شعراء بكوا زوجاتهم
محمد إبراهيم أبو سنة
درج الكثيرون على ان الشعراء حين يتغزلون في شعرهم فإنما يتوجهون إلى حبيبات وعشيقات سوى زوجاتهم,, فالشعر في معظم الاحيان تعبير عن الفقد الذي يحس به
الشاعر، والشعراء الذين ينعمون بالحياة الزوجية لايجدون دافعا قويا للتعبير عن ذلك ولكن ما يدفعهم إلى القول هو الهجر والصد والفراق والنأي,, وهذه أحوال
تجري بين الشعراء وبين حبيباتهم اللواتي يقدر لهن في كثير من الاحيان ان يتزوجن بغير هؤلاء الشعراء الذين يهيمون بهن كما حدث في معظم قصص الحب العذري وغير
العذري في الدولة الأموية وفي بوادي نجد ذلك لأن وطأة التقاليد قد خفت قليلا بعد ذلك في العصر العباسي,, وثمة نماذج شعرية اتجه بها الشعراء الى زوجاتهم
ولكن هذا الشعر قد جاء بعد ان حلت بالحياة الزوجية النوائب إما بالموت او الفراق بالطلاق,, ولكن الشعر الذي قيل حتى في مثل هذه المناسبات إنما يؤكد حبا
عميقا يكنه هؤلاء الشعراء الأزواج لزوجاتهم, ومن اجمل اشعار الحب في الزوجات هذه الابيات التي قالها الفرزدق واسمه همام ابن غالب بن صعصعة توفي في عام
،114ه بعد ان شعر بالندم على طلاق نوار زوجته فأعلن عن حسرته وبؤسه في قصيدة من روائع الشعر العربي وهي تعبر عن الصدق والوفاء واللوعة والحب يقول الفرزدق
ندمت ندامة الكسعي لما
غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها
كآدم حين لج به الضرار
وكنت كفاقىء عينيه عمدا
فأصبح ما يضيء له النهار
ولا يوفي بحب نوار عندي
ولا كلفي بها إلا انتحار
ولو رضيت يداي بها وقرت
لكان لها على القدر الخيار
وما فارقتها شبعا ولكن
رأيت الدهر يأخذ ما يعار
وتأمل هذه الابيات يطلعنا على ان الشاعر يبدي ندمه صراحة على تسرعه في طلاق زوجته ثم يمضي في تجسيد هذه العلاقة حين يصفها بأنها كانت جنته فغادرها مشبها
نفسه بآدم الذي دفعه العصيان والعناد ومخالفة الامر الإلهي إلى مغادرة الجنة ثم يصور ما آل إليه بعد هذا الطلاق بأنه أشبه بمن فقأ عينيه عمدا فأصبح بعد
ذهاب نور عينيه لا ينتفع بنور النهار بل هو يرى ان حبها لا يعدله عند احساسه بفقدها إلا الموت اختيارا الانتحار , ثم يلوم نفسه مؤكدا انه لو لم يتسرع لكان
له الخيار فيما يقع له وما كان طلاقها عن ضيق وملل وشبع من نعيمها, ولكن الشاعر الذي لايجد سببا مقنعا لتصرفه يعود إلى وضع تبعة هذا الذي حدث على عاتق
الزمن,, ذلك لأن الدهر يعطي ما يعطيه على سبيل الاعارة ثم يسترد ما أعار,, وثمة شاعر آخر ندم ندامة الفرزدق وهو قيس بن ذريح الذي عشق لبنى بنت الحباب ثم
تزوجها وعاش معها مدة عشر سنوات في بعض الروايات ثم اضطره والداه أمه وأبوه إلى ان يطلقها متعللين بأنها لم تنجب وما إن طلقها حتى ذابت نفسه حسرة عليها
وظل يتتبع ريحها ويذهب قريبا من ديارها لعله يراها ولم ينفعه شيء من ذلك كله فمات بحسرته وحزنه على تفريطه في سعادته الزوجية يقول قيس بن ذريح
ولما بدا فيها الفراق كما بدا
بظهر الصفا الصلد الشقوق الشوائع
تمنيت ان تلقى لبيناك والمنى
تعاصيك احيانا وحينا تطاوع
وما من حبيب وامق لحبيبه
ولاذى هوى إلا له الدهر فاجع
وطار غراب البين وانشقت العصا
يبين كما شق الأديم الصوانع
ألا ياغراب البين قد طرت بالذي
احاذر من لبنى فهل انت واقع
ثم يخاطب نفسه وهو يلوم هذه النفس التي فرطت فيما ملكت
أتبكي على لبنى وأنت تركتها
وكنت كآتٍ غيه وهو طائع
فلا تبكين في إثر شيء ندامة
إذا نزعته من يديك النوازع
ثم يصف حاله بعد فراقها وقد غدا حزينا مسهدا فيقول
نهاري نهار الناس حتى اذ دجا
لي الليل هزتني اليه المضاجع
اقضى نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعنى والهم بالليل جامع
ثم يصف ثبات حبها في قلبه فيقول
لقد ثبتت في القلب منك مودة
كما ثبتت في الراحتين الاصابع
ثم يصف الوحدة والفراغ حوله فيقول
كأن بلاد الله ما لم تكن بها
وإن كان فيها الخلق - قفر بلاقع
فإذا انتقلنا إلى الاندلس وجدنا الاعمى التطيلي يرثي زوجته في واحدة من روائع الشعر العربي وهو من شعراء عصر المرابطين ونظم الموشحات إلى جانب قصائده
الكلاسيكية الاخرى والقصيدة تتأمل الموت والحياة السعادة والشقاء من خلال هذا الرثاء الذي يعبر عن عاطفة حارة عميقة دفعت الشاعر إلى التفجع، وان كانت
القصيدة تعد كذلك معرضا لوصف جمال هذه الزوجة وحسن عشرتها معه,, ويبدأ بالتفجع عليها فيقول
وأنبئت ذاك الوجه غيره البلى
على قرب عهد بالطلاقة والبشر
بكيت عليه بالدموع ولو أبت
بكيت عليه بالتجلد والصبر
والشاعر يختار الوجه للدلالة على الجمال والطلاقة والبشر ليكون ذلك مدخلا إلى عالم هذه الزوجة وكأنه يشير إلى لونين من الجمال جمال الجسد متمثلا في الوجه
الجميل وجمال الطبع والفطرة متمثلا في الطلاقة وهي البشاشة والاقبال وهي تعني صفاء الشخصية وحبها للآخرين وقربها من النفس ويتمنى الشاعر لو أنهم دفنوا هذا
الوجه وهو يرمز به إلى الزوجة بين جوانحه
فليتهم واروا ذكاء مكانه
ولو عرفت في اوجه الأنجم الزهر
وليتهم واروه بين جوانحي
على فيض دمعي واحتدام لظى صدري
ثم يتساءل كيف تغيرت محاسن هذا الوجه بعد الموت والدفن في القبر
أمخبرتي كيف استقرت بك النوى
على ان عندي ما يزيد على الخبر
وما فعلت تلك المحاسن في الثرى
فقد ساء ظني بين ادري ولا ادري
ثم يخاطبها الشاعر او يخاطب نفسه فيقول
ونبئت ذاك الجيد اصبح عاطلا
خذي ادمعي إن كنت غضبى على الدر
خذي فانظميها فهي كالدر إنني
ارى علتي أوري بها وهي كالجمر
خذي اللؤلؤ الرطب الذي لهجوا به
محارته عينى ولجته صدري
الشاعر يقول انه علم بأن جيدها قد اصبح خاليا من العقود واللالئ فهو يعرض دموعا لتكون بديلا للؤلؤ والدر ثم يصور اللؤلؤ تصويرا فنيا بارعا حين يقول لها إن
محار الدر هو العين والبحر صدره,, ثم يجسد القبر على انه ضم جسدها فيقول
هنيئا لقبر ضم جسمك إنه
مقر الحيا او هالة القمر البدر
وهكذا نرى ان الشعراء هاموا بزوجاتهم كما هاموا بحبيباتهم من غير الزوجات فالحب هو الذي يلهم والفقد هو الذي يضرم النار في قصائدهم,
محمد إبراهيم أبو سنة