إيمانا من مؤسس هذا الكيان الشامخ -رحمه الله- بأهمية العلم ونشره بين أمته، فقد اهتم اهتماما كبيرا به, وأنشأ له قاعدة صلبة مرتكزة على اصول هذا الدين
القويم الذي قامت عليه هذه المملكة ولا تزال بحمد الله,
وبما ان الخرج أولى البلدان التي بايعت الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وساهم رجالها في ملحمة البناء، فقد نعمت بالأمن والاستقرار فانتشر بذلك العلم رويدا
رويدا، حيث بدأ في حلقات التعليم في المساجد ثم في الكتاتيب التي فاقت خمسا وثلاثين كتّ
ابا في الدلم وحدها اذ كان يدرّس فيها القرآن الكريم وبعض الحروف الهجائية وحفظ شيء من العلوم الدينية والسيرة النبوية والحساب ومن تلك الكتاتيب حسب
التوزيع الجغرافي لأحياء مدينة الدلم التي تعد أكبر بلدان الخرج، حيث كان يدرّس في الدلم كل من المشايخ:
عبدالله بن عتيق آل مسلم، محمد بن عبدالله آل مسلم، عبدالرحمن بن عبدالله بن عتيق آل مسلم، عبدالعزيز بن عبدالله بن عتيق آل مسلم، احمد بن عبدالله بن عتيق
آل مسلم، محمد بن عبدالعزيز الصيرامي، سعد الحميدي، محمد بن مطلق، ناصر بن عبدالله بن بخيتان، ناصر بن كليب، رشيد بن عبدالله آل خنين، احمد بن عتيق بن
دريهم، محمد حسني المصري، واحمد بن مرشد بن مسلم,
وفي حي الوسطة بالدلم كان يدرس عبدالرحمن بن علي بن يحيى، وسعد بن رشيد الخرجي، ومحمد بن احمد بن مهيني، وعبدالله بن فهد بن سنبل,
أما في العذار جنوبي الدلم فهم: ابراهيم بن جساس، وعبدالله بن ابراهيم بن جساس، وصالح بن عبدالعزيز بن هليل، وعبدالعزيز بن عثمان بن هليل، عبدالرحمن بن
عبدالعزيز بن هليل، محمد بن عبدالرزاق، سعد بن ناصر المطوع، محمد بن ناصر المطوع، عبدالله بن عويدان، محمد بن عبدالله العديني,
أما في زميقة فكان يدرس: صالح بن عيسى الزير، وسليمان بن محمد الرفيق، وعبدالله بن بلال الملاحي، وسعد بن عبدالله بن صفيان,
وفي المحمدي شمال الدلم كان يدرس عبدالعزيز بن صالح بن مجلي، وعبدالرحمن بن عفيف، وراشد بن محمد بن هديب، وعبدالله بن محمد الدخيني,
ومن أبرز تلك الكتاتيب كتاب الشيخ عبدالله بن عتيق آل مسلم والتي اطلق عليها مدرسة آل عتيق لتدريس الشيخ عبدالله فيها ومن بعده ابناؤه حيث توارثوا التدريس
فيها، وكانت تقع في سوق غريب شمال سوق الدلم حاليا,
وكان أول من درس فيها الشيخ عبدالله بن عتيق آل مسلم إمام المسجد الجامع وكاتب القاضي الشيخ عبدالله بن حسين المخضوب 1290ه-1315ه, ثم درس فيها أولاده محمد
وعبدالعزيز وعبدالرحمن واحمد، وكانت المدرسة عبارة عن رواق مصباح مبني من الطين على سناطي اعمدة من الطين ، وقد بنيت بداخله كراسي من الطين تسمى حبوس
بجانب الجدران وفرشت ارضيتها بالرمل الأحمر,
وكان التدريس مقتصرا على القرآن الكريم والكتابة والقراءة عن طريق الالواح التي تنجر من خشب الأثل، وأقلام تتخذ من نبات القصبا الذي ينبت على ضفاف احدى
العيون في السيح ويبرى بطريقة معينة، أما الحبر فيصنعه الطلاب أنفسهم من المراود والسخام السنون والصمغ وتخلط هذه المواد وتوضع في الدواة,
وكانت الدراسة تبدأ من طلوع الشمس الى الضحى، ومن بعد صلاة الظهر حتى العصر، وكان الانفاق على هذه المدرسة وبعض المدارس الأخرى من أراضي زراعية أوقف ريعها
لصالح المدرسة، وفي الغالب يأخذ المدرس عن كل طالب ريالا أو ريالين في الشهر أو عيش أو تمر, وعندما يختم الطالب كتاب الله يعطى المدرس ثمانية ريالات أو
أشياء عينية,
قضاة في التعليم
ولقد كان القضاة الى جانب عملهم في القضاء بين الناس يقومون بالتعليم وعقد الحلقات في المساجد أو في منزل القاضي ومن هؤلاء القضاة الشيخ عبدالعزيز بن صالح
الصيرامي 1315ه-1345ه, ثم جاء تعيين سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مفتي عام المملكة والرئيس العام لادارات البحوث والافتاء ورئيس هيئة كبار
العلماء قاضيا للخرج من عام 1357ه-1371ه ومع وصوله حدثت نقلة كبيرة في جميع النواحي وبالأخص الناحية العلمية اذ وجد قلوبا محبة للخير والعلم والتعليم
والصبر على ذلك فعقد حلقات التدريس في الجامع الكبير في الدلم لطلاب العلم الذين أخذوا يتوافدون عليه من الدلم والقرى المحيطة به ثم ما لبثت وفود الطلاب
تتقاطر على الدلم من أنحاء المملكة التي عمرت بالأمن بعد توحيدها على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ولم تقتصر تلك الحلقات على المسجد الجامع بل كانت هناك
حلقة في بيته لبعض الطلاب الملازمين له فكان غالب يومه في غير أوقات القضاء في الدرس والتعليم والتربية,
وعندما كثر الطلاب فلم يعد يجد الكثير منهم مأوى يسكن فيه عندئذ طلب سماحته من الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بناء سكن لهؤلاء الطلاب المغتربين عن بلادهم
فوجه الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ببناء سكن لهم فبنيت لهم غرف متجاورة يحويها سور بمنافعه قرب جامع الدلم سميت عندهم بالرباط أو رباط ابن باز وكانت
الغرف بمثابة ما يعرف اليوم بسكن طلاب الجامعات، ثم زاد إكرام الملك عبدالعزيز رحمه الله للطلاب فجعل لهم مخصصا شهريا ومكافأة تصرف لهم عن طريق سماحة
الشيخ عبدالعزيز بن باز، وأحيانا تصرف لبعض الطلاب المجدين مشالح تشجيعا لهم على مواصلة طلب العلم، فكان لدعم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- المادي والمعنوي
أثره الكبير بعد الله فأصبح المسجد الجامع الكبير في الدلم أشبه بجامعة علمية يزدحم بطلاب العلم والمعرفة آنذاك وقد صور ذلك أبلغ تصوير فضيلة الشيخ الشاعر
عبدالرحمن بن عثمان الجاسر بأبيات منها
|
إني لأذكر في الرباط دراسة
ودراسة أخرى بذاك المجد
والحلقة الكبرى لدى محرابه
عند ابن باز يالطيب المشهد
تتعاقب الحلقات ورد معينه
بحر العلوم وحجة المستشهد
قد كان جامع ديلم في وقته
أركان جامعة بذاك المسجد
طلابه من كل قطر قد أتوا
كالشام أو يمن كذا أو نجّد
كم خرّجت حلقاته من عالم
حمل الرسالة في القضاء أو مرشد
|
وعاشت الدلم في تلك الفترة حالة من الحيوية والنشاط فعمرت اسواقها وجلبت اليها البضائع أكثر مما كانت عليه ونشط الأهالي في تأجير بيوتهم على طلاب العلم
حيث ان الطلب عليها فاق المعروض في ذلك الوقت,
ومن المتعذر ذكر جميع الطلاب الذين توافدوا لطلب العلم على يد سماحته لكثرتهم، ونذكر هنا بعض الذين تعلموا وأسهموا في التعليم والتدريس في المدارس
النظامية اثناء قيامها وقادوا التعليم النظامي بالمنطقة وهم:
معالي الشيخ راشد بن صالح بن خنين المستشار بالديوان الملكي حاليا، الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن جلال، الشيخ صالح بن محمد الصرافي، الشيخ عبدالعزيز بن
محمد الصرامي،الشيخ عبدالعزيز بن حسين بن عسكر، الشيخ عثمان بن عبدالعزيز بن هليل، الشيخ سعد بن رشيد الخرجي، الشيخ عبداللطيف بن محمد بن شديد رحمه الله،
الاستاذ احمد بن مرشد بن مسلم، الاستاذ عبدالله بن فهد بن سنبل، الاستاذ عبدالعزيز بن علي الزير,
المرشدون للهجر
ولقد اهتم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- كذلك بالهجر والقبائل فانتدب لهم المطاوعة والمرشدين من المدن القريبة منهم، وأول ما يتعلمون القرآن الكريم وأركان
الاسلام والعبادات ومبادىء القراءة والكتابة ولا يقتصر عمل المطوع أو المرشد على التعليم فقط بل هو واعظ القبيلة وامامها وخطيب مسجدها وقد يكون مرجعها
الديني في كل شيء، وله رأي مسموع في شؤونها العامة والخاصة، ومن انتدب للعمل في الهجر بالخرج الشيخ ناصر ابن الشيخ عبدالعزيز الصيرامي في الهياثم بالاضافة
الى الشيخ راشد بن عيسى بن عبدالوهاب والشيخ محمد بن سعد بن شعيل,
وفي نعجان الشيخ محمد بن عبدالله بن عتيق آل مسلم، وفي الضبيعة الشيخ عيسى بن زيد الزير,
أما التعليم في اليمامة: فقد كان يوجد بجامع اليمامة حجرة ملحقة يفضي بأبها الى الشارع بنيت بداخلها كراسي من الطين حبوس بجانب الجدار وممن درس بها الشيخ
عبدالعزيز بن سعد العبيدي,
وكان يوجد ببلدة اليمامة كتّاب آخر في مسجد أم أثيلة الذي يقوم إمامه علي بن عبدالرحمن المويزري بتدريس القرآن الكريم فيه,
وفي عام 1362ه قام الشيخ ناصر بن عبدالرحمن الكنهل باستئجار مبنى طيني واتخذ منه مدرسة نسبت الى حي المطيرية، ثم بنى الأهالي له مدرسة مقسمة الى فصول في
عام 1365ه واحضر كتبا للهجاء فأخذ يعلم الناس وكان يساعده محمد بن عبدالله السماري- ومحمد بن صالح الفواز وعبدالعزيز الفواز وعبدالعزيز بن عبدالله الرويس
ولقد كانت تلك الغرف التي أعدها ناصر الكنهل لتدريس الطلاب فيها نواة للمدرسة النظامية فيما بعد حينما افتتحت عام 1368ه,
أما الحلقات العلمية فقد كان من أبرز تلك الحلقات في اليمامة حلقة الشيخ عبدالله بن محمد الفواز خطيب الجامع الذي تلقى العلم على يد سماحة الشيخ محمد بن
ابراهيم آل الشيخ -رحمه الله- كما وضع الشيخ عبدالله مكتبته في هذا الجامع، وهي مكتبة غنية بالكتب في مقياس ذلك الوقت,
الخرجي في السلمية
أما في السلمية فقد برز في التعليم الشيخ عبدالله بن محمد الخرجي الذي تولى القضاء عام 1270ه، وتعلم على يديه الكثير من أبناء المنطقة وغيرهم وكان من
أبرزهم شاعر الملك عبدالعزيز الشيخ الشاعر محمد بن عبدالله بن عثيمين -رحمهما الله-,
واثناء اقامة الشيخ عبدالله الخرجي في الرياض عهد الامام عبدالرحمن بن فيصل بابنه عبدالعزيز الملك عبدالعزيز اليه حيث تعلم لديه مبادىء القراءة والكتابة
وحفظ سور من القرآن الكريم,
ومن معلمي الكتاتيب في بلدة السلمية سعد بن راشد المحسن وصالح بن شبرين ومحمد بن سعد بن شعيل وفارس بن رشيد السميّح,
وفي نعجان برز من معلمي الكتاتيب الشيخ احمد بن غملاس ومحمد بن عبدالله بن عتيق آل مسلم الذي انتقل من الدلم الى نعجان للتدريس فيه,
التعليم النظامي في الخرج
ومنذ ان توحدت المملكة على يد المؤسس الباني الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بدأ يتجه الى تأسيس المؤسسات الحكومية التي تنظم أمور الدولة ومن تلك المؤسسات
المديرية العامة للمعارف للرقي بالتعليم الى الاسلوب الأمثل لمواجهة ظلام الأمية المتفشية لدى الكثيرين، فانتشرت بذلك المدارس النظامية في أنحاء المملكة,
ولقد كانت بدايات التعليم في الخرج في عهد الملك عبدالعزيز عندما أمر وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان -رحمه الله- بالاشراف على مشروع الخرج الزراعي،
مما اضطر الوزير للبقاء في الخرج مدة طويلة جعلته يتفق مع الشيخ حمد الجاسر للاشراف على تعليم ابنائه وتنظيم دراستهم في الخرج, وعندما ازداد عدد الطلاب
ورغب الأهالي تعليم أبنائهم نقل الشيخ حمد الجاسر رغبتهم الى وزير المالية وافتتحت لهم مدرسة عام 1362ه وعين الأستاذ عبدالكريم الجهيمان مديرا لها, وكان
من عادة الملك عبدالعزيز رحمه الله ان يأتي الى الخرج كل نهاية اسبوع فقررت ادارة المدرسة زيارته مع بعض طلابها لالقاء بعض المحاورات الدينية والأناشيد
امامه، فاستقبلهم الملك واستمع لمدير المدرسة الأستاذ عبدالكريم في قصيدته ثم لأبنائه الطلاب في محاوراتهم وأناشيدهم فأعجب بهم ودعا لهم، ومما قاله لهم
بارك الله فيكم يا أولادي ,
في الدلم عام 68
أما في الدلم ففي عام 1368ه رأى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز قاضي الخرج آنذاك مفتي عام المملكة والرئيس العام لادارات البحوث العلمية
والافتاء ورئيس هيئة كبار العلماء حاليا، رأى اقبال الناس على العلم والتعليم وازدحام دور العلم والكتاتيب فرأى ان يخاطب ولي العهد في ذلك الحين الملك
سعود -رحمه الله- ويطلب منه افتتاح مدرسة في الدلم، فصدر الأمر لمدير المعارف آنذاك الشيخ محمد بن مانع -رحمه الله- بافتتاح مدرسة ابتدائية في الدلم فتم
افتتاح أول مدرسة حكومية في الدلم مدرسة ابن عباس وثاني مدارس الخرج في عام 1368ه بعد ان انضمت اليها مدرسة الأستاذ احمد بن مرشد بن مسلم التي هي أشبه ما
تكون بمدرسة أهلية حيث افتتحت في عام 1365ه,
وقد حظيت مدرسة ابن عباس بالدلم كغيرها من المدارس باهتمام المسؤولين فقد تبرع الملك سعود -رحمه الله- بإنشاء مبنى لها على حسابه الخاص من الخرسانة
المسلحة وهو المبنى القائم حتى اليوم، وقد قام ايضا رحمه الله بزيارة للمدرسة في عام 1378ه وحضر احتفال المدرسة بهذه المناسبة,
وقد استمر افتتاح المدارس الابتدائية في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله حيث افتتحت مدرسة ابن القيم في المحمدي في الدلم ومدرسة السلمية ومدرسة العذار في
الدلم ومدرسة احمد بن حنبل في الهياثم ثم مدرسة السهباء,
وسارت الأمور من حسن الى أحسن في ظل الاهتمام المتزايد من ولاة الأمر وكذلك استتباب الأمن والرخاء، فمنذ ان اصبح خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن
عبدالعزيز -حفظه الله- وزيرا للمعارف أخذ على عاتقه عهدا بأن يبدأ التعليم مرحلة جديدة بعد مرحلة سابقة، كانت فيها مديرية المعارف تتولى شؤون التعليم في
البلاد, ولقد استلم الوزارة -حفظه الله- برغبة صادقة وهمة عالية وتصميم لا يعرف التردد على ان يخطو بالتعليم في المملكة خطوات واسعة وسريعة كما وكيفا لكي
تلحق المملكة بالركب السائر المتقدم والذي برزت آثاره واضحة في شتى الميادين,
ولقد كان مصمما على منازلة الجهل والأمية وملاحقتهما بلا هوادة ولا تراخ في كل منطقة وفي كل هجرة في المملكة، لذا فقد حظيت سنة افتتاح وزارة المعارف
بافتتاح مدارس أخرى اضافة لما سبق افتتاحه فتم افتتاح مدرسة في زميقة والخفس بالدلم، والضبيعة ونعجان ومدرسة موسى بن نصير وكذلك دار للأيتام في الدلم ثم
افتتاح معهد للمعلمين كذلك في الدلم, ثم توالت المدارس في الخرج فبعد ان كانت المدارس تعد على اصابع اليدين جاوزت المائة وعشرين مدرسة للبنين وقرابة
المائتي مدرسة للبنات وكلية تربية للبنات، وتلك المدارس في مباني غالبها مبني على الطراز الحديث ومجهز بكامل التجهيزات التربوية التي هيأتها الدولة لرعاية
العلم وطلابه وتزويدهم بالمعلومات المفيدة لهم، ولمجتمعهم فأثمرت تلك الجهود رجالا مخلصين متسلحين بأعلى درجات العلم الشرعي والتقني مشاركين في مسيرة
البناء والتنمية المباركة بجد وعطاء لا يكل وهمة عالية ونية صادقة لبلادهم,