تأسيس النهضة التعليمية في عهد الملك عبدالعزيز
الملك الموحد أول من نظم التعليم في المسجد الحرام
،* إعداد- مريم شرف الدين
يعتبر التعليم هو القاعدة الاساسية التي تنبثق منها حضارة اي دولة,, والانطلاق من مقوماته التي وصلت اليها الى وضع استراتيجية تنموية عريضة,, ومسايرة ركب التطور الحضاري الذي تعيشه كبريات الدول، وبالارادة القوية والاصرار الصادق للمؤسس الراحل المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله أرسى قاعدة تعليمية ساهمت في ازدهار وتنامي هذه الدولة والوصول ولله الحمد الى ما وصلت اليه وتحقيق العديد من المنجزات الحضارية والتنموية التي اصبح يشار لها بالبنان,
ولكن بالتأكيد كل هذا لم يتحقق بين يوم وليلة او عشية وضحاها,, وانما كانت هناك بداية,, وليتنا نعي حجم هذه البداية وما واجهتها من تحديات ومصاعب حتى تحولت الى ثمار نجني قطافها اليانعة,, ونستشعر ايضا حجم الدور والمسئولية الملقاة على عاتقنا تجاه الوطن خاصة واننا نعيش ايام الذكرى المئوية لتأسيس الدولة السعودية هذه الدولة الشامخة بايمانها بعقيدتها وتشريعاتها الاسلامية ودين الحق الذي سيبقى هو الركيزة والقواعد الثابتة التي تقوم على اركانها المملكة العربية السعودية,
ومن هذا المنطلق بامكاننا القول: ان جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز يرحمه الله,, عندما بدأ في اقامة نظام تعليمي منهجي متطور في المملكة العربية السعودية,, كان يقف بمواجهة اوضاع تعليمية متأخرة عن الدول المجاورة,, حيث كان التعليم في مناطق المملكة العربية السعودية يعتمد على الكتاتيب وحلقات المساجد وبيوت العلماء مع استثناء منطقة الحجاز بحكم مكانتها الدينية- مما ساهم على خلق جسور مع العالم الخارجي في وقت مبكر مما ساعد على وجود بعض المدارس والمعاهد بها دون سواها من مدن المملكة الاخرى,
ولكن هذا بالطبع لم يفقد الدولة السعودية منذ نشأتها في جوهرها كدولة تعليمية لا يكاد ينفصل فيها هذا الجانب عن جانب الجهاد ونشر الدعوة الاسلامية, حيث كانت البداية بعد وصول الشيخ محمد بن عبدالوهاب الى الدرعية والميثاق الذي عقد مع اميرها محمد بن سعود- فعلى الرغم من ان الشيخ محمد بن عبدالوهاب قد بدأ اعلان دعوته قبل ذلك بسنوات ومزاولته نشاطاً تعليمياً واضحاً في العيينة ومن قبلها في حريملاء الا ان التعليم في نجد قبل هذا التاريخ تم على نطاق ضيق جداً وكانت الكتاتيب محدودة لتعليم الاطفال القراءة والكتابة والتركيز فيها على قراءة كتاب الله الكريم ودفع اولياء امور التلاميذ لبعض الاجور الرمزية في غالب الاحيان لمعلمي ابنائهم، اما العلماء فكانوا يحاولون دائما بذل مافي وسعهم لتعليم الآخرين، في ذات الوقت الذي كانوا يدرسون فيه عادة في المساجد دون اجر- الا ان ما حدث بعد الاتفاق بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب والامام محمد بن سعود جعل الوضع السابق يتحول الى حركة تعليمية تسير على نطاق آخر تماماً,, وخطوات واسعة جعلت الشيخ محمد بن عبدالوهاب يضع برنامجاً مكثفا لتدريس اهل البلدة جميعاً وترك المجال مفتوحاً امام القادمين من البلدان الاخرى وطلب بناء مسجد كبير من اميرها يجتمع فيه رجال البلدة عند كل صلاة ومع هذه النقلة لم يمض عامان على بداية هذا البرنامج التعليمي الا وكانت المدينة الناشئة قد استعدت لمواجهة العالم الخارجي وبدأت بنشر العقيدة واقامة دولة كبيرة ليست بحجم مساحتها ولكن بكبر طموحاتها والتوسع المحقق الذي انجزه البرنامج التعليمي والخروج من نطاق الدرعية باعتبارها القاعدة الاساسية لتأسيس هذه الدولة والامتداد الى بقية البلدات الاخرى التابعة لنجد,, ومن ثم الى انحاء الجزيرة العربية، ولا شك ان اهم الوسائل التي ساعدت على توسع هذا البرنامج انشغال الشيخ بالجهاد في سبيل نشر الدعوة الى جانب قيامه بالتعليم,
والمتأمل لهذه الجهود سيتلمس الابعاد الحقيقية التي تحققت من البرنامج التعليمي وما احدثته من تغير كبير في حياة القبائل والعشائر التي انتقلت الى الجهاد لإعلاء كلمة الحق والدعوة الى الله,
في ذات الوقت الذي صاحب فيه هذا التوسع الجغرافي تنظيم سياسي وديني اكد على ضرورة مواصلة البرنامج التعليمي وانتشاره بالصورة التي تضمن رعايته وتتابعه فالى جانب كتب الشيخ العديدة ورسائله التي كونت مكتبة تعليمية اساسية ظلت على نشاطها وفعاليتها الى وقتنا الحاضر فقد اتبعت الدولة السعودية الناشئة نظاماً لتعيين قاضٍ وامام للبلاد التي تدين لها وحرصت على ان تجعل للقبائل المتنقلة قضاة وأئمة للصلاة يعلمون الناس حدود الله واحكامه وامور دينهم والنهوض باعباء هذا البرنامج التعليمي الذي اتبعته وسارت على نهجه الدولة الناشئة ليظل تأثيره تراثاً حياًحتى تسلم الملك عبدالعزيز زمامه واستخدم نفس الاساليب والادوات التي استخدمها الشيخ ومؤسسو الاسرة السعودية الاوائل,
وقد عرفت البلاد عدداً من العلماء الافاضل والاجلاء خاصة في كل من: الرياض، وبريدة، عنيزة، وشقراء، والمجمعة، وغيرها من المدن والقرى المهمة,
ومن مدارس الرياض التي كانت في ذلك الوقت: مدرسة ابن مفيريج، مدرسة ابن خشران، مدرسة آل حيان، مدرسة ال فهيد، مدرسة الخيال، مدرسة ابن هزاع، مدرسة ناصر بن حمدان، مدرسة خالد بن سعود، مدرسة ابا حسين، مدرسة علي اليماني، مدرسة ابن عثمان، مدرسة الشعارى، مدرسة ابن مديميغ,
التعليم في الخرج
وبعد خضوع الخرج لحكم الدولة السعودية الاولى اصبح هناك اهتمام بتعيين القضاة بصورة متتابعة,, وقيام امراء المنطقة بافتتاح المدارس فيها واوقفوا عليها الاوقاف, وتعتبر اسرة آل عتيق من الاسر التي توارثت التدريس في هذه المدرسة التي تخرج منها وعلى يد هذه الاسرة ايضا معظم الطبقة المثقفة في منطقة الدلم حيث اسند اليهم مهمة التدريس في المدارس الحديثة بعد افتتاح اول مدرسة ابتدائية في هذه المنطقة عام 1362ه ، كما قامت الحركة التعليمية على الكتاتيب التي انتشرت في انحاء البلاد,, حيث كان المطاوعة يقومون بالتدريس بها بدون مقابل,, على حساب ما يعطى لهم من زكاة او مبرة من اولياء امور الدارسين, ثم افتتح الاستاذان صالح وعبدالرحمن القرزعي مدرسة كانت ارقى بعض الشيء من مدارس الكتاتيب,, حيث كان يدرس فيها بالاضافة الى القرآن الحساب والخط,, وقد تقاضى ريالاً واحداً اجراً شهرياً على كل طالب,, اضافة الى ما يمنحه اولياء الطلاب وقت صرام النخل وحصاد الزرع من تمر وبر, ومن حوالي 1350ه اسس الاستاذ صالح الناصر بن صالح، الذي جاء من مدينة الزبير بعد تخرجه من مدرسة النجاة، مدرسة على غرار مدرسة القرزعي، ثم فتحت بعد ذلك اول مدرسة ابتدائية حكومية في عنيزة عام 1356ه ,
وقد امتدت الحركة التعليمية المرتبطة بالدعوة الى الاحساء عندما دخل الامير سعود الكبير، واستطاع المعلمون الاوائل من رجال الدعوة ان يدخلوا تأثيرهم الثقافي والديني في الاقليم,, وظل فاعلا ومؤثراً,
فاجتمع في الاحساء تأثير الدعوة السلفية الغالب,, مع تأثير النظام العثماني,, وقد انتشرت في الاقليم الكتاتيب التي لا تختلف كثيراً عما كان سائداً في بقية اقاليم الجزيرة العربية، اضافة الى عقد حلقات الدرس في المساجد حول المشايخ على النحو المعروف,
اما الجبيل فقد بدأ العمل في التدريس الاهلي عام 1336ه وفتح مدرسة اهلية يتعلم فيها الطالب الهجاء والقرآن والحساب والتوحيد والفقه والحديث, ثم في عام 1356ه امر الملك عبدالعزيز يرحمه الله بفتح مدرسة حكومية ابتدائية بالجبيل,
ونحن ننتقل بشكل متسلسل الى مناطق المملكة يتضح لنا حجم الاهتمام الذي اولته الدولة السعودية للتعليم والعلماء على الرغم من عدم درايتها او معرفتها بالابعاد المستقبلية التي ستحقق لها من خلال الثوابت التعليمية الراسخة التي اسهمت بتدعيم قواعدها بشكل بدائي ومتواضع سيكون النواة الاولى لقاعدة تنموية عريضة يفخر بها المواطن السعودي, ومع هذا التحول والصلات القديمة التي تربط بين عسير والدرعية,, كان للدعوة السلفية والدولة السعودية تأثير واضح في هذه المنطقة,, ومع النفوذ الديني للدعوة تمكنت الدولة السعودية من نشر نفوذها السياسي في الاقليم,, وكان هذا الاتصال عاملاً من اهم العوامل التي ساعدت الملك عبدالعزيز على ضم عسير بعد التغلب على الحكم التركي الذي لم يهتم اهتماماً حقيقياً بنشر التعليم حتى وان اسس بعض المدارس في المدن الكبيرة في منطقة عسير,, ومدرسة اولية للتعليم الابتدائي الا انها كانت تضم ابناء الموظفين وبعض الاهالي ولكن مع ذلك وبصفة عامة ظل التعليم يعتمد اساساً على النشاط الاهلي,, ونظراً لارتباط هذا الاقليم باقليم الحجاز فقد اعتاد الكثير من الاهالي في هذه المنطقة ارسال ابنائهم الى مكة المكرمة والمدينة المنورة لطلب العلم والالتحاق بالدراسة في الحلقات العلمية في المساجد,
اما في جيزان فلم يتجاوز عدد الكتاتيب فيها آنذاك الاثنين بينما كان عدد الطلبة يتراوح بين الستين والسبعين طالباً,, والمعلم الرئيسي واحد,, واعلى مرحلة تعليمية كانت شائعة هي ان يكون الطالب من قراء وحفظه القرآن وبعض المواد الدينية واجادة شيء من العربية وقد افتتحت اول مدرسة حكومية في جيزان عام 1355ه ,
لكن مع كل المعوقات التي واجهت التعليم في كافة المناطق الا ان التعليم في منطقة الحجاز قد اخذ وجها وصورة اخرى,, حيث كان من اكثر النظم التعليمية ثباتاً واستمراراً ولكن ليس بحكم موقع هذه المنطقة,, وانما بحكم اعتبارها مركزا دينياً وتواجد الحرمين الشريفين,, وكان آخر نظام وضع في العهد العثماني الذي صدر في عام 1332ه-1913م وكان يهدف الى مواجهة ما اصاب التدريس في الحرمين من ضعف واضطراب وما يواجهه علماء مكة المدرسون من شظف في العيش والحاجة للمساندة المادية الى جانب هذا الضيق المالي واجه علماء الحرمين قدراً من الاضطهاد والتعنت من ولاة الامور في ذلك الوقت,
ومن هنا كان اهتمام الملك عبدالعزيز بجذب عدد كبير من علماء الحرمين الشريفين- الذين شاركوا في نظامه التعليمي وتولي الكثير من المناصب الرئيسية للتدريس وادارة المعاهد التعليمية التي اقامها في عهده طيب الله ثراه,
اما في المدينة المنورة فقد وصل عدد الكتاتيب المجيدية فيها الى ثلاثة عشر كتاباً بينما وصل عدد المدارس الدينية الاولية الى 17 مدرسة الى جانب المدرسة الرشدية ومدرسة لتعليم الخط,
البداية الأولى للتعليم الأهلي
