قناديل
الابتهاج بموارد المعرفة
أ, د, محمد العيد الخطراوي
أورد الشيخ مصطفى محمد عرفة الدسوقي، في حاشيته، (مغني اللبيب) لابن هشام الأنصاري (297/1 ط حنفي مصر) طريفة جميلة هادفة عن علم من أعلام ثقافتنا
العربية القديمة هو أبو عمرو بن العلاء, قال الدسوقي رحمه الله (297/1):،
(يحكى عن ابي عمرو بن العلاء أنه كان له غلام ماهر في الشعر، فوشي به الى الحجاج، فطلبه يشتريه منه، فلما كلمه بذلك قال له: إنه مُدبّر، فلما خرج من عنده
قال له الواشي: يكذب! فهرب أبوعمرو الى اليمن مخافة من شره، فمكث هناك، والحال أنه إمام يُرجع اليه في المسائل، فخرج ذات يوم الى ظاهر الصحراء قال: فرأيت
اعرابياًيقول لآخرألا أبشرك؟ قال: بلى! قال: مات الحجاج! فأنشد:
ربما تكره النفوس من الأم
ر له فرجة كحل العقال
بفتح الفاء من (فرجة), قال أبو عمرو: ولا أدري بأي الشيئين أفرح؟ أبموت الحجاج أم بقوله: (فرجة) بفتح الفاء؟ ونحن نقول: (فُرجة) بضمها، وهو خطأ، وتطلبت
ذلك زمانا في استعمالاتهم، قال أبو عمرو: وكنت بقوله (فَرجة) بفتح الفاء أشد فرحاً مني بقوله: مات الحجاج!),،
قلت: الفَرجة بفتح الفاء المرة من الفَرَج، وهو زوال الهم, وبالضم: الثُقب في الحائط ونحوه,
قال الدسوقي: (والبيت من بحر الخفيف، من لامية ابن أبي الصلت،وقبله:
يا قليل العزاء في الأهوال
وكثير الهموم في الأوجال
صبّر النفس عند كل مُلم
ان في الصبر حيلة المحتال
لا تضق بالأمور ذرعاً فقد تك
شف غماؤها بغير احتيال
قد يصاب الجبان في آخر الصف
وينجو مقارع الأبطال
قال صاحب المغني في (ربما) الواردة في قوله: (ربما تكره النفوس,, الخ) أي رب شيء تكرهه النفوس، فحذف العائد من الصفة الى الموصوف,
قلت: ف (ما) حينئذ ليست حرفا، بل هي اسم نكرة بمعنى شيء قالوا: وهي نكرة ناقصة، أي أنها مفتقرة الى صفة تذكر بعدها، بحيث لا تتم دلالتها، ولا يستقر وضعها
في الجملة الا بها، سواء كانت هذه الصفة جملة، كما في البيت السابق، اذ جملة (تكره النفوس) في محل جر صفة ل (ما)، التي هي بمعنى شيء، أم كانت هذه الصفة
مفردة، وذلك كما في قول الشاعر الآخر
لما نافعٍ يسعى اللبيبُ، فلا تكن
لشيء بعيدٍ نَفعه الدهر ساعيا
أي لشيء،نافع يسعى اللبيب، فسعيه ينبغي الا يكون الا لشيء نافع فنافع: صفة ل (ما) الاسمية المنكرة، تكمل نقصها,، قالوا: والفاء في قوله (فلا تكن هي الفاء
الفصيحة او الفاصحة، وهي الدالة على شرط مقدر،وهي شبيهة في طريقتها لأداء وظيفتها باللام الموطئة للقسم، فكلتاهما توحي بشي مقدر مضمر في النفس,
واذا ما تأملنا في هذا النص خرجنا منه بمجموعة من العبر والمنافع التي لا يستغني عنها أي عاقل يسعى الى تحصيل المعرفة من أي الأبواب ترده:
،1- مدى الفرح والسرور الذي ملك على أبي عمرو بن العلاء جوانح نفسه وأرجاء روحه، حين ظفر بضبطة كلمة عربية واحدة بالشكل، والفوز بنطقها الصحيح، حتى إنه
قارن بين فرحه بها، وفرحه بنبأ موت الحجاج، الذي شرده عن بلده، ودفعه الى الهروب من العراق، وهذا يعني انه يسوي بين سلامة روحه وسلامة لغته، بل ويرجح
سلامة اللغة, انظر الى هذا الانتماء الصادق الى اللغة العربية والحضارة العربية والتراث العربي، بمثل هؤلاء المتعربين بالاسلام قامت الحضارة العربية وسلمت
اللغة وقامت اركانها,
،2- هذه البهجة تذكرنا بما يشاع عن بعض العلماء بأنهم يرون ان الله منح الحكام والسلاطين نعمة الحكم، وجمع حولهم الحشم والاتباع، ولكنه أعطى للعلماء نعمة
اخرى أجل وأعظم، تلكم هي نعمة (الظفر بفك طلسم مسألة علمية ولذة حل معضلة نحوية أو فقهية، وبهجة الحصول على الأمجاد الفكرية، وتفتح النفس على الموارد
المعرفية سواء عن طريق الجهد الحسي والسعي الجسمي، أم عن طريق الاشراقات الروحية والعلم اللدني (واتقوا الله ويعلمكم الله)، (آتيناه رحمة من عندنا،
وعلمناه من لدنا علما)، وإذا كا ن في السلاطين من ظفر بامارة المؤمنين في الحكم، فكم عالمٍ ظفر بإمارة المؤمنين في العلم الشرعي والمعرفة الانسانية
الاسلامية! وبعضهم تسلطن فوق كراسي العلم منذ مئات السنين، وما زالوا متسلطنين خالدين,
،3- ولذة الظفر العلمي أمر شائع في المسلمين وغير المسلمين، وكلنا يعرف قصة ارشميدس الذي اهتدى الى قاعدته في غمر الأجسام، وهو يسبح في حمامه، حتى قالوا:
انه من شدة سروره خرج من حمامه عارياً،وهويصيح: وجدتها,, وجدتها، ولم يتنبه لعُريه، وماذاك الا لأن بهجة حصوله على المعرفة ألهته عن كل ما حوله، وملأته
نشوة,
،4- وفي مطلع حياتي رأيت رجلاً على نعمة عظيمة غبطته لأجلها غبطة كبيرة، ولكنه كان على غاية من الجهل، لم يرزقه الله أثارة من علم، وكان معي صديقي الأعز
الاستاذ عبدالرحيم أبو بكر رحمه الله صاحب كتاب (الشعر الحديث في الحجاز)، فقال لي: على مهلك! أترضى أن تتبادل معه المواقع، بحيث يسلبك الله نعمة العلم
والملكة الأدبية، وطاقات الفهم والابداع فيما تسمع وتقرأ وتكتب، ويعطيك ما رأيت بين يديه من نعم محسوسة، لا تلبث أنوارها أن تنطفىء، وبهارجها أن تزول,,
فقلت: لا والله! ورددت مع الشاعر القديم:
رضينا قسمة الجبار فينا
لنا علم، وللجهال مالُ
ثم تضاحكنا,, وسرنا في دروب الحياة,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved