،** منذ مائة عام استطاع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ان يضع اللبنة الاولى في بناء اكبر كيان سياسي واجتماعي بالجزيرة العربية,
،** اللبنة الاولى بدأت في الرياض,, والخطوة الاولى في مسيرة التأسيس انطلقت من الرياض، لماذا الرياض هذه تتحول الى مركز تنطلق منها مشاريع التوحيد والبناء
والتكوين,, واذا الرياض اليوم من اكبر عواصم العرب والمسلمين,
،** ان المتتبع لخطوات التأسيس في عهد الملك عبدالعزيز الى جانب مشروعه السياسي ذلك انه ما ان أتم هذا المشروع -المشروع السياسي- الذي بنى عليه توحيد اطراف
البلاد حتى شرع في تنفيذ مشاريع اخرى لعل في مقدمتها ومن اهمها مشروع التعليم الذي يرتقي بالفكر ويعلو بالعقل الى مستوى متقدم من الصيغة الحضارية المقبولة
التي تحفظ ما تحقق من منجز سياسي وتاريخي وجغرافي هو في امس الحاجة الى عقول وذهنية وطنية مخلصة تكفل له الاستمرار والتطور والنمو,, وهذا ما حدث فعلاً وما
نشهده اليوم,, الامر الذي يشهد لهذا القائد بالعبقرية الفذة في جوانب شتى تتجاوز القيادة الحربية والعسكرية الى القيادة التربوية والاجتماعية والانسانية,
،** ان اهم ما واجه الملك عبدالعزيز بعد اتمام مشروعه السياسي هو التعليم,, بل قضية التعليم، لان هذا المشروع الذي يطرحه القائد الموحد كان محفوفاً
بالمخاطر والتحديات فالبلاد لا تعرف من انماط التعليم الا ما كان سائداً من كتاتيب ومدارس موقوفة على علوم محدودة والذهنية الاجتماعية غير مهيأة لمثل هذه
القفزة, وخير دليل على ذلك الموقف غير المشجع الذي وقفته نجد من مديرية المعارف وتجلى ذلك في الحوار الذي جرى عام 1347ه -1927م بين حافظ وهبة ممثلاً
لمديرية المعارف وبعض العلماء، ثم في التقرير الذي رفعه الشيخ حمد الجاسر معتمد المعارف بنجد آنذاك في 1369/2/25ه انظر جزيرة العرب في القرن العشرين
والمجلة العربية عدد 199 ,
،** وهذه صورة من صور التحدي التي واجهها الملك عبدالعزيز بشجاعة فقد ساعد على نمو التعليم في الحجاز وخاصة في مكة المكرمة, ثم اراد ان ينتقل بمشروعه الى
بقعة اخرى هي في تكوينها الجغرافي والاجتماعي والقبلي اقرب الى نجد فاتجه الى الطائف وكان ذلك بتأسيس مدرسة دار التوحيد، المدرسة التي سبقت كافة انماط
التعليم في المملكة فكانت جامعة متقدمة خرجت اجيالاً من ابناء هذه البلاد فكان منهم الوزير والشاعر والاديب والقيادي الكبير والمعلم, وظلت ترفد البلاد
بكوادر مؤهلة تأهيلاً جيداً لتكوين الاطر في كافة المجالات, فما هي قصة تأسيس دار التوحيد؟
الانطلاقة
،* كان عام 1364ه هو عام انطلاقة مدرسة دار التوحيد، فقد اختار الملك عبدالعزيز لهذه المدرسة علّامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار السلفي الذي اسس عام
،1345 المعهد العلمي السعودي في مكة المكرمة، وكان الملك عبدالعزيز قد بدأ يهيئ لهذه الدار بأن اسس تسع مدارس ابتدائية في نجد والاحساء عام 1356ه لتهيئ
طلاباً تستوعبهم مدرسة دار التوحيد التي بدأ الاعداد لها عام 1361ه، وكان الشيخ محمد بهجة البيطار قد قابل الملك عبدالعزيز في الرياض عام 1363ه وتذاكر معه
في امر المدرسة حيث جرى افتتاح الدار في العام التالي,
،* وخطوة تأسيس دار التوحيد بالطائف تبعها خطوة تكميلية هي افتتاح كلية الشريعة بمكة المكرمة عام 1369ه لتستوعب خريجي الدار لتكتمل الحلقة التعليمية بين
التعليم الابتدائي والمتوسط والجامعي,
لماذا الطائف,,؟
،* لماذا اختار الملك عبدالعزيز الطائف لتكون مقراً لدار التوحيد؟
،- من المؤكد ان اختيار الطائف لهذا الصرح العلمي الكبير قام على اسس مكانية واجتماعية فالطائف تشكل حلقة وصل بين نجد وبقية مدن الحجاز وهي في بيئة تقترب
من نجد من ناحية وتقترب من مكة المكرمة من ناحية، فهي تشكل انفتاحاً وتطوراً لطلاب يأتون من قرى وهجر لم تعرف حياة المدن المنفتحة,, وهي في ذات الوقت في
صيغة محافظة لا يرفضها ابن البادية ولا آباؤه، الى جانب طقسها الجميل وجغرافيتها الخلابة وتوفر شروط الاغتراب والهدوء في جنباتها,
،* واختار الملك عبدالعزيز لهذه الدار طلاباً من نجد وطلاباً نجديين من مكة المكرمة والطائف والمدينة، وغيرها، وجعل من معايير القبول النباهة والعمر
والسيرة الطيبة,
خطاب الترشيح
،* وكان الملك عبدالعزيز قد اختار لجنة لترشيح الطلاب منها الشيخ عبدالرحمن بن علي بن عودان الذي وجّه له الملك عبدالعزيز خطاباً هذا نصه:
من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل,, الى جناب المكرم الشيخ عبدالرحمن بن علي بن عودان سلمه الله تعالى,,
السلام عليكم ورحمة وبركاته
بعد ذلك,, اعتمدنا على الله ان شاء الله اننا نفتح مدرسة بالطائف لأجل العلوم النافعة التي لابد يشرحها لكم الابن فيصل, فأنتم ان شاء الله تعدون ذلك
وتنتخبون من المدارس الرجال الطيبين، ومن الاهالي الذين ما دخلوا المدارس، الذين اعمارهم من خمس عشرة سنة الى خمس وعشرين سنة، الذين فيهم نفع ان شاء الله
للدين والدنيا، لأجل اني اعرف الناس، بدور الرجال الوالد الخبل من عياله الذي مافيه نفع، واما الذي فيه نفع يخليه لتجارته، ولكن هذا شيء انتم المعروفون
فيه والمسؤلون عنه، لأن هذه مصلحة عامة للدين والدنيا والبلاد، وانتم ان شاء الله تحرصون على ذلك، وقد اعتمدنا على ارسال مندوبينا من جهة النيابة، نرجو ان
الله تعالى يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه هذا مالزم تعريفه والسلام,
،1364/1/26ه,
،* وكان من بين اللجنة الشيخ عبدالله بن محمد بن عامر لاختيار طلاب القصيم، والشيخ محمد بن راشد لاختيار طلاب الرياض والوشم وسدير,
مفارقات في القبول,,!،
،* أما ردود الفعل لدى الاهالي فكان فيها مفارقات,, بل رفضاً لاختيار ابنائها والسفر بهم الى الطائف، ومن صور هذه المفارقات ما يلي:
،1- احد اهالي المجمعة، كتب استرحاماً الى الملك عبدالعزيز باعفاء ابنه من السفر للدراسة فاجابه الملك عبدالعزيز بما معناه: نحن ماذا نريد بولدك، نحن نريد
ان نعلمه، لا نريد ان يصير جاهلاً مثلك !,
،2- بعض اولياء الامور كانوا يهربون بأبنائهم كي لا يتم سفرهم الى الطائف، حتى ان احدهم ذهبت به والدته الى اخواله في الربيعية شرق مدينة بريدة بحوالي 40
كيلاً، فكلفهم الامير عبدالله بن فيصل بن فرحان امير بريدة آنذاك- وكان رجلاً حازماً فاضلاً مهيباً- باحضاره من هناك,,!،
،3- قيل في ذلك الوقت شعر مصدره تخوف الاهالي من سفر ابنائهم الى الطائف، فما قيل من شعر باللغة الفصحى قصيدة منها