اما المدارس الاهلية فيرجع تأسيسها الى وجود عدد من الجاليات المسلمة مثل الجالية/ الهندية والاندونيسية والنشاط الشخصي لبعض الافراد من علماء الحجاز مثل محمد زينل الذي اسس مدارس الفلاح قبل العهد السعودي وبعده مثل الشيخ عبدالله خوجه الذي اسس مدرسة النجاح الليلية عام 1350ه في العهد السعودي والشيخ عبدالظاهر ابو السمح الذي اسس دار الحديث في مكة عام 1353ه الى جانب المدارس الاربع الاهلية التي قامت فيها قبل دخول الملك عبدالعزيز وهي الصولتية التي تأسست عام 1291ه والفخرية عام 1298ه ومدرسة دار الفائزين عام 1304ه ومدارس الفلاح 1330ه والواقع ان جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله,, قد اولى رعايته لجميع هذه المدارس الاهلية,, واعطاها من اهتمامه الشيء الكثير ولا شك ان حركة الملك عبدالعزيز الاصلاحية التي شملت التعليم,, قد احدثت نقلة نوعية وغيرت تغييراً جذرياً وجعلت له نظاماً موحداً الا ان هذا التغير كان تدريجياً وظل قائما لسنوات طويلة في كثير من الاحوال السابقة سواء من حيث التدريس في الكتاتيب او في مباني المدارس المتواضعة او مرتبات المدرسين والظروف الاقتصادية لدولة ناشئة كانت صعبة للغاية وكان من الصعب مع هذه الاحوال ان تتصور امكانية التغيير المفاجىء او الشامل للاوضاع التعليمية الا ان هذا التدرج المدروس ساعد على تحسن الاحوال التي تواصلت واستمرت بشكل ملحوظ تضاعفت معها المسئولية وزاد معها ما كان يكرس للتعليم من اموال,
معركة التعليم,, ومعوقاتها
،* غير ان الظروف الاقتصادية لم تكن هي كل الصعاب التي احاطت بجهود الملك عبدالعزيز في التعليم,, ليدخل معركة التعليم مسلحاً بخبرة طويلة وبمعتقد ديني سليم استطاع ان يواجه به الاعتراضات التي واجهت برامجه الاولى للتعليم- خاصة وان الحركة التعليمية التي دعا اليها الملك عبدالعزيز- كانت حركة حديثة بالنسبة للجزيرة,, وتعتبر تطوراً جذرياً لمفاهيم التعليم القديمة التي كانت على اهميتها وجوهريتها مقصورة على التعليم الديني,, هذا مما جعله الملك عبدالعزيز يتخذ سياسة حكيمة واحدة تجاه العاملين من مدرسين وموظفين في كافة انحاء الجزيرة وخاصة في الحجاز حيث كان الجهاز البيروقراطي اكثر وضوحاً وتكاملاً,
المشاريع الإصلاحية
والواقع ان مشروعات الملك وتجاربه التربوية الجديدة عديدة ويمكن ان يندرج فيها الكثير من اصلاحاته الاجتماعية التي لا تدخل في مجال التعليم مباشرة، وعلى سبيل المثال: نظام الهجر، نظام التعليم في المسجد الحرام، المعهد العلمي السعودي، مدرسة تحضير البعثات، مدرسة الاسراء، دار التوحيد، مدارس البترول، وكلية الشريعة,
وقد يستغرب البعض عن علاقة الهجر بالحركة التعليمية,, الا ان رعاية الملك عبدالعزيز لهذا المشروع التعليمي الكبير والاستعانة فيه بعدد من العلماء وتوجيهه لهم لتلقين الهجر المبادىء والتعاليم الصحيحة للعقيدة وللعمل خصوصا وان هناك اتجاهين رئيسيين لتفسير مشروع الهجر والحركة الدينية والاجتماعية التي صاحبته حيث يرتكز الاتجاه الاول منها: على عوامل عسكرية لها تاريخ طويل يرجع الى حركة التوحيد نفسها، والى محاولات البيت السعودي في توحيد الجزيرة,
اما الاتجاه الثاني,, فكان يرى في الهجر مشروعاً اصلاحياً، اجتماعياً زراعياً لتوطين البدو,, ويستهدف التغلب على الولاءات القبلية ودمج القبائل في مجتمع يؤمن بالله وينتمي الى الوطن والدولة,
ولكن المهم ان هذين الاتجاهين على الرغم مما يوجد بينهما من فوارق,, لا يختلفان في ان الملك عبدالعزيز كان وراء حركة التنظيم لهذا المشروع,, وانه كان مسؤولا عن وضع الفكرة موضع التنفيذ,
نظام التدريس في المسجد الحرام
ايضا في اطار هذه الاصلاحات,, فقد عمل الملك عبدالعزيز منذ الايام الاولى لدخوله مكة المكرمة على توحيد الامامة والصلاة وتوحيد مصادر القضاء والقضاء على وثنية القبور وغير ذلك من مظاهر اقرار المعتقد الصحيح ووسط هذه الدعوة النشطة الى التوحيد والاصلاح التنظيمي والاداري,, ووسط هذه الدعوة المصاحبة للاهتمام بالتعليم صدر النظام الجديد للتدريس في المسجد الحرام الذي صدر بالامر الملكي,, وتضمن سبع مواد هي: يقرأ فقه المذاهب الاربعة والعلوم العربية,, ويدرس التوحيد والتفسير والحديث والوعظ بين العشائر,
يجب على المدرسين ان يبينوا في تقارير العقائد ومباحث الصفات في مذهب السلف الذي اجمع عليه ائمة اهل السنة,
يجب على المدرسين ان يبينوا للناس في اثناء دروسهم انواع البدع وانواع الخرافات التي شوهت الدين الحنيف,
اما بقية نصوص النظام من المادة 4-7 تنص على ان مدة الدراسة تكون ساعة على اقل تقدير,, كما تنص على ضرورة مثابرة المدرسين على الدرس بلا انقطاع,, وتعطي المادة السابقة الحق للجنة العلمية برئاسة رئيس القضاة في حالة اذا ما اخل احد المدرسين بشيء من هذه المواد ان تقرر بشأنه ما تراه,
وبلا شك فقد كان هذا النظام في حد ذاته تعبيراً واضحاً عن سياسة الملك عبدالعزيز في الاستفادة من الامكانيات التي يجدها في الواقع واعادة صياغتها صياغة جديدة تسمح بالتطور والنماء ولم يمض عام على صدور هذا النظام حتى قام الملك عبدالعزيز يرحمه الله بتشكيل هيئة لرئاسة القضاة عام 1346ه وفي عام 1347ه صدر مرسوم ملكي جديد يقضي بتشكيل هيئة لمراقبة الدروس والتدريس في الحرم على ان تكون هذه الهيئة تابعة لادارة المعارف,
ولقد حدثت تطورات كبيرة بعد ذلك في التدريس في الحرم المكي وفي التدريس الديني في المملكة بوجه عام,, ووضع نظام متكامل للتعليم الديني بموجبه من المرحلة الابتدائية حتى مرحلة التعليم العالي في الجامعات والمعاهد العليا,
المعهد العلمي السعودي
اما المعهد العلمي السعودي,, فقد ظهرت فكرته مع الايام الاولى لتأسيس مديرية المعارف عام 1344ه وكانت هذه الفكرة نتيجة مباشرة لبدء العمل التنفيذي في المديرية,, وافتتاح مدارسها الاولى,, وقد كان هذا المعهد استجابة لاول عقبة واجهتها مديرية المعارف في بدء تكوينها في الحجاز وهي: خلو المدارس الابتدائية الاولية كلها او معظمها من المعلمين,, والمؤهلين واول فوج تخرج من هذا المعهد بلغ عدده ثلاثة وعشرين طالباً قد أنهوا دراستهم عام 1349ه- 1930م ,
مدرسة تحضير البعثات
من اهم التجارب التربوية التعليمية التي تمت بقيادة الملك عبدالعزيز وتوجيهه,, انشأ هذه المدرسة التي كانت خطوة حاسمة وتجربة تطبيقية نتج عنها تطوير التعليم الثانوي في المملكة,, بل ووضع الأساس لمرحلتي التعليم المتوسط والثانوي ولقد ارتبطت تجربة هذه المدرسة ارتباطاً مباشراً بتجربة المعهد العلمي السعودي,, فالمدرستان كانت كل منهما ضرورية للاخرى بل لقد وضعتا في مرحلة من تطورها تحت ادارة واحدة,, واذا كانت تجربة المعهد العلمي مرتبطة بتدعيم التعليم الابتدائي واعداد مدرسين له,, فان تجربة مدرسة تحضير البعثات قد وضعت وأسست مرحلتي التعليم الاعدادي والثانوي في النظام التعليمي الذي كان يبنيه الملك الراحل عبدالعزيز,
كما تعتبر مدرسة تحضير البعثات المؤسسة العلمية الاولى التي فتحت آفاق الابتعاث امام الطلاب,, بحيث اصبح العدد الغالب من طلبة البعثات من خريجيها وان شارك في البعثات بعض خريجي المعهد العلمي السعودي ,, الا ان مدرسة تحضير البعثات قد ظلت تؤدي دورها الى ان استقر نظام التعليم الثانوي والمتوسط في عهد وزارة المعارف,
مدرسة الأمراء
اما مدرسة الامراء فتعتبر تجربة تعليمية من تجارب الملك عبدالعزيز الرائدة,, خاصة لما تحتله من مكانة تاريخية في سيرة التعليم في المملكة,, بل وربما تكاد تكون تجربة فريدة في تاريخ التعليم,
ففي عام 1356ه حيث بدأ تاريخ المدرسة الموثق- تمت اعادة تشكيلها واسناد رئاستها الى الاستاذ الشيخ عبدالله عبدالغني خياط,
وكان المنهج الدراسي لهذه المدرسة افضل ما في مواد المنهج الابتدائي الذي كان متصلاً بمواد المنهج الثانوي,, بل وبمواد المنهج العالي ويشتمل على مادة التفسير والحديث والفقه واللغة العربية والتاريخ الاسلامي الى جانب اللغة الانجليزية والعلوم والرياضيات,
ولكن من خصائص هذه المدرسة بالطبع انها كانت في حركة دائبة لانها كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بشخص الملك الراحل ووجوده,, فكانت المدرسة تنتقل وفقاً لحركة الملك واعداد نفسها واسرة التدريس فيها لهذا الترحال المستمر بالرغم من ان للمدرسة مكاناً ومقراً معروفا في قصر الرياض- ثم في قصر المربع وبعد عام 1361ه ولكنها كانت تستمر ايضا في البديعة واستئناف الدراسة في مسجدها,, وجلوس الابناء اثناء تلقيهم للدروس على المداد في المسجد,, وهذا بالطبع اذا لم يكن هناك سفر الملك,
في ذات الوقت الذي يرتبط فيه فتح المدرسة وحركتها على هذا النحو,, نوع اخر من الانفتاح الذي سمح به الملك عبدالعزيز وشجعه انذاك,, وهو اتاحة التعليم في هذه المدرسة لطلبة اخرين من غير ابناء الاسرة, ولم تكن هناك مواعيد ثابتة لبدء السنة الدراسية وانهائها- ولكنها عادة ما كانت تبدأ في الشهر الثالث من العام وتنتهي في العاشر او الحادي عشر,, حسب ظروف الملك وتحركاته اضافة الى ان مدة السنة الدراسية فيها بذلك اطول مما هي عليه في المدارس العامة وقد ظل جلالته طوال حياته يرحمه الله يضع هذه المدرسة في مكانة خاصة من نفسه ويحرص على ان يظل اولاده دائماً بجواره فيها وتحت رعايته واشرافه,
دار التوحيد
اسم فريد لمؤسسة فريدة,, لان المدرسة او الدار غير مسبوقة لافي الاسم او مستواها واهدافها وترتكز دار التوحيد على مجموعة من خصائص التجارب التربوية الاصلاحية التي قام بها الملك عبدالعزيز,, وتتشابه في مكانتها مع المعهد العلمي السعودي و مدرسة تحضير البعثات مؤسسة خارج النظام التعليمي قبل ان يكتمل,, وذلك بهدف تغيير الواقع القائم والمساهمة في الوقت نفسه في بناء هذا النظام التعليمي وتوطيد اركانه وبالتالي كانت دار التوحيد النواة الاولى لتقارير مؤسسات التعليم الديني وتخريج الافواج الاولى من المؤهلين لمتابعة دراساتهم العليا في هذا المجال وكانت نموذجاً للمعاهد العلمية التي بدأت بعدها بست سنوات عام 1370ه ولتأسيس كلية الشريعة قبل ذلك عام 1369ه كما حوت هذه الدار الكثير ايضا من خصائص تجربة الهجر وتوطين البدو خصوصا ان مثل هذا المشروع كان مشروعاً ملكياً ويهدف الى حث المواطنين على الالتحاق بركب التقدم,
نشأت المدرسة والنظام التعليمي مازال يسير بخطوات بطيئة,, كما تم اختيار الطائف مقراً لدار التوحيد لما كان لها من مكانة بارزة في الحياة الفكرية في الحجاز وقدر من النشاط التعليمي في اطار النمط السائد انذاك ويبدو مع هذا ان الطائف قد نالت شيئا من عناية المسئولين عن التعليم الحكومي,, حيث افتتحت فيها بعد ذلك مدرسة رشدية، ثم انشئت مدرسة ابتدائية في ناحية اسفل وذلك الى جانب مدرسة القصبة التي كانت موجودة من قبل,
وكانت ادارة الدار تمثل ادارة مستقلة بحكم طبيعتها,, وشغل مدير المعارف نفسه انذاك وظيفة مدير الدار لعدة سنوات وظلت رئاسة دار التوحيد مستقلة حتى عام 1373ه وهو العام الذي تشكلت فيه وزارة المعارف واوكلت رئاستها لصاحب السمو الملكي الامير فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله ليكون اول وزير للمعارف في المملكة,
وقد كانت الدراسة في مطلع تأسيس المدرسة اشبه بالتدريس الديني العالي في المساجد اضافة الى ان المدرسة في مجملها كانت اشبه بفصل كبير واحد,, تدرس فيه العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية فقط، وحينما تولى ادارة المدرسة مدير المعارف محمد بن عبدالعزيز المانع قسم الدراسة لمدة خمس سنوات وكانت خطة الدراسة فيها تهدف الى تخريج عدد من المتخصصين في الشريعة الاسلامية من الكفاءات ذات المقدرة على مواصلة الدراسات العليا داخل المملكة,
ومع الرعاية التي اولاها الملك عبدالعزيز للتعليم فقد كانت له نظرة خاصة تجاه مستقبل اولئك الابناء الذين اتاح لهم فرصة طلب العلم في دار التوحيد واعداده لهم لاكثر مما كانوا يتوقعونه, لان الملك الراحل وجهازه التعليمي كان يعد لانشاء اول كلية للتعليم العالي في المملكة,, وهي كلية الشريعة التي تأسست عام 1369ه اي بعد خمس سنوات تماماً من تأسيس دار التوحيد والواقع ان دار التوحيد قد خرجت اعداداً كبيرة من القضاة والمدرسين والكتاب والشعراء المعروفين والباحثين التربويين الذين يشغلون اليوم مناصب عليا في مؤسسات الدولة التعليمية والتنفيذية,
المدارس والبترول
ومع هذه النقلة التعليمية التي بدأت تحفل بها الارجاء المختلفة لهذه الدولة التي عرفت اختيار اهم المقومات التي تساعدها في غرس النواة الاولى للتنمية بعد عودة جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه واختياره للتربية الصالحة التي ساعدت على نمائها وتعهده لها بالرعاية التي تكفل لها مواصلة هذا الدور، فقد شهد يرحمه الله تطوراً ضخماً في دخل المملكة من البترول بدأ مع الضخ التجاري عام 1939م- 1358ه وصاحب ذلك ما حدث من تطور في الصناعات وفي انارة بعض المدن وغير ذلك مما يحتاج الى دراسات متخصصة ومن هذا الواقع نستطيع ان نتصور ان العاهل الراحل كان يصنع من وعيه وتبصره القاعدة الاساسية اللازمة للطفرة الكبيرة التي حدثت بعد رحيله ونشأ في ظلها التعليم الفني والتعليم العالي اللذان اصبحا صروحاً تعليمية ضخمة في المملكة,
وفي عام 1367ه- 1947م بدأت مسيرة التعليم الصناعي بافتتاح مديرية المعارف لاول مدرسة صناعية في جدة للتدريب على الحدادة والنجارة واللحام والاعمال والاشغال الخاصة بميكانيكا السيارات وفتح مدرسة زراعية كذلك بالمدينة المنورة ومدرستين تجاريتين احداهما بمكة المكرمة والاخرى بالمدينة المنورة ومن هنا يتضح لنا ان رعاية الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه للتعليم كان لها ابلغ الاثر في جعل البترول يقفز بالتعليم هذه القفزة من ميزانية محدودة لتصل الى حوالي عشرين مليونا من الريالات السعودية الا ان هذا التغير الذي احدثه الدخل المتزايد في التعليم بصفة عامة,, ينبغي ألا يجعلنا نتجاهل او نتناسى الجهد الذي بذله الملك عبدالعزيز ومحاولته الاستفادة من شركة البترول بناء على الاتفاقيات الحكومية معها في مجال التعليم,
ففي سنة 1370ه- 1950م قدمت الشركة التسهيلات اللازمة لتعليم 450 طالباً وتكفل الشركة بمبلغ 20,000 ريال سنوياً تصرف في هذا المجال، اضافة الى فتح مدارس خاصة بتعليم عمال الشركة ومدارس اخرى لتعليم ابناء الموظفين والقيام كذلك بارسال بعثات دراسية الى الولايات المتحدة للاستفادة منها في هذا المجال,
كما عملت الشركة على خدمة مصالح بفتح مدارس مهنية تدريبية لموظفيها للحصول على طاقات بشرية مدربة فنياً تساعدها في خفض اعباء تكاليف الفنيين الامريكيين واجورهم المرتفعة وبهذه الخطوة استطاعت الشركة بالتدريج تحويل العمال العاديين غير الفنيين الى عمالٍ فنيين او شبه ذلك والاستفادة منهم في المجالات البترولية المختلفة وذلك ما جعلها تقيم ادارة خاصة تعنى بشؤون التعليم منذ عام 1944م وفي اطار هذه التسهيلات فقد عقد مع الشركة انذاك اتفاقيتين الأولى وتتعلق بالمبادىء الخاصة بمساهمة شركة ارامكو في اعداد وسائل التعليم بما يخدم ابناء موظفيها,
اما الاتفاقية الثانية فقد كانت بعد سنوات من رحيل الملك عبدالعزيز حيث كانت تتعلق بانشاء مدارس متوسطة سعة كل منها 100 تلميذ ,, وفي حالة ما اذا كان العدد اكبر فيتم انشاء مدرستين بدل من ثلاثة سعتهما 300 تلميذ ,
وبعد ان تملكت الحكومة السعودية للشركة تم الاعلان عن مولد لشركة البترول الوطنية السعودية لتحل محل ارامكو وتصبح الثروة البترولية خالصة للمملكة العربية السعودية وزيادة التوسع في المؤسسات التعليمية التي تسلمت جميع المراحل من الحضانة حتى التعليم العالي,
كلية الشريعة
وكان تأسيس الكلية قائما وتم تأسيسه وفق خطوات الملك التجديدية السابقة,, حيث ترجع اقدم وثيقة عن تأسيس هذه الكلية الى عام 1369ه وكان انشاؤها كاول تجربة لممارسة التعليم الجامعي بالمملكة بعد ان بدأت بها الدراسة الثانوية,
وقد بدأت الكلية بفصل دراسي صغير للغاية يتألف من بعض الطلاب الذين تخرجوا من دار التوحيد بالطائف او المعهدين العلميين السعوديين في كل من مكة والمدينة اضافة الى وضع مناهج الكلية في مرحلة تأسيسها الأولى امتداداً للدراسة في المعهد العلمي السعودي و دار التوحيد وقد شارك الكثيرون من قادة الفكر ورجال التربية من الاقطار الاسلامية في وضع هذه المناهج ووضع اللوائح المنظمة ومن العلوم التي كانت تدرس في الكلية التوحيد والتفسير والفقه والحديث والنحو والبلاغة والانشاء ومصطلح الحديث والفرائض واصول التفسير واصول الفقه,
ولنا كلمة
وبعد كل ما ورد ذكره عن هذه المعركة التي ساهمت في نماء هذا البلد,, ووصوله الى اوج الحضارة التي ازدهرت في حاضر ابناء هذا الوطن,, وتكون ومضات تشرق بالتفاؤل والامل في المستقبل القادم,, علينا ان نعي وكما سبق وان ذكرت حجم المصاعب والمشاق التي تكبدتها الاسرة السعودية في تحويل الحلم الى حقيقة والسراب الى واقع ملموس في ظل ارساء تلك الثوابت الراسخة والدعائم القوية, كما ينبغي علينا تلقين وترسيخ كافة هذه المقومات في اذهان ومخيلة اطفالنا وابنائنا وبناتنا ليعوا حجم الفروقات والنقلات النوعية التي احدثتها حنكة الملك عبدالعزيز يرحمه الله ورجاحة عقله في واقع العملية التعليمية حتى يستشعروا واقع المسئولية والدور الذي هم مطالبون به,, والراحة التي ينعمون بها في مجال التعليم بعد ان مهدت الطريق امامهم بتلك الايدي المخلصة,


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved