|
أماه لا تنسي بحق بنوتي
قبري لئلا يحزن المقبور
صوني جهاز العرس العرس تذكاراً فلي
قد كان منه الى الزفاف سرور |
والحقيقة ان العقاد يشهد بالشاعرية الرفيعة لعائشة التيمورية حين يقول: كان والدها يقول لوالدتها التي كانت تعترض كثيراً على كثرة قراءة وكتابة ابنتها
للشعر دعي هذه الطفلة للقرطاس والقلم ودونك شقيقتها فأدبيها بما شئت من الحكم ، وقد رتب لها المعلمين في اللغة الفارسية والعربية والمعلمات في العروض
ومااليه حتى درست من هذه الفنون خير ما كان يدرسه ابناء ذلك الجيل وضارعت في النظم احسن من نظموا فيه فإذا استثنينا البارودي أولاً والساعاتي ثانياًفشعر
السيدة عائشة يعلو الى ارفع طبقة من الشعر ارتفع اليها أدباء مصر في اواسط القرن التاسع عشر الى عهد الثورة العرابية, ولم يكن التعليم في خدور العلية ولا
الطبقات الأخرى من الندرة بحيث يتبادر الى ظننا لأول وهلة, فقد وجدت عائشة لها معلمات وزميلات يقرأن الأدب ويعرفن الشعر والعروض ولكن المسألة في نبوغها
ليست مسألة تعليم المرأة وما وصل اليه من الذيوع والاستحسان وكأن العقاد يريد أن يبرهن على ان المرأة تقول الشعر عن موهبة فإذا كان قد أقر بذلك فما الذي
يمنع المرأة من أن تكون شاعرة عظيمة الاالظروف والملابسات التي حكمت على المرأة تاريخياً باخفاء مشاعرها وعدم القدرة على التصريح بخفايا احاسيسها, وتحدث
العقاد عن اسماعيل صبري فرأى ان اسماعيل صبري قد نشأ في بيئة مترفة تحسن التمييز بين الحسن والقبيح ولما تهيأ لاسماعيل صبري أن يتلقى العلم في فرنسا ويطلع
على آدابها وآداب الأوروبيين في لغتها كان من الاتفاق العجيب أنه اطلع على الآداب الفرنسية وهي في حالة تشبه حالة الذوق القاهري من بعض الوجوه لأنها كانت
تدين على الأكثر الأغلب بتلك الرفاهة الباكية التي كان يمثلها لا مارتين واخوانه الارقاء الناعمون، والحقيقة ان فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر كانت
تموج بتيارات قوية تتراوح بين رومانسية لامارتين التي تتأمل الطبيعة ورومانسية الفرد دي موسيه التي تفيض هياماً بالمرأة وبين التفجر الثوري في رومانسية
فيكتور هيجو ثم مالت الحياة الشعرية الى لون جديد هو الرمزية التي تخترق الواقع في شعر بودلير وحلقت في أفق من الصفاء الشعري عند ملارميه ورامبو, ان
البيئة وحدها لا تصنع الشاعر ولكن ما تصنعه هو طبيعة موهبته يقول العقاد عن شاعرية اسماعيل صبري
اسماعيل صبري شاعر صادق الشعر ناقد بصير بالنقد الا انه لا يتعدى في شعره ونقده نطاقاً يرسمه له مزيج من ذوقه القاهرية وذوق المدرسة اللامرتينية في أحسن
ما كانت عليه من شعور وتمييز شعره لطيف لا تعمل فيه، ولكنه كذلك لا قوة فيه ولا حرارة ونقده بصير عارف بالزيف كله ولكنه غير بصير ولا عارف بالصحة كلها
وأثره في تهذيب الأذواق ونفي ما كان قاسياً من زيف التشبيه وفساد الخيال أثر واضح لاريب فيه، ولكنه بعد ذلك أثر محدود بذلك النطاق المرسوم ان شئت فقل ان
أدب الرجل كان أدب الذوق ولم يكن أدب النزعات الخوالج وأدب السكون ولم يكن أدب الحركة والنهوض وأدب الاصطلاح ولم يكن أدب الابتكار المستكشف الجسور ثم تحدث
عن شعره فقال: اذا قال شاعر ان عزيمة البطل الممدوح تصدم الصخر الأشم فتهده وتمهده قال صبري: ان عزيمة بطله تلامس الصخر فتنبت فيه الأزهار وعزيمة ميمونة
لو لامست صخراً لعاد الصخر روضاً زاهراً, وشبيه بهذا ان يقول صبري في الغزل والتشبيب
|
لواء الحسن اضراب الهوى
ايقظوا الفتنة في ظل اللواء
فرقتهم في الهوى ثاراتهم
فاجمعي الأمر وصوني الابرياء
ان هذا الحسن كالماء الذي
فيه للأنفس ري وشقاء
لا تذودي بعضنا عن ورده
دون بعض واعد لي بين الظماء |
ثم يقول العقاد عن طبيعة شعر اسماعيل صبري، واذا سرى اليه قبس من وهج اللوعة فأقصى ما يشتاقه ان يقول
|
أبثك ما بي فإن ترحمي
رحمت أخا لوعة ذاب حبا
واشكو النوى ما أمر النوى
على هائم ان دعا الشوق لبا
واخشى عليك هبوب النسيم وان
هو من جانب الروض صبا
واستغفر الله من برهة
من العمر لم تلقني فيك صبا
تعالي نجدد زمان الهناء
وننهب لياليه الغر نهبا
تعالي أذق بك طعم السلام
وحسبي وحسبك ما كان حربا |
ثم يعقب العقاد على شعر اسماعيل صبري قائلاً
ولو كانت الدنيا كما يحسبها صبري أو كمايصورها في شعره ولو كانت الفطرة الانسانية كمافطر عليها او كمايريدها ولو كانت عظائم الطبيعة وذخائرها تبدو له أو
تبدو في ثنايا كلامه لكان الذوق الناعم هو قسطاس الشاعرية ومطلب الفنون وعنوان التعبير السليم ولكننا حريون أن نعلم ان قسطاس الشاعرية غير ذلك وان مطلب
الفنون أعلى من ذلك وان عنوان التعبير اسلم من ذلك, لأننا نعلم ان الحياة غير تلك الجباة وان الطبيعة الانسانية أرحب وارفع وأقوى واعمق من الطبيعة الصبرية
وان النعمومة كالطفولة الضعيفة تروقنا بعض الأحيان ولكننا لا نلتزم لأجلها الطفولة ابد الزمان، ان العقاد يؤمن بارتباط الشعر بالحياة ولهذا رأى العقاد ان
نهضة الشعر الحقيقية ترتبط بوعي الأمة بذاتيتها وبقوميتها فهو يرى ان تباشير النهضة لم تبدأ الا بعد الثورة العرابية وان الشعر قبل هذه الثورة كان شعراً
مترفاً لم يعبر عن عصره ولم يستجب لمطلب الوعي الجماعي الذي كان كامناً ثم فجرته الثورة في شعراء عبروا عن ذواتهم وضمير أمتهم من أمثال حافظ ابراهيم,