لذا حين دخل عليه احد رجال القصر البريطاني ووجده يرسم، سأله: هل يلهو صاحب السعادة بالرسم في اوقات فراغه؟، فرد عليه روبتر بقوله: بل افضل ان الهو
بالسياسة احيانا!! ,
اغلب الظن ان روبتر هو الفنان الوحيد الذي تمكن من الاقتراب من قصور الملوك والاباطرة، لا من اجل تصويرهم فحسب، بل من اجل ممارسة مهام وانشطة سياسية هامة،
كان لها اكبر الاثر في ذلك الزمان البعيد,
أصول الصنعة
ولد بيتر بول روبتر في 28 يونيو عام 1577 في بلدة سيجين ببلجيكا، لاب كان يعمل مستشارا للامير ويليام حاكم مدينة انفرس ، وأم تجيد صناعة السجاد والتطريز
بمهارة، وعندما بلغ روبتر العاشرة مات أبوه، ثم الحقته أمه باحدى المدارس ليتعلم اللغة اللاتينية والآداب الكلاسيكية، الى جانب الالمانية والفرنسية
والايطالية حتى بلغ عدد اللغات التي كان يتحدث بها بطلاقة سبع لغات,
بعد ذلك بثلاث سنوات الحق بوظيفة وصيف شرف في بلاط الاميرة مارجريت وبعد عام واحد، ترك القصر والتحق بمرسم زوج خالته الرسام توبياس فيرهيخت ، ثم انتقل
روبتر الى مرسم ادم فان نورت وفي عام 1596 انتقل الى مرسم اتوفوينوس وعن طريق هذا الاخير تعلم روبتر اصول الصنعة عن حق، فضلا عن تأمل اعمال الفنانين
الايطاليين التي كانت تعتبر ذروة الفن انذاك,
في عام 1600 سافر روبتر الى ايطاليا لاول مرة، وقدموه الى الدوق كونزاجا حاكم مدينة مانتوفا الذي اعجب بثقافته اللاتينية، ولباقته الدبلوماسية ومهارته
الفنية، ومن ثم قام بتقديمه الى الطبقة الراقية والامراء والملوك,
وفي عام 1603 بعث الدوق كونزاجا الفنان روبتر على رأس بعثة الى فيليب الثالث ملك اسبانيا، بعد ان زوده بهدايا ثمينة مثل عدد من اللوحات التي ابدعها
اساتذة الفن الايطاليون، والجياد الاصلية، والسجاد والمنسوجات الشرقية,
ويقول روبتر نفسه، انه بدأ رحلته في 18 مارس عام 1603 ، وعندما هبط فلورانس اقلقته كثرة نفقات المحافظة على حياة الجياد، وحراسة الهدايا التي كان من
بينها صورتان تعرضتا لاصابات بالغة، فاضطر الى استبدالهما بصورتين اخريين من عمله، احداهما تمثل هيرقل والاخرى تمثل ضحكات ديموقريتس وفي اسبانيا اهدى
الوزير الاول الدوق ليرما عدة صور من اعماله منها صورة تمثله على صهوة جواده، كما صور الكثير من النبلاء والامراء، ثم عاد الى ايطاليا عام 1604، وظل يعمل
في هدوء في قصر الدوق كونزاجا حتى عام 1606، لكن حنينه جرفه الى زيارة روما مرة اخرى، ثم قام روبتر بنقل صورة العشاء الاخير لفنان ايطاليا الاول ليوناردو
دافنشي ,
حياة الرحالة
في 19 اكتوبر عام 1608 رحلت أمه، مما كان له اثر سيئ في نفسه، خاصة وانه عاش حياة الرحالة، ولم يعش معها كثيرا منذ شب عن الطوق، لذا عاد الى بلاده انفرس
طلبا للراحة والسكن بجوار قبر أمه,
لكن الامير البرت وزوجته ايزابيلا الحقاه بوظيفة مصور للبلاط في بروكسل بمرتب 500 فلورين شهريا، في تلك الاثناء زغردت عصافير الغرام في قلبه عندما تعامل
مع ابنة زوجة اخيه التي كانت تدعى ايزابيلابرانت ، وفعلا تم زواجها في 13 اكتوبر عام 1609، واعد لها قصرا كبيرا بني على طراز عصر النهضة الايطالي، واحاطه
بحديقة واسعة شملت ارق واندر الزهور، والمدهش ان هذا القصر مازال باقيا الى اليوم بالقرب من كاتدرائية المدينة وفي ميدانها تمثال له من البرونز تخليدا
لاعظم فنان انجبته بلجيكا,
كان القلق يزلزل كيانه لانه غير قادر على التخلص من تأثير فناني ايطاليا عليه، والكشف عن قدراته الابداعية المتميزة، وقد ظل ثلاث سنوات يعمل بحماس حتى
استطاع ان يزيح عن كاهله الاثر الايطالي، ويفرض حضوره بقوة، وهنا قرر روبتر انشاء مدرسة لفن التصوير واشرك معه الكثير من تلاميذه واتباع فنه ليتمكن من غزو
قصور عشاق الفن في العالم كله,
لذا لا عجب ولا غرابة ان يكون قصره ومرسمه مهبط مشاهير رجال اوروبا وبؤرة اشعاع للفن في القارة كلها، ومنه خرجت اكثر من ثلاثة الاف لوحة كبيرة لتضيء عتمة
قصور العالم, وقد قدرت المصادر كلها على ان روبتر كان محبا وفيا لزوجته التي كانت جميلة الطلعة، قوية البنية، كما كان أبا حنونا على اولاده البرت و
نيقولا ، وكان احيانا يستعين بثلاثتهم وبنفسه كنماذج لمواضيع صوره,
في عام 1622 رحل روبتر الى باريس ملبيا دعوة الملكة ماري ارملة هذي الرابع ملك فرنسا وام ابنه لويس الثالث عشر الملك الحالي، من اجل القيام بزخارف قصدها
المختار لوكسمبورج بعد ان سمعت بشهرته الفائقة,
ثم عهد اليه ابنها الملك لويس الثالث عشر اعداد مجموعة من الرسوم تمثل حياة الامبراطور قسطنطين الاكبر لغرض تنفيذها من نسيج السجاد الحائطي,
لم يستطع احد ان ينفلت من اسر رسوم روبتر لما تتسم به من رقة ونبل وتوزيع محكم للاضواء والظلال، وقد توثقت عرى الصداقة بينه وبين الملكة ماري والعديد من
الامراء والسفراء بعد ان قام بتصويرهم، وطبعا لم يبخل عليه احد في منحه اجرة فضلا عن الحفاوة والتكريم اللائقين,
الدبلوماسي الفنان
في عام 1626، ماتت زوجة روبتر ايزابيلا ، فانشطر فؤاده وبكاها كطفل رضيع فقد أمه، واكتشف كم هو قاس غول الوحدة، فقرر الزواج مرة اخرى، ووقع اختياره على
هيلين فورمنت جميلة الجميلات، حيث كان لها من الشقيقات ست بنات آية في الجمال,
تولت ايزابيلا عرس بلجيكا بعد موت زوجها البرت، واشار عليها مستشارها سيبيولا الاستعانة بالفنان روبتر في شئون السياسة الخارجية مثلما يفعل بعض الملوك!!،
وفعلا عندما تأزمت العلاقات بين انجلترا واسبانيا وبلجيكا، لم تجد الارشيدوقة ايزبيلا الا روبتر لترسله الى اسبانيا ليتحقق من نوايا الملك فيليب الرابع،
فشد رحاله في 14 ابريل عام 1628 ومعه ثماني لوحات هدية منه الى الملك الشغوف باقتناء لوحات المشاهير,
في اسبانيا استقبل بحفاوة بالغة، ونظرا لرغبته في نجاح مهمته الدبلوماسية، اضطر الى تصوير مزاد الاسرة المالكة كلها، فضلا عن خمس لوحات أثمنها للملك نفسه،
وعندما ساءت العلاقات بين انجلترا واسبانيا، ووقعت الحرب بينهما او كادت، استطاع روبتر ان يقنع فيليب الرابع ملك اسبانيا بقدرته على حقن الدماء، اذ بعث به
مفوضا عنه للقاء تشارلز الاول ملك انجلترا,
وصل روبتر لندن في 25 مايو من عام 1628 ونزل ضيفا على الملك لمدة ثمانية شهور زار خلالها العديد من البلدان، وفي كمبريديج استقبلته الجامعة بالحفاوة
والتكريم، ولم يجد صعوبة في التحدث في السياسة مع الملك خلال الحديث عن الفن، واستطاع ان يثنيه عن عزمه العدوان على اسبانيا، ووجدها الملك فرصة في تحقيق
امنية والده في زخرفة سقف قاعة الاستقبال العقر الابيض، وقد اهدى روبتر لملك انجلترا لوحتين نتيجة قراره بعدم الاعتداء على اسبانيا، الاولى باسم ويلات
الحرب والثانية بركات السلم ، الى جانب الكثير من الصور لافداء الاسرة المالكة,
التفرغ للفن
وعندما عاد الى بلاده بعد ان نجح في حقن الدماء بين ثلاث دول، قرر التفرغ لفنه والاستمتاع بحياته مع زوجته الثانية، كان روبتر شخصا مختلفا عن اقرانه، فلم
يكن من رواد اماكن اللهو او تضييع الوقت فيما لا يفيد، بل وهبه الله طاقة فنية مذهلة، وفي رسالة بعث بها إلى احد اصدقائه قال انه رفض مائة طالب رغبوا في
تعلم فن التصوير في مرسمه لكثرة اعماله,
وكانت مشكلته الكبرى التي تؤرقه على الدوام، كيف استطاع ان يلبي كل الطلبات التي تنهال عليه في موعدها، مما اضطره ان يستعين بمهرة المصورين ممن تدربوا
بمرسمه واتبعوا اسلوبه ليعاونوه على انجاز هذه الطلبات في مواعيدها، وعلى الاصح يمكن القول ان مرسم روبتر تحول الى مصنع مجهز ومعد لاخراج عشرات اللوحات في
يوم الاحد من كل اسبوع, ويرى معاصروه، انه كان يدرب معاونيه كيف يصورون الاسماك والطيور والحيوانات والاشجار والمباني والغابات التي كانت تحتاج اليها
مواضيع لوحاته الكبيرة التي كان يصور مصغرا كاملا لها، ثم يعهد الى تلاميذه بتكبيره، كل فيما اختص فيه، ثم يتولى بنفسه وضع اللمسات البراقة الاخيرة، لكنه
لم يكن مرتاحا لهذا الاجراء الذي كان مضطرا اليه ليلبي كل الطلبات التي كانت تنهال عليه,
مرض الملوك
لم يسلم روبتر من غزو المرض لجسده المنهك اصلا في العمل، فهاجمه النقرس مرض الملوك، واصبحت مقدرته على الرسم اقل، لدرجة انه عانى مشقة شديدة في تلبية
طلبات ملك اسبانيا فيليب الرابع المتعطش لاقتناء اللوحات,
وكانت اخر لوحة رسمها لهيكل كاتدرائية كولوني بتكليف من المصرفي الثري جاباخ -احد اهم هواة جمع التحف الفنية، وبعد ان اتمها بيومين رحل روبتر عن دنيانا
في 30 مايو من عام 1640، وشاء القدر ان يكون جاباخ هذا ممن وضعوا ايديهم على ما تبقى من اعمال الفنان العظيم وعلى ما تركه من التحف النادرة التي جمعها في
اثناء رحلاته، وبيعت جميعها لمصلحة ورثته فيما عدا صورة لافراد اسرته اوصى بعدم التصرف فيها الا بعد بلوغ اصغر ابنائه سن الثامنة عشرة، في حين اشترى الملك
جاباخ، فقد باعها الى الملك لويس الرابع عشر ثم نقلت من قصره في فيرساي لتستقر في متحف اللوفر بعد الثورة الفرنسية,
ناصر عراق