الرعد المتلاحقة احمد من نومه بغتة فاعتدل في سريره ثم أخذ يزفر زفرات متقطعة سريعة كمن قد قطع مئات الأميال عدواً, جلس احمد على حافة سريره واضعا يديه
على جانبي جبهته متطلعاً نحو ارضية الغرفة في شرود وكأنه قد قرر عدم العودة للنوم مرة أخرى, مضى بعض الوقت قبل ان ينتبه احمد الى صوت المطر الذي بدأ يهطل
بغزراة في الخارج والى صوت بعض زخات منه تلامس زجاج النافذة، عندها انتصب احمد واقترب من النافذة ففتحها ثم اخذ ينظر الى المطر وهو يبلل كل شيء حول
المنزل, كان ضوء القمر لا يزال متوهجاً فأصبح للمكان منظر خلاب, ادخل احمد الى صدره نفسا عميقا وقد انعشته رائحة المطر المميزة قبل ان يبادر الى إغلاق
النافذة عندما شعر ببرد الليل ثم اقترب من اريكة صغيرة رمى فوقها جسده المجهد,
كان منزل احمد منزلا متواضعا يتألف من دور واحد يحتوي على غرفتين ودورة مياه، ومن قبو ممتلىء بالكتب القديمة, عاش احمد في هذا المنزل منذ طفولته عندما كان
ابواه لا يزالان على قيد الحياة, لقد ماتت أمه منذ اربع سنوات، أما ابوه فقد مات قبل عام, كان ابوه قبل وفاته يؤكد عليه دائما عدم التفريط بالمنزل او
بالكتب التي في القبو مهما حدث, وها هو احمد الى الآن لا يزال محتفظا بالمنزل وبالكتب على الرغم من انه بأمس الحاجة الى بيع الكتب على الأقل والاستفادة من
قيمتها حيث ان أجرته من وظيفته كعامل فرز في مكتب البريد لا تكفيه, ولكن لا، أنه لا يستطيع بيع كتاب واحد من كتب أبيه التي كان يعتبرها ابوه خير جليس في
الزمان وكان ينفق على شرائها بسخاء من أجرته المتواضعة,
هب احمد من اريكته بغتة واقترب من احد الأدراج بجانب سريره وفتحه ثم اخرج منه شمعة صغيرة اشعل خيطها بعود ثقاب ثم تقدم ففتح باب غرفته وانعطف نحو اليمين
قليلا حيث هناك الدرج الذي يقود الى القبو, كان الظلام في ذلك الجزء من المنزل حالكا وإن كان المنزل بأكمله يسبح في الظلام فالكهرباء لم تدخل بعد الى
القرية, هبط احمد درجات القبو القليلة ممسكاً الشمعة في يده واقترب من احد جوانب القبو ومد يده الممسكة بالشمعة الى الأمام قليلا وأخذ ينظر الى الرفوف
الممتلئة بالكتب التي علاها الغبار وعششت على بعضها العناكب، انها المرة الأولى منذ وفاة والده التي ينزل فيها الى القبو ولأول مرة يتردد هذا التساؤل في
ذهنه: كيف استطاع ابي ان يكون هذه المكتبة الضخمة من اجرته الضئيلة؟ ادار عينيه على إلى رفوف الكتب التي كانت تذكره بوالده عندما وقعتا على احد الكتب وقد
لفته العنوان: كيف تصبح غنيا؟ وابتسم ابتسامة شاحبة ثم مد يده واخرج الكتاب, فتح احمد الكتاب وأخذ يتصفحه وهو لا يزال يحتفظ بابتسامته الشاحبة وهم بإعادة
الكتاب الى مكانه عندما لاحظ ورقة بارزة من داخل الغلاف السميك ظنها احمد للوهلة الأولى صفحة منزوعة من الكتاب فأخرجها من مكانها ولما فردها ليعيدها الى
مكانها في الكتاب لاحظ انها مكتوبة بخط اليد، اذاً فهي ليست من صفحات الكتاب,, قرب احمد الشمعة أكثر من الورقة وأخذ يقرأ ما فيها, كانت الورقة مكتوبة بخط
يد أبيه الذي لا يخطئه، وكان مكتوبا فيها:
عزيزي أحمد:
هنالك سر اخفيه عنك وهذا لمصلحتك, انا لم اكن فقيرا في أحد الايام، فلقد ورثت صندوقا به نقود ذهبية عن أبي, وقد اخفيته خلف ارفف الكتب واحببت ان ادخره لك
عند الحاجة ولكنني مريض الآن وقد أموت فإذا وجدت هذه الورقة في أحد الايام فسارع الى استخراج الصندوق، والاستفادة مما فيه من نقود, اندفع احمد الى الأمام
واخذ ينتزع الكتب من الرفوف انتزاعا الواحد تلو الآخر بسرعة وتوتر شديدين وهو يخشى الا يجد الصندوق في مكانه, اضطرب تفكيره وتسارعت خفقات قلبه وهو يوشك
على انتزاع آخر مجموعة من الكتب عندما برز ما يشبه الصندوق,
ها هو الصندوق! شهق احمد وهو يتلمس صندوقا صغيرا من النحاس تراكم فوقه وعلى جوانبه الغبار, اخرج احمد الصندوق من مكانه ووضعه قريباً من الشمعة ثم فتحه حيث
لم يكن مقفلا فتلألأت قطع النقود الذهبية على ضوء الشمعة الخافت, انتابت احمد نوبة من الضحك الهستيري وحمل الصندوق بكلتا يديه وهو يركض باتجاه درج القبو
ولم يكد يقترب منه حتى تعثرت احدى قدميه فجأة بكومة صغيرة من الحبال فزلت قدمه وخر على وجهه الى الأرض فارتفع الصندوق الى الأعلى وهوى على رأسه في عنف,
شهق احمد شهقة تردد صداها في أرجاء المنزل ثم خبا صوته الى الأبد, ولم يعد يسمع الا صوت هطول المطر في الخارج يزداد,, ويزداد,, ويزداد,