الكبيرة (الشقيقات السبع) يطلق عليها شعبة الاستراتيجيات الدولية تختص
بمتابعة الصراع الدولي في مجال النفط والغاز والطاقة بصفة عامة وعلى مستوى الكرة الأرضية،
،** توسيع المخزون الاستراتيجي لدى جميع الدول الصناعية واستخدامه وقت الطوارىء لمواجهة اي نقص في الامدادات او لضبط الاسعار ومنعها من الارتفاع المفاجىء،
وتلك سياسة اقرتها الوكالة الدولية للنفط، وتنامى معها المخزون الاستراتيجي فوصل الى مليار برميل يومياً لدى الولايات المتحدة الامريكية، بينما وصل لدى
الحكومة الالمانية على سبيل المثال إلى نحو 17 مليون برميل/ يوم،
،** دعم وتشجيع عملية التحكم الكامل في مسألة نقل التقنية المتقدمة في انتاج النفط او البحث والتنقيب عنه وهو ما ادى بدولة الجزائر التي لديها امكانيات
نفطية كبيرة ان تعاني من تدهور انتاجية الحقول بسبب تقادم اساليب الانتاج وحجب الوسائل الجديدة عنها، خصوصا في ظل التقنية المعقدة المستخدمة حاليا وتعرف
والتي ادت الى زيادة انتاجية الحقول القديمة بشكل هائل،Horizontal Drilling باسم الحفر الأفقي
،** الميثاق الأوروبي للطاقة،، وهو من العوامل المهمة في بناء النظام النفطي الجديد حيث طرحت الجماعة الاوروبية منذ عام 1989 ضرورة قيام سوق موحدة اوروبية
للطاقة من فيلا ديفوستوك الى الأطلسي، ومن اهداف هذه السوق، تبادل المعلومات التقنية والتمويل وفتح المناقد التسويقية المشتركة، بالاضافة لترتيب التعامل
المباشر مع الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى لإدخال امكانياتها الهائلة من النفط والغاز الى المنظومة الأوروبية الجديدة (وكان هناك اقتراح بادخال
ليبيا والجزائر في عضوية السوق المقترحة، وقد تبنت ايطاليا هذا الاتجاه ولكنه ووجه بصعوبات شديدة ادت لصرف النظر عنه)، ويهمنا ايراد ما ذكره السنيور
،) البترولية الايطالية الكبرى وقد قال في ندوة عقدت Eniكاجلياري الذي يعتبر منظر الميثاق الأوروبي للطاقة، وهو في الوقت نفسه رئيس مجلس ادارة شركة (ايني
بمركز لندن لدراسات الطاقة عام 1990 ان النفط والغاز لدول الكومنولث المستقلة يمكنها تغطية الجزء الأعظم من احتياجات القارة الاوروبية مما يضع بذلك نهاية
دور منظمة الاوبك، فالكومنولث قادر على انتاج 18 مليون برميل من النفط يوميا وحوالي 100 مليار متر Marginalize للاعتماد على نفط الشرق الاوسط ومن تهميش
مكعب من الغاز، وفي ظل هذه الفعالية سترضخ دول الشرق الاوسط لقبول نظام نفطي اوروبي وبشروطنا،، لاحظ ذلك)،،
ثم اعلن الميثاق الاوروبي للطاقة عام 1994 وتضمنت بنوده التزامات قانونية للاعضاء متصلة بأنشطة التنقيب والاستخراج حتى التسويق مروراً بعبور المنتجات
وتصدير الارباح ونقل التكنولوجيا والتحكيم الدولي كما ستسمح الاتفاقية للمؤسسات العالمية الغربية بالوصول الى حقول النفط والغاز بالتساوي مع الهيئات
الوطنية بواسطة خصخصة قطاع النفط فيها،
،* * *
من خلال تحليلنا للبيئة التي يتحرك فيها السعر وتعمل من خلالها آليات سوق النفط فان الموقف الراهن لا يحقق الطمأنينة بل نحن مقبلون على ظروف شديدة
الصعوبة، ونتوقع تدني الاسعار لان العناصر التي تصنع الموقف الراهن تخرج عن متناول ايدي المخططين نظراً لان كل دولة منتجة قد اتجهت للعب منفردة في حلبة
النفط الدولية،
لن نمل ولن نيئس من التذكير فإن الوضع يحتاج الى استراتيجية عربية منسقة واخرى داخل المجموعة الملتزمة في منظمة الاوبك باحترام ما يتم التوقيع عليه من
اتفاقات ثم ان الأمر يستدعي اعادة النظر بالنسبة لقضية التكامل العربي وتوجيه رأس المال العربي نحو التنمية الحقيقية لان 1:5 من الفوائض المالية النفطية
لا يزال مستثمرا ومتجها الى داخل الوطن العربي،اننا على مشارف قرن جديد،، نحتاج فيه بالفعل الى فكر عربي جديد،، والا سنستمر في حصاد الأشواك،
* خبير في شئون الطاقة -مدير مركز الفسطاط للدراسات-مصر


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved