المنزل الذي شيده بحي الرائد الفنان التشكيلي المعروف علي الرزيزاء يعد كرنفالا فنيا,, ومعلما بارزا يجسد ايقاع المعمار النجدي المطور,, بناه الرزيزاء
ليخدم ثقافة زمن معين هي بيئة بيت الطين التي أوشكت على الانقراض يقول: لقد اعطيت هذا المشروع كل روحي لأجعل الطين يتنفس في هذا العصر,
إن الرزيزاء يصر على تسمية هذا المنزل بالبيت رغم انه فيلا رائعة جميلة واسعة أنيقة,, ليتماشى المسمى مع الطابع النجدي الذي سكبت فيه الفكرة ويعطي إيحاء
بالزمن الماضي لأوائل البيوت الطينية التي بنيت في اشيقر والتي لعب الرزيزاء في طفولته عند جدرانها,
ان للعمل الفني الناهض على ارض حي الرائد قيمة فنية اضافية في عالم الفن التشكيلي ومعلم حضاري يؤكد الارتقاء الفني الذي وصلت إليه ذائقتنا المحلية انه
عمل باهر من رجل فذ يخدم طموحات وتوجهات ورؤى التشكيليين ويؤكد دورهم المهم الذي لم يعد محصورا في لوحة تشكيلية تحيط بها البراويز,
لقد كسر الرزيزاء تلك البراويز التي تقيد اللوحة التشكيلية وانطلق الى آفاق أرحب وأوسع الى ثقافة المجتمع تماما مثلما انطلق الدكتور عبدالله الغدامي من
النقد الأدبي الى نقد الثقافة,
شرفات ,, زارت الموقع,, وتجولت في داخل أروقة اللوحة الفنية وعاشت بها زمنا جميلا والتقت بمبدعها على الرزيزاء, وخرجت بالاتي,
،* بيتك رائع وجميل زاخر بكل المقومات الفنية أي فلسفة دفعتك لصياغة بيتك بهذا الأسلوب؟
منذ سنوات وأنا أحلم بمنزل (العمر) وهذا جعلني اعمل كل شيء لتحقيق هذا الحلم,, ولكن البيت الذي أحلم به ليس ككل البيوت،,, لأني أريده منزلا يجسد فني
ويخدم تاريخي الفني,, كنت اطمح الى تحفة فنية أعيش بداخلها أريد الجمال الفني حولي اينما وجهت نظري أراه أمامي , اريد ايضا ان أعلمه أبنائي,, وهم لن
يتعلموه إلا اذا لمسوه وتعايشوا معه,, انني اسعد كثيرا عندما يقول احد ابنائي هذه الألوان جميلة او يقول: هذا المكان ممتع لأني اعرف بكلامه ذاك انه بدأ
يشعر بالجمال الفني ويؤثر فيه,
إن الصغار الذين يعيشون في بيئات تقليدية خالية من الفن لا يتأثرون بالفنون الجميلة ولا يشعرون بقيمتها الفنية فلا يستغرب احد اذا صنعت (بيتا فنيا) اعيش
انا وأسرتي فيه,, فهذا كان هدفا من أهدافي,, انا سعيد ان اعيش في الفن في يقظتي وخيالي,
،* ما دور المهندس المعماري في المساهمة في تشييد المنزل ؟
عندما عرضت فكرة البيت الفني على عدد من اصدقائي الذين لهم اهتمامات معمارية ويملكون مكاتب هندسية كبيرة رحبوا بالفكرة وأكدوا على تفردها وتميزها
واستعدادهم الكامل لعمل المخططات اللازمة فطلبت منهم ان يكون المنزل ذا خصوصية تتناسب مع البيت العربي الإسلامي بحيث يمنح الحرية الشخصية في البيت ويستفيد
من المسطحات ويوظف كل زاوية من زوايا البيت لصالح قاطنيه فأكد المهندسون الذين تربطني بهم صداقة معمارية قديمة انهم سينفذون المخطط وفق المطلوب,, اما
إبراز معالم الجمال في البيت النجدي واختيار الألوان والأبواب والنوافذ وغير ذلك مما يتطلبه البيت فقد كان ذلك من مهامي الذي فرغت نفسي لها ووضعتها هما
اوليا أبدأ به يومي الجديد, وكان الجميع واثقين انني سأجعل منه تحفة فنية مؤثرة,
،* ما الفكرة التي يقوم عليها البيت ؟
المنزل كله عبارة عن قطع فنية مميزة متناسقة يجمعها وحدة الموضوع,, فتجد مثلا ان الصالة فيها خطوط وألوان ونقش وديكورات تتناسب مع غرفة النوم ومجلس
الرجال وحديقة المنزل والمسبح بشكل يجعلها تتكامل فيما بينها لتعطي في النهاية لوحة فنية رائعة,
بلدة اشيقر تحمل معاني كل الجمال
،* العمارة النجدية كانت محل اهتمامك منذ زمن فمعظم لوحاتك التشكيلية تعبر عن ذلك,, لماذا كل هذا الاهتمام بنجد وعمارتها,, كيف نشأ هذا الاهتمام وكيف نما
وكيف تطور؟!،
في طفولتي كان بيت الطين في اشيقر يمثل كل معاني الفن كنت أنظر إليه بإكبار,, هذا البيت الطيني,, كنت ارى فيه الشموخ، كانت خطوطه وتصاميمه مثار أسئلة
تلاحقني اينما ذهبت,, كنت أنظر إليه ولا أملّ صوره ارتسمت في مخيلتي واقضت علي مضجعي, احبه,, أعشقه,, فالعمارة القديمة لها تأثير كبير علي وعلى عدد كبير
من جيلي انها تبعث في النفس الراحة وتشعرنا بالانتماء للأرض والمكان،
ان لدي مخزونا وافرا من الفن النجدي جاء عن طريق المعايشة والاطلاع والتمعن فقدا كانت بلدة اشيقر القديمة بابنيتها وممراتها وناسها رافد اصيلا ساهم الى حد
بعيد في مسيرتي التشكيلية,, وجعلني أعشق العمارة النجدية حتى اصبحت هي موضوعي الرئيسي في اللوحة,
بيتي يجمع التراث والمعاصرة
،* قد يتوهم البعض أنك أنشأت بيتا طينيا مثلث الحواف هل يمكن ان توضح فكرة منزلك القديم الجديد بصورة أشمل؟
أحاول من خلال اعمالي التشكيلية ان أصل بالعمارة النجدية الى العالمية,, فأنا لا أتعامل معها بريشة المقلد والناقل وإنما بريشة فنان يخرج فكرة البيت
النجدي مع معطيات العصر لتصبح لدينا لوحة فنية معاصرة وفكرة جديدة بها نفس وحياة وإيقاع زمننا هذا لذلك عندما اقمت منزلي في حي الريان جعلته كائنا عصريا
بجذور الماضي,, من هنا كان تميزه وأصالته,
فلو دققت النظر في المنزل جيدا لرأيت ان الحفر على الجبس والنقش على الخشب وقص الابواب والنوافذ والتركيب المعماري عبارة عن (موروث معاصر) فقد شكلت أدوات
البناء الحديثة باشكال الماضي وشكلت أدوات البناء القديمة بأشكال الحاضر,, لتعطي في النهاية تركيبا ,, فريدا,
فلم استخدم الطين في تشييد بيتي انا لست ناقلا للبيت النجدي التقليدي,, وربما شيدت البيت ببعض مواد البناء العصرية كالبلك مثلا,, اما بقية أدوات البناء
فقد صغتها بنفسي,, فمثلا لم استخدم الأسمنت في تلييس الجدران وإنما استخدمت خلطة خاصة يدخل في تركيبها الرمل وكسوت بها الملامس الخارجية للمبنى فاعطت هذه
التركية تأثير العمارة القديمة باسلوب جميل وبتكلفة مالية أقل,
،* وماذا عن التصميم الداخلي؟!!،
الطابع العام للبيت من الداخل (غرفة النوم، طاولة الأكل، أدراج المطبخ,, المجلس,, الخ) يوحي لك بالعصرية فمثلا ترى اللون الكحلي والموف والتركواز
والأزهار والشجيرات والرخام ولكن عندما تدقق النظر جيدا ترى أن كل ذلك بنيّ على الموروث الشعبي وأن للبيت وحدة موضوعية لا تحسها إلا عندما تشاهده عن كثب,
بمعنى آخر البيت يجسد الموروث الشعبي المطور,
أما الأبواب والنوافذ فترى ان لكل واحدة تصميما تشكيليا مختلفا رغم اتفاقها في مقاساتها ونوعية المادة الحديدية المصنوعة منها,
واعتمدت في التصميم الداخلي على المشغولات الحديدية والمشغولات الخشبية والمشغولات الجبسية وأبدعت من هذا كله اشكالا فنية وضعتها على الأبواب ونوعية
طلائها فانك تقف امامها طويلا لأنك في الأساس ترى لوحة تشكيلية حقيقية وقس على ذلك في الأبواب والستائر وأشكال الجبس,
وانني لم استخدم قطعا واكسسوارات وأدوات السوق وإنما كل ذلك عملته وصنعته بنفسي,, فلا تكاد ترى في البيت قطعة مستوردة إلا نادرا,
عفوا,, لست مقاولاً
،* ماذا لو اتخذت فكرتك هذه تجارة اعتقد انها ستكون مربحة؟
ان فرقا كبيرا بيني وبين المقاول الذي يشيد المنازل فالمقاول او التاجر مثلا لديه طرح مادي قوي قد يغلب على الجودة والاتقان والجمال,, اما أنا في تشييدي
لبيتي فان لدي طرحا فنيا قويا يتغلب على الأهداف المادية لقد خسرت من جيبي الآلاف من أجل الفن,, ان تأثير الفن علي أقوى من تأثير المادة لذا تجدني لا
أملك إلا فني,
،* وماذا عن القصر المنيف الذي تتطارد الرياح فيه هل يختلف عن منزلك؟
،- قد يبني الرجل قصرا عصريا واسعا على النمط العالمي ومؤثثا بأفخم الأثاث الإيطالي والفرنسي,, ولكنك تجده غريبا فيه لا يشعر نحوه باي انتماء او إلفة,, بل
تجده لا يعرف كيف يتعامل مع أدواته او يتأقلم مع مداخله ومخارجه,, اعتقد ان مصير هذا الرجل الى الكآبة رغم كل البهرجة التي يعيشها ولكنني في بيتي اختلف
عن صاحب ذلك القصر لقد شيدت بيتي بيد فنان وليس بيد مهندس معماري,
ان بيتي يحمل كل الفن والقصر لا يحمل سوى الترف والثراء,
،* كيف يمكن لنا إيجاد صناعة سعودية متقنة تملك كل عناصر الجذب والجمال؟
لو كان هناك تصنيع محلي قائم على أسس علمية وفنية لاستطعنا ان نفرض حضارتنا على العالم,, ولو كنا كذلك لسمعت العالم يقول: هذا شغل سعودي هذا هو الذي
أريده وأسعى وأطمح إليه,
نحتاج في تحقيق هذا الطموح الى توحيد الهم الثقافي وجعل الناس يشعرون بقيمة موروثهم ويعون أهمية تميزهم ويعتزون بممتلكاتهم الوطنية والبيئية,, وان تتاح
الفرصة للمبدعين الحقيقيين في تصميم الأفكار الجديدة في مجالات التصنيع,
لن يحصل هذا ما دام رجل الأعمال يريد الربح السريع ويهتم به أكثر من اهتمامه بالمساهمة في نشر الافكار السعودية في التصنيع,, فقطعة مصنعة في الخارج تدر
عليه ارباحا كبيرة هذا كل ما يريد,
اننا نطمع من رجال الأعمال ان نرى في منتوجات مصانعهم روحا سعودية تؤكد هويتنا وان تكون لديهم قناعة في تبني الموهوبين من المفنانين التشكيليين السعوديين
والمصميين البارزين واعطائهم الفرصة للإبداع وان يدعموا البحث والدراسة في هذه الجوانب وذلك في كيفية جعل كل قطعة مصنعة ساعات مجوهرات مزهريات، طاولات،
أقلام، أثاث,,, تأخذ نفسا سعوديا وصفة وطنية باسلوب فني منافس,
نريد من رجال الأعمال ان يوجدوا روحا فنية تسويقية ويدعموا ذلك بالمنافسات والمسابقات والحوافز,
من هنا يحق لنا ان نعتب عليهم ويحق لنا ان نطلب ان يكونوا أكثر فاعلية في خدمة الفن المحلي والمساهمة في تطويره وإبرازه,
،* كيف يتأتى لنا ان نرتقي بموروثنا وبيئتنا جماليا وان نجعلها مصدر اعتزاز وفخر؟
ان المصنوعات التي تجلب من الخارج كالسجاد والتحف,, والأواني افسدت الذوق لدينا وجعلتنا نزهد في مشغولات ماضينا او بالأصح المشغولات التي تبين هويتنا
وتجعلنا شعبا له مكانة, ان أقرب مثال على فساد ذوقنا,, ان تجد رجالا يلتحف بطانية مرسوم عليها تنين صيني,, تراه كذلك وهو في غاية السعادة الفنية هذا إذا
كان لديه حس فني حقيقي,
او ترى رجالا يشتري ستائر فرنسية فاخرة,, وهو يلا يعرف ان يركبها او يقتلعها او حتى يتعامل معها او ترى رجالا يبني قصرا فخما عصريا ويذهب للاستراحة او
لبيت الشعر او للخيمة,
ان هذه متناقضات ينبغي معالجتها,, وانا اعتقد ان مجرد مناقشتها يعد أمرا جيدا وخطوة اولى نحو التصحيح,
،* بماذا تفسر إهمال معظم الأسر السعودية النواحي الجمالية في منازلهم؟
هذا جاء بسبب خلل واضح في المقرر المدرسي الذي لم يول الزائقة الجمالية اي عناية,, فمقرر التريبة الفنية مثلا مازال قاصرا عن تنمية مدارك الطلاب في فهم
اللون والجمال والتكوين,, وكيف يكون ذلك وهو يدرس بطرائق تقليدية منذ زمن طويل ولم يدخلها التطوير والتجديد منذ أكثر من ثلاثين سنة, وما محاولات التغيير
والتجديد التي شملها هذا المقرر سوى اجتهادات لم تحقق الأهداف المرجوة,ان وزارة المعارف مطالبة قبل غيرها في تنمية الذوق الرفيع وفهم الجمال ونشر الوعي
الفني ولن يتأتى ذلك إلا بوجود متخصصين يبنون مقررا حقيقيا ويؤسسون مراكز فنية متخصصة تعمل على نشر الثقافة الجمالية بين الطلاب والمجتمع,