برنامج توطين البادية على يد الموحِّد عبدالعزيز
البرنامج كان تنظيما مدروسا ومركزا والأرطاوية كانت فاتحة الهجر
،* كتبت - فوزية الحربي
كان لحصافة وحنكة الفذ جلالة المغفور له باذن الله الملك عبدالعزيز الدور الاساسي في انجاح برنامج توطين البادية وتعليمهم على اسس من التعاليم السلفية
وتهذيب نفوسهم وتعويدهم على انتهاج روح الجماعة في البناء والزراعة وطلب العلم ليكونوا بذلك النواة للدولة السعودية المتحضرة التي تشارك في تطوير وبناء
الامم,, وفي الاسطر التالية نلقي الضوء على موقف من مواقف الموحد مع اصحابه الافذاذ المخلصين,
عبدالعزيز قال لرفاقه ذات يوم وهو يمسك بمشعاب صغير في يده (ويش رأيكم يا جماعة في انسان لا يملك من حطام الدنيا الا هذا المشعاب هل ترونه قادرا بمشيئة
الله على استعادة مجد آبائه واجداده ام انه لا يستطيع)؟،
بهت رفاقه بهذا الحديث وقالوا ان ملكت يا عبدالعزيز فالملك لله ثم لآبائك وليس الملك عنك ببعيد او غريب(1)،
هذا هو الملك عبدالعزيز منذ بدأ يعي وهو دائم التفكير بملكهم الضائع خطط وبدأ رحلة التنفيذ، جمع حوله الاصدقاء الاوفياء ذوي الرأي والحكمة، انطلق تلهب
حوافر جواده ارض الجزيرة,,
بنبوغ عقله وحد سيفه اقبلت عليه القبائل النجدية مقدمة فروض الطاعة والولاء وفي عام 1351ه - 1932م اصدر مرسوما ملكيا بتحويل اسم المملكة الحجازية النجدية
وملحقاتها الى اسم المملكة العربية السعودية,, واصبح لقب عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية(2)،
الملك عبدالعزيز لم يكن عسكريا يعد الجيوش ويضع الخطط فقط ولكن كان عقلية متطورة مدركة لضرروة التفكير في تنظيم امور الدولة بما يتمشى مع الحضارة على قدر
ما تسمح به الحياة الصحراوية,
بعقلية الملك عبدالعزيز وبعد نظره علم انه بعث النشاط في روح رجال البادية وحركهم نحو الجهاد فاذا لم يستغل هذا النشاط بالتعمير والبناء سوف يتجهون للهدم
خاصة وهم الاقوياء فريدو العهد بالسلب والنهب لذلك صمم جلالته على عمل نقلة كبيرة في حياتهم وادخالهم في نظام يشمل حياتهم، نظام ديني سياسي اقتصادي وانهاء
فكرة السلب والنهب والبقاء للاقوياء,
فكر الملك عبدالعزيز بهذا النظام وكيف له ان يحدثه وكيف يجعل هؤلاء البدو يتقبلون نظاما ومنهاجا لم يعهدوه,,
اسئلة كثيرة واحتمالات اكثر فكر وفكر حتى توصل الى تدابير دينية تعليمية اقتصادية كانت اساس حركة الاخوان البدو وهم جماعة اقسموا على الولاء لعبدالعزيز
والتفاني في خدمته ففرض عليهم التعليم وامرهم بالاهتمام بالزراعة واقامة العمران على الاراضي التي قدمها لهم,,
توطين البادية لم يكن فكرة طارئة بل تنظيما مدروسا ومنقحا فهؤلاء البدو الذين توطنوا هم من يعتمد عليهم الملك عبدالعزيز هم ابناء قبائل دانت له بالولاء
والطاعة هؤلاء القبائل اقطعهم الارض لإقامة هجر وهكذا قامت هجرة بعد هجرة وكانت تقام الهجر عند نبع ماء او بئر ولم يكن يلتزم في توزيع السكان البدو على
الهجر في ان تختص كل قبيلة أو كل فخذ من قبيلة لهجرة واحدة بل انه حدث في غالبية تلك الهجر ان شاركت افخاذ من قبائل في سكنى هجرة(3) هذه كانت اول خطوة في
ائتلاف القبائل وامتزاجها,,
قام هؤلاء البدو السكنى في بيوتهم المبنية من اللبن الذي يمزج مع تبن القمح المقاوم للرطوبة وتغطي الجدران بالطين المخلوط بالتبن كما زودتهم اشجار النخيل
والاثل بالاخشاب للسقوف والابواب، ويذكر التاريخ ان الارطاوية هي اول خطوة واول هجرة لهذه الفكرة الجبارة فهي فاتحة برنامج الهجر 1330ه - 1348ه -1912م -
،1930م، وان حركة توطين البدو اقترنت في الوقت نفسه بإحياء الدعوة السلفية ونشرها وتثبيتها، هذه الهجر زودت بمعلم متفقه يبصرهم بأحكام الشريعة ويحثهم على
الزراعة وينهاهم عن الغزو واقتضت هذه العناية بناء المسجد واقامة الصلوات الخمس التي تجعل المطوع يراقبهم بشكل متواصل وهذه الجهود التي بذلها عبدالعزيز
تختلف عن جهود اسلافه في نشر الدين والتعليم في البادية بحيث كان اسلافه يحصرون جهودهم في تعليم سكان القرى والمدن ولم يلقوا بالا لتعليم وتوطين البادية,,
وجاء عبدالعزيز يقول (اما وان القبائل البدوية هي سلسلة الدولة الفقرية وعمادها وسندها فلا مناص من ربطها بالارض ربطا محكما وتحكيم صلاتها بها وهذا يحتم
احداث تبديل جوهري في عادات رجال البادية بحيث لا يفكرون في الغزو بل يحصرون تفكيرهم في حرث الارض) واخذ الملك عبدالعزيز يفكر في حاجة البلاد الى جيش دائم
للاحتفاظ بمملكته وفكرة تكوين الجيش هذه لم تخطر على بال اي حاكم عربي آخر غير عبدالعزيز نعم استطاع ابن سعود ان يوطن البدو الذين لم ينتهجوا في حياتهم
عملا غير الحروب والغنائم بنوا البيوت حرثوا الارض، تجمعوا في مكان واحدتحت عين وامر الملك عبدالعزيز الذي كان يقصد ان يكونوا قريبين منه في حالة طلبهم
للحرب وفي حالة السلم لا يكونوا عالة على الدولة الناشئة بل عملوا في الرعي والزراعة عملهم هذا كان له اثر كبير في اثراء الحياة الاقتصادية فقد قامت على
اثر رعيهم وزراعتهم صناعات مثل صناعة منتجات الالبان والبسط والسجاد والملابس الصوفية والجلدية وتطور الامر ونشطت التجارة بين الهجر والمراكز الحضارية
القريبة من الهجر,
وفي مذكرة مرسلة الى المفوض المدني في بغداد ما يفيد نجاح التجربة في اولى مراحلها, كتبها ديكسون الممثل السياسي في الهفوف وفيها يروي انه سمع من الملك
عبدالعزيز ان الحركة قد اثرت في البدو بطريقة غير عادية وانهم ممتلئون حماسة دينية غريبة وكانوا يرجون باستمرار ارسال المدرسين اليهم وانه اي الامام الملك
كان يلبي طلباتهم بارسال العلماء لتعليمهم بقدر ما استطاع توفيره وانه نجح في توجيه الحركة وجعلها تحت سيطرته وانه كان يصر على ضرورة استقرار البدو الرحل
وانه كان يعتمد ارسال شيخ القبيلة المستقرة الى الرياض وكلما ذهب الى هناك كان الشيوخ يرافقونه وكانوا وراءه باستمرار تحت طلبه, بدأت الحياة الاقتصادية
تنتعش شيئا فشيئا وفرض عبدالعزيز لاهل الهجر ايضا اعطيات من بيت المال معونة لهم من ناحية وجزاء استجابتهم لداعي الجهاد حين يدعى الى ذلك وانحصرت الاعطيات
في اربعة انواع,
الشرهة: التي كان الملك يعطيها من خزينته الخاصة,
القاعدة: وهي قدر من المال في كل سنة لكل فرد من افراد الهجرة,
البروة: وهي مبلغ من المال يتسلمه من يطلبه بتحويله الى بيت المال او عامل الزكاة,
المعنونة: وهي اعطيةلا تتقيد بموعد او نظام معين (4) ,كانت لعبدالعزيز سطوة روحية قوية استطاع بها تأليف القلوب المتناحرة وجمع القبائل المتناثرة وكان هذا
بحق معجزة مذهلة سلبت هذه الانفس البدوية القوية الفتية بشرها الذي عزق مع عبدالعزيز بالخبر والنور,
بعد كل هذا السرد نرى ان الملك عبدالعزيز نجح نجاحا مبهرا في توطين البدو وانتشار الهجر التي قامت على اساس التعاليم السلفية وكل هذا يدل على تحول خطير في
البنية الاساسية للدولة السعودية الحديثة,
المراجع:
،1- عبدالله العلي المنصور الزامل: اصدق البنود في تاريخ عبدالعزيز آل سعود طبعة اولى 1392 ببيروت,
،2- د, ابراهيم بن عويض الثعلي العتيبي: تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز طبعة اولى 1414ه,
،3- د, موضي بنت منصور بن عبدالعزيز: الهجر ونتائجها في عصر الملك عبدالعزيز طبعة اولى 1993م بيروت,
،4- محمد منير البديوي: المتوكل على الودود عبدالعزيز آل سعود، الرياض - 1397,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved