في 5 شوال عام 1319ه ليبدأ مسيرته الظافرة التي قادت الى مانحن فيه الآن من ظلال التنمية الوارفة في جميع المجالات التي تعيشها بلادنا الغالية والتي
يحسدنا عليها البعيد والقريب في هذا العالم المتسارع الأزمات الذي تعصف به رياح الحداثة والعولمة من كل جانب,
لقد تهاوت العروش وسقطت الانظمة وانتشرت الفتن والاضطرابات على مدى الخمسين سنة الماضية ولازالت تعصف بالكثير من الاقطار من حولنا وظلت المملكة العربية
السعودية في منأى عن كل ذلك يظلها الأمن والاستقرار ويسودها العدل ورغد العيش، وما ذلك الا بفضل الله جل شأنه ثم بفضل الأسس المتينة التي قامت عليها -
اصلاً- وظلت نبراساً لقادتها تحدوهم الى الخير وتجنبهم المزالق منذ عهد التأسيس ، عهد الملك عبدالعزيز، الى عهد تكامل البناء عهد خادم الحرمين الشريفين
الملك فهد بن عبدالعزيز ايده الله ورعاه,
لايستطيع المؤرخ المنصف او المتابع الموضوعي الا ان يقف مندهشاً امام ماتحقق في بلادنا على مدى مائة العام الماضية من انجازات عظيمة ماكانت تخطر على البال
سواء ماتحقق منها على يد الملك عبدالعزيز عندما تمكن بالجهاد الدؤوب والسياسة الواعية المحنكة من تحرير وتوحيد تلك البلاد المترامية الاطراف بشجاعته الفذة
وايمانه العميق وسياساته العبقرية وسجاياه الحميدة، حيث ارسى في جزيرة العرب دعائم دولة عصرية صارت فيها هذه البلاد مضرب المثل في الأمن والاستقرار ورغد
العيش بعد ان كانت مضرب المثل في الاضطراب وفقدان الامن وشظف العيش، او فيما تحقق على ايدي ابنائه الميامين من بعده من تطور وتنمية شملت كل مجالات الحياة
بشكل فاق كل الأحلام وتجاوز جميع التوقعات,
وبما ان الادارة السليمة الواعية المستمدة من الشريعة الاسلامية هي اهم الأسس التي اقام عليها الملك عبدالعزيز هذا الكيان الفريد في تاريخ العرب والمسلمين
فإن بحثنا هذا يُعنى بتلك الناحية وحسب,
لقد كانت بلادنا في حالةمن التخلف وشظف العيش وشح الموارد الطبيعية الىدرجة انه ماكان احد يصدق ان بالامكان تجاوز هذا الواقع، ومع ذلك تم للملك عبدالعزيز
التغلب على هذه المعوقات الكبيرة بفضل الله تعالى ثم بفضل مواهبه القيادية العظيمة حيث تمكن من ايجاد ادارة عصرية تجمع بين احدث النظم الادارية، وبين
مبادىء واحكام الشريعة الاسلامية,
وهذا المزج الموفق بين النظم الادارية الحديثة واحكام الشريعة جعل الادارة في المملكة العربية السعودية وسيلة فقط، لضبط الاجراءات في تصريف شؤون الناس
والدولة، اما الهدف والغاية فهما احقاق الحق والعدل بمقتضى احكام الشريعة السلامية، ولذلك كان الهدف الثابت للملك عبدالعزيز ولولاة الامر من بعده هو تحقيق
الصالح العام للدين والدولة والمجتمع، سواء أكان ذلك عن طريق انظمة ادارية، أم وفق قواعد شرعية متفق عليها لدى العلماء,
ولنأخذ بعضاً من الانطباعات والآراء التي رصدها لنا عدد من الكتاب والساسة واصحاب الرأي من مختلف القارات والجنسيات والمذاهب والديانات الذين اتفقوا
جميعاً علىانهم امام الملك عبدالعزيز انما هم امام رجل عبقري ليس لنفاذ بصيرته حدود، وانه صاحب سجاياحميدة في كل جانب من جوانب شخصيته الفذة ولاسيما ما
يتعلق بمواهبه الادارية,
لقد كتب الكتّاب عن الملك عبدالعزيز في فترة زمنية معينة اكثر مما كتب عن اي رجل من عظماء التاريخ في فترة زمنية مساوية، ولازال وسوف يبقى تاريخه وجهاده
وآثاره الباقية، ومعاني شخصيته واعماله، كل منها ميدان خصب للمؤلفين والباحثين الى ماشاء الله تعالى,
ونستخلص مما كتبه اهم الباحثين عن شخصية الملك عبدالعزيز وقدراته ومواهبه القيادية المتعددة انه كان مديد القامة، منتصباًفي استقامة تامة ، يبلغ طوله ستة
اقدام واربع بوصات، وكان اطول رجل في نجد في زمنه، متناسق الاعضاء قوي البنية، مفتول الساعدين شديد العصب واسع الصدر بعيد مابين المنكبين، ذا جمال رجولي
وله جبهة عالية، وانف بارز قليل الانحناء، وثغر صغير عليه شفتان ممتلئتان تدلان على الحماسة والذكاء في آن واحد، وكل من يراه دون فكرة سابقة عنه ويشهد
ابتسامته العذبة لابد ان يحبه، وكان بشوشاً مبادراً بالكلام عميق النظرات صادق الفراسة متواضعاً ظريفاً,(1)،
وقال عنه آخرون: انه حاكم مثقف لم يقدّر للبلاد العربية ان تحظى بمثله في غير النادر من المرات,, وانه يجمع في طبيعته روح الحرب وروح السلم,, لايقاتل
الناس ولايعتدي عليهم وانما يحارب الجهل ويقاتل الجمود ويكافح التأخر,, وانه من الزعماء الذين يراهم المتفرسون والمتمرسون فلايحارون في اسباب زعامتهم،
ولايجدون انفسهم مضطرين ان يسألوا لماذا كان هؤلاء زعماء؟ لان الايمان باستحقاق هؤلاء لمنزلة الزعامة في اقوامهم اسهل كثيراًمن الشك في ذلك الاستحقاق(2),،
وقال عنه امين الريحاني : انه رجل قبل كل شيء,, رجل كبير القلب والنفس والوجدان، عربي تجسمت فيه فضائل العرب الى حد يندر في غير الملوك الذين زينت آثارهم
شعرنا وتاريخنا، رجل صافي الذهن والوجدان، خلو من الادعاء والتصلف، خلو من التظاهر الكاذب، يتمشى في حكمه على قاعدة العدل اساس الملك ,(3),،
وقال عنه كاتب الماني: انه لايخدم نفسه ولكن يخدم فكرته، ولذلك لاينظر الىنفسه الا خلف عمله، وهو من هذه الوجهة حاكم عصري يختلف جد الاختلاف عن سلاطين
الشرق الذين يعتبرون شعوبهم كلها مجرد خدم لأشخاصهم، ولاشك ان الاجبني الذي يرى ابن سعود لاول مرة يبتسم لبساطة هذا الملك وعدم تمدنه، اذ يبصره في ثوب
عادي في غرفة ذات اثاث بسيط،واذ يشهده يقوم لكل قادم ويمد يده لتحيته وان كان بدوياً من افقر البدو، ويأكل طعامه في حضرة وزرائه وكتّابه وسائقي سياراته،
ولكن الابتسامة لاتلبث ان تفارق ثغر الأجنبي حين يدرس رأس هذا الرجل ويدرك العظمة الحقة الماثلة في تلك البساطة,
ويضيف هذا الكاتب قائلاً: ففي رأسه تنمو جميع الخطط، وعلى كتفه مهمة تنظيم مملكته الكبيرة، وتنحصر مساعدة امرائه له في حسن تنفيذهم للخطط التي يضعها، فهو
وحده الذي يفكر ويعمل وكلهم ايدٍ له,, وانه ليحمل عبئاً عظيماً من العمل، وهو يشتغل طوال اليوم من باكورة الصباح الا قسطاً من الليل ماعدا فترات يقضيها
في الصلاة، وبرهات قصيرة يرتاح فيهابين اهله, وهو يتلقى كل يوم مئات الخطابات والتقارير ويقرؤها بنفسه ويملي مئات امثالها على كتابه، ويفد عليه كل يوم
كثير من البدو، والوفود من انحاء الدولة يعرضون عليه شكاواهم ورغباتهم ويتلقون منه اوامره، وجميعهم ينزلون ضيوفاً عليه طوال مدة مكثهم في الرياض، وهو يولم
الولائم لنحو الف نفس كل يوم، ونفقات الملك الشخصية قليلة لأنه لايعرف الترف في حياته الخاصة، وانما له عدد من السيارات لابد منها لحسن القيام بشئون الحكم
في هذه المملكة المترامية الاطراف,
ويضيف هذا الكاتب: انه حاكم متبصر حكيم يعمل لمصلحة شعبه لالنفسه، ويقدر الرجال حق قدرهم، ويقرأ مابقرارة نفوسهم قبل ان ينطقوا ببنت شفة,, ويسعى دائما
لارضاء من يعملون معه فيعطيهم اكثر مما يرتقبون, اذ يمنحهم الأمن على حياتهم والهدايا الخالصة من القلب، والحب لمن يستحقه، ولكن رغم ذلك يبقى ابن سعود
وحيداً بينهم لأن له نفساً عالية (4)،
وقالت عنه صحيفة اوربية : يمتاز ابن سعود عن سائر الناس بعقليته الفذة، وعبقريته، واذا كان قد اشتهر كمحارب ذي بأس وشجاعة واحرز انتصاراته الباهرة بما
ابداه من ضروب المغامرات فإننا لانخالف الحقيقة اذا قلنا انه لايقدم على حرب او اي امر آخر قبل ان يحيط بالموقف احاطة وثيقة وقبل ان يعد خططه بكل
رويةوامعان، والملك ابن سعود عدا ذلك سياسي بعيد النظر ضرب في الفنون الدبلوماسية بسهم وافر، واذا كان دائماً بحاجة الى المال فإن تلك الحاجة لم تكن في اي
وقت من الاوقات لمنفعته الشخصية، وانما لتقدم مملكته الواسعة ورفاهيتها، وقد تمكن من ادخال كثير من وسائل المدنية الحديثة الى بلاده على الرغم مما لاقاه
في سبيل ذلك من معارضة من جانب بعض المتأخرين، لكن تلك المعارضة لم تفت في عضده ولم تحل دون تنفيذ اصلاحاته الكثيرة، ومهما قيل عن هذا الملك العربي فإن
النتيجة الوحيدة التي يتوصل اليها هي انه ذو شخصية فذة عظيمة، ولقد اتيح للملك ابن سعود بصورة خاصة ان يوفق بين مطالب الحضر والبدو، وان يرضي هاتين
الفئتين كلتيهما على السواء، وقد تمكن بفضل سياسته الرشيدة وحكمته البالغة ان ينشر ألوية الامن في البادية، لذلك فإن من يتمنى التقدم والنجاح للبلاد
العربية لايسعه الاان يتمنى الخير للملك ابن سعود (5),،
وقال عنه كاتب عربي: انه طويل القامة يدل مظهره على مهابةوقوة، متناسب الاعضاء قوي العضلات، ذو حيوية ونشاط، وجهه طويل بيضاوي وجميل، ينم عن سلامة نية
وصراحة، انه رجل ورع نقي، يرى المباهاة بالنفس اثماً، والكبر خطيئة، بسيط الى اقصى حد في ثيابه وطعامه لايهتم بزخارف الحياة ومباهجها، وانما يعني بالحقائق
عارية مجردة، لا اثر للزركشة فيها، ولا المبالغة ولا التزويق، ديمقراطي الى ابعد حدود الديمقراطية، يعقد المجلس العام الذي لايمنع من حضوره اي بدوي،
ويتحادث مع اي فرد من رعيته ويناقشه مناقشة الند للند، ويسمع منهم الشكاوي والظلامات وينصحهم ويبدي لهم آراء حكيمة، ويخاطبه البدو باللهجة البدوية: يا
عبدالعزيز وهو جذل بهذه المخاطبة,
ويقول هذا الكاتب الغربي متسائلاً: هل بين ملوك الشرق من يضارع ابن سعود؟ ويجيب بنفسه قائلاً: لا اذكر حاكماً قوياً يخشى الله او لايخشاه قد وصل الى مكانة
هذا الملك، فلاشك انه لايعدله ملك في العالم الاسلامي فهو الجندي الباسل، والمصلح الكبير والمخلص لدين الله، والانسان الظريف الكريم الصريح الثابت الذكي
الشجاع المتواضع، ومن السهل ان يخالفه في الرأي رجال من رعيته وهذا الاختلاف لايقلل من احترامهم لشخصه والاخلاص له، ولذلك فقد بعثت شخصيته الحية المثل
العليا في نفوس الكثيرين في سائر البقاع الاسلامية(6),،
ان مما يزيد في اهمية هذه الاقوال والانطباعات هو ان اصحابها من جنسيات مختلفة، ومن اوطان متباعدة منهم عرب ومنهم اجانب، منهم مسلمون ومنهم مسيحيون، وهم
جميعاً مختلفو النزعات السياسية والادبية، وقالوا ماقالوه عن الملك عبدالعزيز في اوقات مختلفة فجاءت اقوالهم متفقة، او مكملاً بعضها للآخر في ان شخصية
الملك عبدالعزيز متوفرة لها كل مميزات العبقرية ومقوماتها في كل جانب من جوانبها,
لم يختلف على عبقرية الملك عبدالعزيز وصدق اعماله اثنان من اهل الفراسة والتحليل، ولم يتنافر حيالها رأيان، بل ان الآراء التي قيلت فيه جاءت متناسقة
ومنسجمة تماماً، ولو لم يكن ماقيل فيه وفي انجازاته ذا دلالات صحيحة وحقيقية لما وجدنا انفسنا الآن, بحاجة الى كتابة مثل هذه البحوث المكثفة التي تقوم بها
جهات كثيرة، وافراد عديدون ونحن في جيل الاحفاد بعد رحيله عنا,
ان لشخصية الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى ولأعماله معاني ومؤثرات لازالت تؤثر في واقعنا، وستبقى تؤثر في مستقبلنا لان الملك عبدالعزيز كقائد واب قد غُرس
في ضمائرنا ووجداناتنا كشعب، لذلك فإنه يلزم ان نبلور مفهومنا عنه بحيث نرسم له الصورة الواضحة الجلية في اعماق الشعب، وفي مدى استيعاب الجماهير والتاريخ
على النحو الصحيح الصادق الذي من شأنه ان يجعل البناء الذي اوجده الملك عبدالعزيز بعبقريته الفذة هو الاساس الراسخ لكل بناء جديد يضاف الآن او في المستقبل,
ولن يتأتى لنا ذلك الا بالقاء المزيد من الضوء على شخصية الملك عبدالعزيز واعماله التي تألقت بالعطاء الخير وغير المحدود على كل الأصعدة الوطنية
والاجتماعية في كل الاتجاهات خلال مايزيد على نصف قرن من الزمان,
لقد تمثلت كل الفضائل الانسانية في شخصيته واعماله، فهو الشجاع المقدام الخبير بفنون الحرب ومصارع الاعداء، وهو الحكيم المحنك الذي لم تكن تنطلي عليه حيلة
من حيل دهاقنة السياسة وثعالب المكر، وهو الوفي الكريم المحب الذي لايفوته اي عمل تقتضيه المروءة والشرف والنخوة، وهو العادل المتواضع المؤمن الذي ينصف
الضعفاء وينصر المظلومين، ويعفو كلما كان من حقه ان يعفو، وكلماكان العفو اولى من انفاذ العقوبة، وهو المصلح الذي قضى على الضلال والجوع والجهل والمرض
فأقام مجتمعاً مدنياً حديثاً في جزيرة العرب ماكان احد يحلم به او يتخيل تحققه,
ان الملك عبدالعزيز بالنسبة لباعثي مجد العرب الحديث هو اعقلهم واكرمهم واشجعهم واقواهم نفساً وانفذهم رأياً، واكيسهم، وارحمهم، وانجدهم، واطهرهم, هذا
مانطقت به اعماله قبل وبعد الذي نطق به عنه الآخرون,